المشهد الجزائري بين الأمس واليوم

ومخاوف ثالثة من التواجد الفرنسي صاحب المصلحة الكبري في البلاد باستيلائه علي الغاز الجزائري مجانا منذ عشرات السنين والتعامل مع البلاد وكأنها مستعمرة فرنسية

 

مشهد ثوري شديد التعقيد تمر به الجزائر بين مخاوف من استيلاء الجيش على مقاليد الأمور في البلاد ، ومخاوف أخري من ثورة مضادة استطاعت أن تخترق صفوف الثوار عبر رجال النظام الذين انضموا للشارع وأعلنوا رفضهم لإعادة ترشح بوتفليقة واستطاعتهم توجيه دفة جزء من الثورة نحو الرفض المطلق لتدخل الجيش ، ومخاوف ثالثة من الوجود الفرنسي صاحب المصلحة الكبري في البلاد باستيلائه على الغاز الجزائري مجانا منذ عشرات السنين والتعامل مع البلاد وكأنها مستعمرة فرنسية ، ليقع الشعب فريسة بين تلك المخاوف الثلاث والتي يمثلها :

أولا: جنرالات الدم، وهم الذين تورطوا في مجازرا التسعينيات بحق الشعب وورطوا الجيش معهم

 ثانيا : السعيد بوتفليقة أو الدولة العميقة والنظام الحاكم ، والذي حاول استقطاب من تبقى منهم لجانبه واختراق صفوف الثوار وتحويل وجهتهم بتكوين نظام جديد من رحم النظام القديم يوالي فرنسا ويبقي على الدولة القديمة بعيدا عن الحساب لتظل تحكم في الظل كما كانت وذلك بمحاولة إقصاء ، أو إقالة رئيس الأركان “القايد الصالح ” النوفمبري الذي عرب الجيش ،  والذي يظهر منحازا لمطالب الشعب ، وتخرج الشائعات بإقالته بالفعل ليتم تكذيب الخبر بعد ذلك ، حاول السعيد بوتفليقة الحاكم الفعلي للبلاد أن يدفع الجيش لإيقاف التظاهرات بالقوة غير أن الأخير لم يستجب ، وأعلن المؤامرة بين الجنرال ، والسعيد بوتفليقة لمحاولة استنساخ النظام القديم في ثوب جديد وذلك بدعوة الرئيس السابق “اليمين زروال ” لقيادة المرحلة الانتقالية وهو الذي كان يترأس الجزائر أثناء المجزرة ، غير أن زروال  يرفض بدوره ويعود إلي بيته ، ويعلن ذلك مؤيدا البيان الأخير للجيش في حديث متلفز

ثالثا: الأطماع المحتملة للجيش في حكم البلاد بحجة فرض الاستقرار أو تجنيب البلاد الوقوع في أتون صراع جديد بين الشعب وبين الدولة العميقة ورجال فرنسا، والحقيقة أن التجارب العربية مع جيوشها لا تدع فرصة للشعوب بالثقة الكاملة فيها، بل عليها الاحتراز في التعامل وعدم ترك الحبال منسدلة.

موقع فرنسا في الصراع الدائر

تلك ثلاثة تحديات رئيسية واجهها الشعب الجزائري وما زال في ثورته المفرطة بالسلمية ضد إعادة ترشيح رئيسه المريض المستقيل، تمثل تلك التحديات الصورة العامة للمشهد الجزائري لسنوات، تبلورت في الأيام الأخيرة بعد انتفاضة الشعب بشكل مفاجئ ضد التسليم لمن يحكمونه في الظل باسم بوتفليقة الغائب عن الوعي منذ سنوات، وباستعراض تفاصيل المشهد يتضح التالي:

الجنرال ” التوفيق ” هو الرجل الذي تبقى من جنرالات الدم بعد رحيلهم بالموت أو الهجرة ، وتعد هي الحسنة الوحيد للرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة أن استبعده بعد جهد جهيد وهو الذي كان بمثابة رئيس ثانٍ للجزائر لما يتمتع به من نفوذ في أروقة الدولة العميقة والإعلام ، كذلك عند فرنسا ، فانتهى أمره فعليا  واستبعد عن المشهد الجزائري وانزوى بعد إعادة هيكلة جهاز المخابرات الذي يرأسه في 2013، أما مؤخرا فقد تحالف مع السعيد بوتفليقة واستطاع متخفيا اختراق الثورة للتشكيك في نوايا الجيش والإيقاع بينه وبين الشعب لتقسيمه ونشر الفوضي في البلاد مستعيدا أحداث التسعينيات الدموية

فأين فرنسا إذن في المشهد الحالي؟

 لا يغيب عن أحد أن أكثر كيان مستفيد من بقاء الأوضاع على ما هي عليه في الجزائر هو الدولة الفرنسية ، والتي ما زالت تنظر لها بعين المحتل ، وأنها الأحق بها اقتصاديا وسياسيا ، واستمدت الأنظمة المتعاقبة مشروعية بقائها من مباركتها ، وليس رضا الشعب ومباركته ، لتصير الشريك الأكبر في مقدرات البلاد ، وتنجح فرنسا في الحصول على ما لم تحصل عليه بالاحتلال العسكري أو بالحرب ، ونستطيع أن نقول إن فرنسا تدير البلاد بشكل غير رسمي، فالشركات التجارية والشراكات لها دون غيرها من الدول ، شركات قطاع الخدمات تديره شركات فرنسية ، الغاز الجزائري تستولي عليه فرنسا بالمجان ، اللغة الرسمية للحكام والمسئولين هي اللغة الفرنسية ، تعد باريس هي وجهة العلاج والإنفاق ، جميع الوثائق الرسمية بالدولة تكتب باللغة الفرنسية حتي اليوم ، فالأمر لا يتوقف عند حد تطبيع العلاقات مع الفرنسيين كدولتين متناظرتين ، وإنما وصل لحد التسليم بمسؤولية فرنسا عن الجزائر ، وإطلاق يدها في أدق الأمور في البلاد خاصة في فترة حكم الرئيس المستقيل ، وقد فوجئت فرنسا كما فوجئ النظام ، وكما فوجي العالم بالثورة الجزائرية ضد هيمنة أسرة الرئيس التي تحكم فعليا لتقف كل الأطراف في حالة من الاضطراب ، ثم تستجمع طاقتها لتخريب فكرة الثورة السلمية ، وإعادة المشهد الدموي الذي رفض الجيش أن يخوضه ، بل وكشف ذلك المخطط على الملأ في بيان الجيش للشعب حين وصفهم بالعصابة الحاكمة ، بينما هو كان وللآن جزءا منها

ومن جملة تلك الشواهد نصل لنتيجة حتمية ، هي أن فرنسا لن تسلم بنتائج الثورة وركون الجيش لتحقيق مطالب الشعب وحماية المادة ” 102 ” التي أريد تجاوزها وإدخال البلاد في حالة فراغ دستوري مما يهدد بانقسام الثوار والخلاف على المطالب ، إن هناك يدا تعبث لبث الفرقة بين الثوار بعضهم بعضا ، تلك اليد هي من قفزت من سفينة النظام ، وبدلا من أن تحاكم لإسهامها في الوصول بالجزائر لتلك الحالة ، فإذا بها تحسب على الثوار ، وتحمل مطالب تحاول بها توجيه الدفة لإشعال الفتن بين طوائف الشعب  ، وبين الشعب والجيش ، لقد وضح تصريح ” اليمين زروال ” الرئيس الأسبق بمحاولة استدعائه لإدارة الفترة الانتقالية من قبل الجنرال ” التوفيق ” أن تلك الفئة ما زال لها وجود قوي ، وقدرة على تغيير مجريات الأمور لصالح الفوضي والتشرذم والصراع الداخلي ، بدلا من الانتباه لخطورتهم والقضاء على ثورتهم المضادة في مهدها .

دور الشعب الجزائري في تجاوز المحنة

لقد استطاع الشعب ببراعة أن يجتاز الخطوة الأولي وينجح في ثلث مطالبه وهي رحيل النظام ، ثم مرحلة انتقالية لا تطول ، ثم انتخابات حرة يختار الشعب فيها رئيسه بنزاهة وشفافية ، وستظل الثورة المضادة قائمة لتستجمع رجالها ، وتقوي شوكتها كلما طالت المدة بين إعلان قرار الاستقالة وبين اختيار رئيس للبلاد يتمتع بقوة شعبية ، وقوة مؤسسات تسانده لأداء مهامه ، ولن تستسلم الدولة العميقة ومن خلفها فرنسا للهزيمة بسهولة ، وهناك الكثير من الطرق لإفشال الحراك الشعبي أولها الايقاع بين الثوار أنفسهم ، واختلاط الرؤى ، وعدم التركيز في المطالب الرئيسية ، والانجرار لمطالب فرعية تشتت الانتباه عن الهدف الأساسي من الثورة ، وعدم الانتباه لطائفة الثوار الجدد الذين كانوا يمثلون عصب الحياة السياسية في عهدة بوتفليقة الأخيرة ، إن كل ثورة لا تملك قوة تحميها هي ثورة فاشلة تسلم أفرادها للمشانق ، فعلى الشعب الجزائري أن لا يسلم تسليما مطلقا لأولئك العائدين من معسكر النظام ، وفي ذات الوقت أن ينتبهوا لمطامع جديدة للجيش قد تضطره لإطالة فترة مسؤوليته عن إدارة الشأن السياسي في البلاد ، على الشعب أن يكسب جيشه ولا يتركه ليد العابثين لتعيده لتلك الفترة المظلمة في حياة البلاد ، وفي ذات الوقت لا تترك العنان له دون رقيب ، إن المشهد معقد ويجب فيه إدارته بحذر شديد خاصة بعد المحاولة الأخيرة لاجتياج قوات ” حفتر ” صوب الغرب الليبي ، ولا أراها بعيدا عن التآمر الدولي على ثورات الربيع العربي بقيادة الإمارات والسعودية ومصر تتزعمه  فرنسا لمصالحها الكبري في الجزائر لجر الجيش لصراع خارجي ، ومحاولة الانفراد بالداخل الجزائري لافساد الثورة وتفويت الفرصة على الثوار لفرض إرادتهم . فهل يفعلها ثوار الجزائر وقادتهم ويستطيعوا إدارة المشهد بحرفية والعبور نحو مستقبل جديد للبلاد؟ لو فعلوها فهي إعادة للربيع العربي أكثر وعيا، وأكثر قوة، وأشد ضراوة.

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة