كرتونة الاستفتاء.. يُعْذَرُ النّاسُ .. ولَا يُعْذَرُونَ!

 

يُعذرُ النّاسُ فِي مِصرَ، الّذِينَ يتسابقُون للحصولِ عَلَى كَرْتونةِ الاسْتفتاءِ، ويتزاحمُونَ لنيلِ هذِهِ المنحةِ المجانيةِ مِنْ أكياسِ سلعٍ غذائيّةٍ لَا تسمنُ ولَا تُغنِي مِنْ جوعٍ، والمُهرولُونَ للاسْتفادةِ مِنْ هذِهِ العَطيّةِ، أَو بعضُهُم لَا يعرفُونَ لمَاذَا هُمْ ذاهبُونَ إلَى لجانِ الانْتخاباتِ؟، يظنُّونَ أنَّها انتخاباتُ السّيسي، لأنَّ لافتاتِ الدّعايةِ فِي الشّوارعِ والميادينِ تضعُ صورةَ السّيسي، ومِنْ حيثُ يدرِي أَو لَا يدرِي مَنْ يعلّقُ اللافتاتِ فإنَّه يؤكّدُ أنَّ تعديلَ الدّستورِ أحدُ أهدافِهِ بقاءُ السّيسي فِي الحُكمِ.

لَا يعلمُونَ أنَّهُم يخرجونَ اليومَ من بُيوتِهِم لاستفتاءٍ عَلَى تعديلِ دستورٍ لمْ يجفَّ حِبرُهُ بعدُ، ولمْ يُختبرْ جِدّياً خلالَ عُمرِهِ القصيرِ، وهُوَ 5 سنواتٍ فقطْ، دستورٌ لا يزالُ شكليّاً، لكنّ الخطورةَ أنَّهُ بموجبِ هذَا الدستورِ الشكليِّ يصيرُ مِنْ حقِّ فردٍ واحدٍ أنْ يقرّرَ لمائةِ مليونِ فردٍ مَا يشاءُ هُوَ، لَا مَا يشاءُ المائةُ مليونٍ لأنفسِهِم حسبَ مصالحِهِم العامّةِ، ومَا يفعلُهُ فردٌ ومَهمَا بلغَ مِنَ الْحكمةِ والرّجاحةِ والمسؤوليّةِ ليسَ بالضرورةِ أنْ يصبَّ فِي صالحِ كلِّ الأفرادِ، فالسُّلطةُ المُطلقةُ مَفسدةٌ مُطلقةٌ، كَمَا تؤكّدُ هذِه المقولةُ الذهبيّةُ، وفِي العالمِ: قديمِهِ وجديدِهِ، لَمْ تكُنِ الدّولةُ المحكومةُ بالفردِ مطلقِ الصلاحياتِ هِيَ الأفضلَ أبداً.

كيفَ تصبحُ المعونةُ الانتخابيّةُ حقّاً كريماً؟

يُعذرُ الناسُ الّذينَ يلتمسُونَ أيَّ معونةٍ انتخابيّةٍ، أو غيرِ انتخابيّةٍ، هذَا حقٌّ لَهُم، لكنَّ نيلَ هذَا الحقِّ يجبُ أنْ يصلَ إليهِم بطريقةٍ كريمةٍ، وفِي وقتٍ لا يُثيرُ الشّبهاتِ، ولَو كانتْ الحكومةُ أضافتْ مَا تتضمنُهُ الكرتونةُ مِنْ سلعٍ رمزيّةٍ علَى مقرّراتِ تموينِ شهرِ أبريل لكانَ أكثرَ لياقةً لَهَا، وأكثرَ احتراماً لمُواطنِيهَا، ولْتكُنْ تحتَ أيِّ مُسمَّى، لكنْ لأنَّ الهدفَ ليسَ بُطُونَ النّاسِ، أَو المُحتاجينَ، إنّما إخراجُهم مِنْ بُيوتِهمِ لصناعةِ صورةٍ عامّةٍ تُوحِي بالإقبالِ علَى التّصويتِ، لَا التّجاهلِ أَو المُقاطعةِ، وَقدْ استلزمَ ذلكَ أنْ يكُونَ توزيعُ الكراتينِ خلالَ أيّامِ التّصويتِ، ولأنَّ الخُطةَ تفتقدُ للسّياسةِ والإنسانيّةِ فقدْ جلبَ هذَا الصنيعُ سخريةً داخليّاً وخارجيّاً مِنَ السّلوكِ غيرِ الحضاريِّ ولَا الكريمِ للكراتينِ وطريقةِ ووقتِ ومكانِ وهدفِ توزيعِها، مصرُ والمصريونَ أرقَى منْ ذلكَ بكثيرٍ.

الفقرُ والحاجةُ

يُعذرُ النّاسُ لأنَّ الفقرَ قاتلٌ، والحاجةُ قدْ تدفعُ صاحبَها لفعلِ مَا لَا ترضاهُ النّفسُ السويّةُ، فحتّى وإنْ كانتِ السُلطةُ، أَو منْ ينوبُ عنْها، هِيَ مَنْ توزّعُ الكراتينَ، فإنَّ الشّخصَ الكريمَ يأبَى علَى نفسِهِ أنْ يبيعَ صوتَهُ وإرادتَهُ بقليلٍ مِنَ الزّيتِ والمكرونةِ، وبعضِ ملاعقِ الشّاي والسّكرِ، أو بقليلٍ مِنَ الْجنيهاتِ، هذَا البيعُ اللاأخلاقيُّ شراءٌ للذّمّةِ، وخيانةٌ لأمانةِ الشّهادةِ بالحقِّ؛ شهادةِ التّصويتِ بمَا تقتضيهِ قناعةُ المُواطنِ ومصلحتُهُ القريبةُ والبعيدةُ، وتزدادُ كارثيّةُ البيعِ عِندَما يصوّتُ النّاخبُ عَلَى شيءٍ لَمْ يطلعْ عَليهِ، أو يفهمْهُ ويعرفْ مآلاتِهِ، لأنَّه بهذَا يسلِّمُ حاضرَهُ ومُستقبلَهُ لمَنْ يتصرَّفُ فِيهَما نيابةً عَنهُ.

فقدانُ أمانِ الحياةِ

يُعذرُ الناسُ لأنَّهُم فِي حالةِ حرمانٍ طويلةٍ، وفِي كبدٍ دائمٍ، فلَا يشعرونَ بالأمانِ فِي يومِهم، وهُم قلقونَ مِنْ غدِهِم، ولا ضماناتِ للعيشِ الكريمِ، لَا ينامُ المُواطنُ آمناً، ويخشَى دوماً مِنْ مُفاجآتِ الاسْتيقاظِ علَى مصاعبَ جديدةٍ فِي العيشِ.

 عملُ الحكوماتِ هُو راحةُ مواطنِيهَا، وتوفيرُ الحياةِ الكريمةِ لهُم، وطمأنتُهُم، ومنعُ الشّعورِ بالخوفِ يتسللُ إليهِم، فتكونُ نفسُ المُواطنِ هادئةً مُستقرّةً، ويركّزُ فِي عملِهِ ويبدعُ فيهِ، لكنّ الحكوماتِ المُتتاليةَ فِي مِصرَ، وعلَى قدرِ مَا تعملُ، لمْ تنجحْ فِي بثِّ الطمأنةِ العامّةِ فِي نفوسِ المُواطنينَ، والحياةُ تنتقلُ مِنْ صعبٍ إلَى أصعبَ، ومِنْ مُعاناةٍ إلى أشدَّ مِنْها، واليومَ تُشترَى السّلعةُ بأضعافِ مَا كانتْ عليهِ منذُ وقتٍ قصيرٍ، وكلفةُ الحياةِ ترتفعُ، والدُّخُولُ غيرُ مُتناسبةٍ مَعَ هذِه الكلفةِ لشرائحَ عديدةٍ، وزيادةُ المرتّباتِ لا تُوازِي تصاعدَ تكاليفِ المعيشةِ العاديةِ، وهِيَ تُلتهُم فوراً، والفئاتُ خارجَ دولابِ العملِ العامِّ والخاصِّ تُصدمُ بالغلاءِ المُقترنِ بأيِّ رفعٍ للمُرتّباتِ أَو تقريرِ علاواتِ أو مُواصلةِ إلغاءِ الدعمِ للسّلعِ والخِدماتِ، وهِيَ تموّلُ عجزَ نفقاتِهَا عبرَ الاستدانةِ أَو اليأسِ، ومنْ يحترفْ مهنةً أو عملاً حُرّاً فإنّه يضاعفُ أجرتَهُ، فيصيرُ الغلاءُ شاملاً وفاحشاً لَا يفلتُ منهُ عمومُ المُجتمعِ.

ولهذا يتسابقُ النّاسُ علَى كرتونةٍ تُوزّعُ فِي مُناسباتِ الانْتخاباتِ، عَلَى أملِ أنْ تسدَّ نقصاً أو تبثَّ طمأنةً ولَو لساعاتٍ قليلةٍ، مبعثُها حاجةٌ نفسيّةٌ مُتزامنةٌ مَعَ حاجةٍ اجتماعيّةٍ.

هذَا التّسابقُ للحصولِ علَى شيءٍ مَا مجانيٍّ، أو بأسعارٍ مُخفّضةٍ، أَو الوقوفُ فِي طوابيرَ باتَ مِنْ نمطيّةِ الحياةِ منذُ القدمِ.

تأييدُ ومُعارضةُ الاسْتفتاءِ.. ولكنْ

مِنْ حقِّ المُواطنِ أنْ يذهبَ للجانِ، ويؤيدَ الاستفتاءَ، شريطةَ أنْ يكونَ مُدركاً وواعياً بِمَا سيُوافقُ عليهِ، ومُقتنعاً أنَّ فيه مصلحتَهُ، ولا مانعَ أنْ تحوزَ “نعم” الأغلبيةَ حتّى لَو كانتْ تضعُ سلطاتٍ وصلاحياتٍ هائلةً فِي أيدِي الحاكمِ، المُهمُّ حرّيةُ الاختيارِ، وعدمُ التّأثيرِ عَلَى النّاخبِ بأيِّ صورةٍ، وعدمُ تعريضِهِ للتّخويفِ، وأنْ يكُونَ المُناخُ العامُّ مفتوحاً وحُرّاً ليُسمعَ مِنَ الْمؤيدينَ ومِنَ المُعارضينَ عَلَى السّواءِ فِي عدالةٍ، وحيادِ كافّةِ الأجهزةِ والمُؤسّساتِ، ثمّ يحكمُ هُوَ ويقرِّرُ بعقلِهِ، حتّى إذَا وجدَ بعدَ ذلكَ أنَّ اختيارَهُ لمْ يكُنْ صائباً فلَا يلومنَّ إلا نفسَهُ، كي يتعلّمَ مِنْ عدمِ دقّةِ تقديرِهِ، فلَا يكرِّرُ خطأَهُ مرةً أُخرَى، ومنْ هُنا ينشأُ الوعْيُ بالحقِّ الدستوريِّ فِي صياغةِ إرادتِهِ، وتحديدِ مصيرِهِ، بدلَ سلبِهِما منهُ، أو دفعِهِ لتوجيهِهِما فِي اتجاهٍ مُعينٍ، ومِنْ هُنَا أيضاً يمكنُ اعتبارُ المُجتمعِ مُؤهّلاً للديمقراطيّةِ الجادةِ.

عروضٌ بائسةٌ لرئيسِ الجامعةِ

يُعذرُ النّاسُ، عندَما يجدونَ رئيسَ جامعةِ القاهرةِ، وهِيَ الجامعةُ الأقدمُ والأعرقُ فِي مِصرَ، ورمزيةُ التّعليمِ الجامعيِّ وتخرّجَ فِيهَا النّوابغُ والمُبدعونَ والمُفكّرونَ والعلماءُ واختارَها الرّئيسُ الأمريكيُّ السّابقُ باراك أوباما عِندَما أرادَ الحديثَ إلَى العالمِ الإسلاميِّ فِي مُفتتحِ عهدِهِ الرئاسيِّ عامَ 2009 مُوجّهاً مِنْ قاعتِها الكُبرَى، ومِنْ تحتِ قُبّتِها الشّهيرةِ خطاباً شهيراً، وهِيَ نفسُها الجامعةُ والقاعةُ الّتي احتضنتْ خطاباتٍ ولقاءاتٍ ومُؤتمراتٍ ومُناسباتٍ مُهمةً فِي تاريخِ مِصرَ..

 رئيسُ هذِه الجامعةِ الّذِي يكتسبُ منْ اسمِ ومكانةِ وتاريخِ هذَا الصّرحِ العلميِّ التاريخيِّ ميزةً نسبيّةً عَلى بقيةِ زملائِهِ رؤساءِ الجامعاتِ الأُخرَى، علاوةً علَى كونِهِ مُتخصصاً فِي الفلسفةِ والفكرِ والعلومِ الإنسانيّةِ يقفُ مُخاطباً الطّلبةَ فِي مكانٍ مكشوفٍ بالجامعةِ مُقدّماً لَهم عروضاً بائسةً تتزامنُ مَع الاسْتفتاءِ: ثلاثةَ أيامٍ إجازةً، وإعفاءً مِنْ مصاريفِ الدّراسةِ ومِنْ رسومِ الإقامةِ بالمدينةِ الجامعيّةِ، ونسبةَ 5% من الجامعةِ هديةً للطّلبةِ فِي مادتَينِ لضمانِ نجاحِهِم وتخرُّجِهِم، وهُو مّا لمْ يحدثْ مثلُهُ مِنْ قبلُ فِي محرابِ علمٍ وتعليمٍ، وهَيَ مهزلةٌ لَا تليقُ بأستاذٍ ورئيسِ جامعةٍ، ولَا بطلبةٍ هُمْ عقولُ المُستقبلِ يهلّلونَ ويصفّرونَ ويصفّقونَ خلالَ تلقّيهِم منحَ أستاذِهِم وقدوتِهمِ فِي العلمِ والسّلوكِ الاجتماعيِّ والأخلاقيِّ.

توقيتُ إعلانِ زيادةِ المُرتّباتِ والمعاشاتِ

ويُعذرُ النّاسُ عندَما تُعلنُ نهايةَ مارس الماضِي، وخلالَ احتفاليّةٍ بيومِ المرأةِ، قراراتٌ رئاسيّةٌ مُفاجئةٌ بزياداتٍ فِي المُرتباتِ والمعاشاتِ، ومنحِ علاواتٍ، وفتحِ درجاتِ الترقّي، وهذِه القراراتُ لنْ تطبّقَ مِنَ الشّهرِ التالِي أبريل حتّى يكونَ توقيتُها طبيعيّاً، إنّما التنفيذُ بدءاً معَ مُرتّباتِ يوليو المُقبلِ، وعِندَما تُزفُّ هذِه البُشرَي للمُوظّفينَ وأصْحابِ المعاشاتِ، وقبلَ أيّامٍ مِنْ إقرارِ البرلمانِ للتعديلاتِ الدستوريّةِ، ثمَّ الاستفتاءِ السّريعِ عَلَيها، فالمغزَى واضحٌ، وهُوَ محاولةُ استمالةِ 6 ملايينِ مُوظّفٍ، و9 ملايينَ مِنْ أصْحابِ المعاشاتِ وإسالةِ لعابِهِم.

وهذَا لا ينفِي أنَّ هذهِ الزّياداتِ حقٌّ مُقّدرٌ وطبيعيٌّ لمُواجهةِ الغلاءِ الكبيرِ، لكنَّ المُشكلةَ هِيَ فِي السّعِيِ لاستثمارِهِ وتسويقِهِ فِي وجهةٍ مُعينةٍ لخدمةِ أهدافِ السّياسةِ.

كَمَا يسبقُ هذِه البُشرى توجيهٌ رئاسيٌّ للحكومةِ بسحبِ الاستشكالِ فِي حكمٍ نهائيٍّ للمحكمةِ الإداريّةِ العُليا يتعلّقُ بأحقيّةِ أصحابِ المعاشاتِ فِي ضمِّ خمسِ علاواتٍ عَلَى المعاشِ، وهِيَ قصّةٌ قضائيّةٌ طويلةٌ سبقتْها مطالباتٌ وُديّةٌ عديدةٌ.

 وعِندَما تخرجُ الصّحفُ فِي اليومِ التالِي بعنوانٍ واحدٍ مُعمّمٍ لا يزيدُ حرفاً فِي جريدةٍ ولا يقلُّ حرفاً فِي أُخرَى، ونصُّه: “السيسي ينتصرُ لأصحابِ المعاشاتِ”، فالمعْنَى واضحٌ أيضاً، وهُوَ إغراءُ أصْحابِ المعاشاتِ واستمالتُهُم صوبَ تعديلاتِ الدّستورِ الّتي تفتحُ البابَ للسّيسي للبقاءِ رئيساً، باعتبارِ أنَّهُ هُو مَنْ ينتصرُ لَهُم.

 لَا عُذرَ فِي هدْرِ الحريّةِ والإرادةِ

هذِه لمحاتٌ منْ أمورٍ سبقتْ تمريرَ التّعديلاتِ فِي البرلمانِ، وأعقبتِ التّمريرَ، وتخلّلتِ التّصويتَ، وإذَا كنَّا التمسْنا العُذرَ للنّاسِ فِي استجابتِهِم للإغراءاتِ، فإنّنا فِي الوقتِ نفسِهِ لَا نعذرُهم فِي كلِّ مَا قلنْاهُ، لأنَّ حرّيةَ الإنسانِ مُقدّسةٌ، وإرادتَهُ أثمنُ مَا يمتلكُهُ، لَا تفريطَ أَو بيعاً أو شراءً أو رهناً أو تعطيلاً أو استجابةً لضغوطٍ وتخويفٍ وترهيبٍ بشأنِهِما، هُما مثلُ الدماءِ الّتي فِي القلبِ والعروقِ إذَا سُحبَت منْهُما انتهتْ حياةُ الإنسانِ عَلَى الفورِ.

 ولا يُعذرُ النّاسُ لأنَّهُ يجبُ أنْ يكُونُوا واعينَ بحقوقِهِم، ويدافعُونَ عنْها، ولا يتساهلُونَ فِيهَا، وعَلَيهم إدراكُ مَا يفعلُونَ، فالجهلُ بالشيءِ لا يعفِي مِنَ المسؤوليةِ عَنهُ، ومَنْ يرتكبْ مِنهُم خطأً ويقعْ تحتَ طائلةِ القانونِ فإنّهُ يحاسبُ، ولا يُعذرُ بالجهلِ بالقانونِ، فَمَا بالنُا بالحقوقِ الأساسيّةِ الحياتيّةِ والوجوديّةِ للإنسانِ ومَنْ يرعاهُم ويتكفّلُ بِهِم ويُؤتمنُ عَليهِم؟!.

لَا كرتونةُ السّلعِ، أو شاحناتٌ مِنها، ولا المائةُ جنيهٍ ولا خزائنُ البنوكِ، تُساوي أنْ يكونَ الإنسانُ حرّاً سيّداً سائداً مُتسيّداً، يعيشُ عزيزاً، ويغادرُ الدنياً دونَ انتقاصِ عزّتِهِ وكرامتِهِ.

لا يُعذرُ النّاسُ لأنّهم أطباءُ أنفسِهِم، يجبُ أن ينظرُوا لأوضاعِهِم، إذَا كانتْ للأفضلِ فلَهُم مَا يشاؤُونَ، وإذَا لمْ تكُنْ كذلكَ فَعَليهِم أنْ يختاروا مَا هُوَ الأفضلُ، وإلّا لَا يحقُّ لهُم الشّكوَى والأنينُ.

لا مكانَ ولا مبرّرَ للجهلِ بالحقوقِ

لا يُوجدُ إنسانٌ جاهلٌ اليومَ، منافذُ ونوافذُ ومنصاتُ وأدواتُ العلمِ والمعرفةِ والثّقافةِ والوعيِ مُتعددةٌ ومُتنوّعةٌ، ومَنْ لَا يطّلعُ، ولا يفهمُ، ولا يسألُ ليعرفَ، فلَا يستحقُّ أنْ ينتمِي لهذَا العالمِ، ومَنْ لَا يكونُ حريصاً علَى حقوقِهِ فَلَا يستحقُّ الحياةَ الكريمةَ.

الفقرُ ليسَ فِي المالِ، إنَّما الفقرُ فِي النّفسِ، والعقلِ، والحاجةُ ليستْ مدعاةً للتسوّلِ، أو بيعِ الضّميرِ، إنّما يجبُ أنْ تكونَ مُنطلقاً للتغييرِ للأحسنِ، ومجموعُ الفقراءِ والمُحتاجينَ والمُعدمينَ والمُهمّشينَ والضّعفاءِ فِي المجتمع قادرُونَ علَى تشكيلِ قوةِ رأيٍ عامٍّ ضاغطةٍ لفرضِ الإصلاحِ الشّاملِ، وهِيَ رؤيةٌ مُبكّرةٌ فِي أدبِ محفوظ عبرَ “الحرافيش” عِندَما يتوحّدونَ يكونونَ قوةً وعندَما يتفرّقُونَ يكونونَ ضعفاً.

يناير .. الكرامة

25 يناير هِي عنوانُ الكرامةِ، والذينَ صنعُوها كرامٌ، لكنّهم أرادوا الكرامةَ لعمومِ الشّعبِ، خاصةً الفئاتِ الّتي تُعانِي، ومنْ خلالِ المُعاناةِ يتمُّ سلبُ كرامتِهِا، وشراؤُهَا بالكرتونةِ وبغيرِهَا.

يناير أرادتْ أنْ تصلَهُم الكرتونةُ كراتينَ، وهْم فِي بُيوتِهِم، باعتبارِ ذلكَ حقّاً مُؤكّداً لهُم فِي ثرواتِ بلادِهِم لا مِنّةَ ولا مِنحةَ مِنْ أحدٍ، فمِنهم المُتعجلون، وهناكَ النخبويّونَ الانتهازيّونَ، وآخرونَ مُتربّصونَ، وهذَا الثلاثي قادَ ثورةَ الكرامةِ والعدالةِ الاجتماعيّةِ إلَى مصيرٍ مُؤلمٍ، لكنّ حلمَها باقٍ، وشعاراتِها خالدةٌ.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه