“ابن الحرام باع الجولان”

 

مشكلتنا العويصة تكمن في اللغة “البحر” التي قال فيها الشاعر:

أنا البحر في أحشائه الدر كامنٌ     فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي!

نحن شعب يتقن التحايل على الحقائق باختيار أسماء تحرفها عن مسارها.. وأوّل تلك التسميات هو إطلاقنا اسم “النكسة” على هزيمة يونيو/حزيران عام 1967. كما أنّنا خبّأنا المعلومات التي نعرفها جيداً كما يعرفها إخوتنا في مصر، تحت ذريعة المقاومة والممانعة. فنحن قبل الثورة لم نجرؤ على إطلاق المسميات الحقيقية على الأشياء.

اعتدنا أن نسمي الجولان “بالمحتل” وحمّلنا إسرائيل وزر تلك التّسمية طيلة خمسة عقود من الزمن.. لكن مع انطلاقة الثورة السورية انطلقت الحناجر الحرّة في المظاهرات لتقول الحقيقة التي غيّبها النظام السوري ودارى عليها طيلة ذلك الزمن “ابن الحرام باع الجولان”.

لم تكن تلك الحقيقة مفاجأة للسوريين، المفاجئ هو القدرة على التصريح وقول ذلك علناً وفي وجه النظام السوري المتوحش. وربما كانت هذه الصرخة من القوة والفاعلية لدرجة تضاهي الصرخة المطالبة بالحريّة. نعم لقد نطق الطفل أخيراً فاضحاً عري الإمبراطور وزيف ثيابه الجديدة. وإثر تلك الصّرخة خرجت بعض الأصوات من هنا وهناك لتؤكد هذه الحقيقة فصاحب كتاب (عرفت السادات) يؤكد في أكثر من لقاء أنّ الهضبة بيعت بمئة مليون دولار ويؤكد محمود جامع أنّ رقم الشيك كان موجوداً لدى عبد الناصر.

حسناً. الجولان مباعة، لكن في السرّ ويبدو أنّه آن الأوان لتثبيت هذا البيع. وهذا الأمر يتطلب وعداً من سيدة العالم على غرار وعد بلفور.

وعد ترمب.

اعتاد الغرب على استضعافنا بسبب هؤلاء الخونة الذين يتحكّمون بمصائرنا، مادام الغرب يمسك بالرسن ويقودهم حيث يشاء فليس هناك أيّ مشكلة في تدخله المباشر في تقسيم البلاد ومنحها لطفلته المدللة إسرائيل.

قام ترمب مؤخراً بخطوة على طريقة بلفور ومنح الجولان لإسرائيل وكأنّه أرض أجداده.

بالطبع يستطيع ترمب فعل ذلك فسوريا كدولة لم يعد لها وجود إلا في ملفات الأمم المتحدة فقط حيث باتت محتلة من أربع جهات بشكل رسمي (أمريكا، روسيا، إيران، إسرائيل) وبات بشار الأسد مجرد أمير حرب مثله مثل أيّ قائد فصيل مسلح في سوريا.

يستطيع ترمب منح أيّ جزء من سوريا لمن يشاء، ليس الغريب أن يفعل ذلك الغريب هو استنكارنا واستغرابنا لذلك ونحن نعلم أن الجيش الأمريكي موجود في الجزيرة السّورية كاملة بحجة القضاء على داعش، وبموجب هذا الوجود منح المدن السّورية لقسد وسيطر على منابع النفط. ما الغريب إذن في تصريح ترامب بمنح الجولان لإسرائيل وهي التي تسيطر عليه عملياً منذ عام 1967 عندما باعه حافظ الأسد بوثائق رسمية تحدث بها السادات لمحمود جامع شخصياً؟

المضحك المبكي

المضحك المبكي في هذا الموضوع أنّ أبطال المقاومة والممانعة لم يقبلوا بقرار ترمب وأعلنوا التّحدي فقد تسلّل على ما يبدو بعض أشدائهم المغاوير إلى داخل الجولان وملأوا كيساً من ترابه ثمّ عادوا إلى قواعدهم سالمين، وضعوا التّراب في وعاء مكتوب عليه الجولان وغرسوا فيه علم سوريا واحتفلوا بتحرير الجولان الأمر الذي جعل الفنان علي فرزات يكشف الخطة السّريّة لتحرير الجولان وذلك بسرقة التّراب بالكيلو إلى أن ينتهوا منه ويبقى الإسرائيليون معلقين في الهواء!

لا أعرف حقيقة هذا الفطحل صاحب الفكرة الجهنمية بجلب تراب من الجولان ووضعه في صينية وغرس العلم السّوري فيه لكنّه بالتأكيد شبيح قارئ للتاريخ أخذ الفكرة من الفاتح العربي قتيبة بن مسلم الباهلي الذي أقسم أن يدوس تراب الصين وعندما عقد صلحاً مع الصينيين أتوا له بتراب من الصين على طبق ليدوسه ويبر بقسمه.

المضحك المبكي أيضاً في رد فعل الشبيح دريد لحام الذي نشر صورة له على الفيس بوك يحمل وثيقة كتبها ومنح بموجبها ولاية كاليفورنيا للمكسيك. فقد كان لابدّ للخنفساء أن تمد رجلها (يوم قاموا يحذون الخيل مدت الخنفساء رجلها) أمّا الشبيح المطرب علي الديك فقد كان رده في الواقع عنيفاً على الإعلامي اللبناني سلام الزعتري الذي قالها له صراحة بأنّ دمشق باعت الجولان لكن الديك كان على درجة من الجهل بحيث لم يستطع توصيف الجولان، هل هي مدينة أم محافظة، ربّما كان بحاجة لدورة إعداد حزبي تحت عنوان (اعرف بلدك).

أما الرد الرسمي على قرار ترمب والذي يفترض أن يصدر عمّا يُسمى (موقع السيادة) فيبدو أنّه لن يختلف عن الشّعار السّوري الخالد (نحتفظ بحق الردّ في الزمان والمكان المناسبين). وتبقى المشكلة في آلية صياغة المصطلح المناسب لوضعه في كتب التّاريخ.

هل نحن بصدد إعادة النظر في استخدامنا للمصطلحات التي نطلقها على الأحداث التاريخية في سوريا؟

هل ستسمي كتبنا الرسمية التي تدرّس للطلاب في المدارس “المجاهد” صالح العلي باسمه الحقيقي؟

هل سنطلق على حافظ الأسد الاسم الحقيقي وعلى ابنه بشار “مجرم الحرب السورية”

أعتقد أنّ الثورة الكاشفة ستضع التّسميات الحقيقية في نصابها. وسنتخلص مستقبلاً من عبارات

النكبة، النكسة، المقاومة، الممانعة والحرب على الإرهاب.

وسنقول بملء حناجرنا إنّ ابن الحرام قد باع الجولان وإسرائيل تملكها بوثائق رسمية.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة