أزمة نادي القرن

 

 

يخبرنا التاريخ دائما بأنه لا شيء يبقى على حاله أبد الدهر، كيانات كانت عظيمة وقوية، سقطت وتلاشت، وأخرى كانت صغيرة وضعيفة، قامت وسيطرت..

ينطبق الحال على الرياضة، حيث يشهد التاريخ على العديد من النماذج التي تسيدت المنصات لأعوام طويلة، ثم سقطت وتلاشت، وأخرى كانت تأتي في الذيل، قامت ونافست وسيطرت.. في مصر يخشى المتابعون للشأن الرياضي – كاتب السطور منهم- أن تكون تلك الحقبة شاهدة على تراجع النادي الأهلي، وربما سقوطه من فوق قمة البطولات والإنجازات إلى حضيض الانكسارات والخسائر، فذلك الكيان العظيم الضارب في عمق التاريخ صاحب الـ112 سنة، محقق البطولات التي لا تحصى ولا تعد، يعيش الآن فترة هي الأصعب في تاريخه، إما يكون فيها أو لا يكون، تواجهه المشاكل والأزمات من كل جانب، ويتربص به الخصوم من كل مكان، ويتعرض لحرب هي الأسوأ والأعنف في تاريخه، الأمر الذي جعله يتراجع على كافة المستويات المحلية والأفريقية والدولية بشكل لم يسبق له مثيل، فبعد خروجه من دوري الأبطال الأفريقي، ها هو يعاني في بطولة الدوري المحلي.

قد يفوز الأهلي بالدوري هذا الموسم، لكن المؤكد أنه لن يفوز في قادم المواسم إذا ما استمر يواجه نفس الأزمات والمعارك التي يواجهها الآن، فالحرب كما تبدو شرسة وعنيفة ونجاة الأهلي منها ليست مضمونة إذا ما تم التعامل معها بنفس الطريقة التي يتعامل بها مجلس الإدارة الحالي برئاسة محمود الخطيب.

الأزمات التي يواجهها الأهلي حاليا عديدة ومتشعبة، لكن هناك اثنتين منها أرى أنهما هما اللتان وضعتا نادي القرن في هذا المحك التاريخي.

أولا: التغير المجتمعي غير المتوقع

على مدار تاريخ الأهلي كان مسؤولوه يعتمدون بشكل أساسي على مكانة النادي وشعبيته وإمكاناته المادية، التي كانت تفوق إمكانات كل الأندية، وعبر ذلك كان يستطيع فعل أي شيء وكل شيء في سبيل تحقيق انتصاراته وبطولاته، فحتى وقت قريب جدا، كان الأهلي يحكم قبضته على الإعلام المصري وربما العربي، فلا ينشر إلا ما يريده، ولا يذاع إلا ما يخدم مصلحته، وقد نجح مسؤولوه في توظيف ذلك الأمر توظيفا ناجعا خاصة في حقبة رئاسة حسن حمدي، الذي نجح بحكم عمله في الأهرام مديرا لوكالة الإعلان، وإيمانه بأهمية الأعلام في أن يفرض سيطرته على كافة وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، وأذكر وأنا أعمل في جريدة الأخبار، كيف أن نفوذ حسن حمدي كان يجعله قادرا على التدخل في توجيه المواد التحريرية، لدرجة أنه نجح ذات مرة في أن يمنع نشر حوار لخصمه طاهر أبوزيد قبل ساعات من طباعة الجريدة. لكن الآن فالوضع تغير والتداعيات السياسية التي شهدتها مصر في السنوات الثماني الأخيرة فرضت على المجتمع أوضاعا جديدة وضح أن مسؤولي الأهلي لم يعملوا حسابها، حيث ظهر منافسون جدد يملكون المال والنفوذ مثل نادي بيراميدز المملوك للسعودي تركي آل الشيخ، كما لم يعد من السهولة بمكان السيطرة على الإعلام كما كان الحال من قبل، فنجح بيراميدز بإمكانياته المادية ونفوذ مسؤوليه في الحد من نفوذ الأهلي إعلاميا واجتماعيا، بل نجح بيراميدز في أول موسم له أن ينافس الأهلي على لقب الدوري، وربما على الكأس أيضا.  

ثانيا: تجريد النادي من مصدر قوته

كانت ولاتزال شعبية النادي الأهلي هي الأوسع والأكبر محليا وعربيا وأفريقيا، وطبقا للإحصائيات المتداولة فإن جماهير الأهلي داخل مصر وحدها تتخطى الأربعين مليونا، وقد مثلت تلك الشعبية قوة روحية للاعبي الأهلي في مختلف اللعبات، كانت هي الدافع الأول والأساسي في تحقيقهم للبطولات المختلفة، وكم رأينا من مباريات كان الأهلي فيها الأضعف فنيا والأقل جاهزية من منافسيه، لكن وجود الحشود في المدرجات كان كفيلا ببث الرعب في قلوب المنافسين، والدافع المباشر لتحقيق الفوز، لكن الأهلي في السنوات الأخيرة خسر هذه الميزة بسبب قرار الإدارة السياسية بمنع حضور الجماهير للمباريات، فتساوى الأهلي في ذلك مع أحدث وأصغر الأندية. وإذا كانت هناك أندية أخرى متضررة من قرار منع الجماهير من حضور المباريات مثل الزمالك والإسماعيلي وغيرهما من الأندية ذات الجماهيرية، إلا أن الأهلي هو الأكثر تضررا على الأقل الوقت الحالي الذي ظهر له فيه خصوم يبدو أنهم جاءوا فقط لإسقاط الأهلي وحده!

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه