السر في خطأ القضاء:محامي فرنسي يحذر من شهادة المرأة!

القضاء والقضاة من الموضوعات التي شغلت الناس والمفكرين والكتاب على مر العصور، وبخاصة أخطاء القضاة، سواء المتعمدة منهم، أو الصادرة عن غير عمد، وكما شغلت أخطاء القضاء فقهاء الإسلام قديما، فقد شغلت فقهاء القانون والسياسة الغربية، وبخاصة بعد الثورات التي حدثت في أوربا؛ كانت لهم مراجعات عن طريق كتب ودراسات، عن أداء القضاء، ورصد أخطائه وأسبابها.

ومن هذه الكتب التي اهتمت بأخطاء القضاء، كتاب: (السر في خطأ القضاء) لمؤلفه: ف. جيلرمه، وهو محامي فرنسي شهير، عمل فترة طويلة بالمحاماة، واجتمعت لديه خبرة في رصد أخطاء القضاء، وقام بترجمة الكتاب كل من: محمود ضيف، وأحمد رشدي، ومحمد مسعود، وكلهم يعملون بالنيابة، مما يعطينا لمحة عن ثقافة العاملين بالنيابة العامة في بداية القرن العشرين.

سبب ترجمة الكتاب:

كتاب (سر خطأ القضاء) صدر باللغة العربية مترجما من اللغة الفرنسية سنة 1333هـ، الموافق: 1914م، وذكر من قاموا على ترجمته أنها كانت بناء على توصية من جانب المستر إيموس ناظر مدرسة الحقوق الخديوية منذ كان مستشارا بمحكمة الاستئناف الأهلية تعميما لنفعه بعد أن استشار مؤلفه ..
ورأوا أن هذا الكتاب جدير بأن تتناوله أيدي من يهمهم شأن القضاء من قضاة ومحامين وخبراء ومتقاضين من الناطقين باللغة العربية، وأشاروا إلى أن مؤلف الكتاب تحرى في تدوين فصوله المعززة بالشواهد والاستنتاجات الرجيحة انتقاد عيوب إذا كانت فاشية في بلد كفرنسا عرفت بأنها مبعث العلوم القضائية، فهي في بلد كمصر لم يتجاوز نظامه القضائي – وقت ترجمة الكتاب – أربعة عقود أكثر فشوًّا، وأشد ضررا بالمتقاصين..

وهو سبب يجعلنا نتوقف كثيرا أمامه، إذ كان القائمون على أمر القضاء من المستعمرين الأجانب حريصين على تجنب النظام القضائي المصري للأخطاء، وعلى ملأ الجانب الثقافي عند القضاة، وعند المشتغلين بالقضاء، والإنسان يتوقف طويلا أمام هذا الموقف، مقارنا بمن حكموا مصر بعد خروج المستعمر، وكيف تعاملوا مع القضاء ومؤسسته، والسعي بكل وسيلة لتجهيل القائمين عليه، وتسييسهم، بل وضع من لا يصلح على أعلى كراسيه.

المقصود من الخطأ القضائي:

تكلم المؤلف عن تعريف الخطأ القضائي، وانتهى إلى أنه يقع كلما قُضي بعقوبة على بريء، أو على شخص غير مسؤول، وكذلك كلما عول القاضي في حكمه على وقائع غير صحيحة لتطبيق المبادئ التي نص عليها القانون..
ثم تحفظ بأنه كان الأصل أن القضاء خطأ ببراءة مجرم يدخل كذلك في تعريف الخطأ القضائي، لأن الحكم ببراءته يخدش وجه الحقيقة ويعبر عن فكرة لا تتفق مع الموضوع الذي قامت عليه، إلا أنه مع ذلك أخرج هذا الخطأ من نطاق الخطأ القضائي الذي خصص له كتابه: (السر في خطأ القضاء). وقد علل ذلك بأنه إذا كان الحكم ببراءة المجرم هو من عوامل الخلل الاجتماعي لما يترتب عليه من عودته إلى العبث بالمال أو النفس، إلا أن هذا الخلل أقل أهمية في كل حال مما يحدثه الحكم بالعقوبة على بريء أو على شخص غير مسؤول جنائيا.

ولم يفت المؤلف أن ينبه على أمر مهم في المسألة القضائية، وهي: أن واجب الشرطة اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع وقوع الجريمة، فإن وقعت فإن عدم الاهتداء إلى الجناة الحقيقيين أكثر ضررا من تبرئة ساحة المجرمين، بل هو تشجيع للفساد، وخطر يتهدد النظام الاجتماعي.

أسباب خطأ القضاء وعلاجها:

تحدث المؤلف في كتابه عن أسباب الخطأ في القضاء، وبدأ بالحديث عن القاضي، وأنه أحد أهم أسباب الخطأ، من حيث أنه رأس الأمر، وتحدث عن صفتين مهمتين بسببهما يقل أو يكثر خطأ القضاء، وهما: الحياد، والعلم، ولم يقصد بالعلم أي العلم بأحكام القانون، فهذا علم مفترض أنه متوفر لدى كل قاض، وإنما قصد به الإلمام بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، وذلك حتى يتمكن من تقييم الشهود، وتقييم أدوات الإثبات التي تعرض عليه.

وأما الحياد فهي أكثر الصفات ارتباطا بالخطأ القضائي، أي تجرده وتحرره من الهوى، أو الميل لأحد، سواء أفرادا أو جهات؛ ولذلك حظر القانون على القضاة الاشتغال بالسياسة الحزبية، أو فعل أي شيء يجرح أو ينال من حياده القضائي.

وأكثر ما يخل بحياد القاضي: الأفكار المسبقة، سواء من ذات نفسه، أو من المؤثرات المحيطة به، وعلى رأسها: الإعلام والرأي العام، سواء كان صحيحا، أم مشوها.

وأما وسائل الوقاية التي تقلل من أخطاء القضاء، فيأتي على رأسها: حسن اختيار القاضي من البداية، وموالاة تأهيله وبخاصة في سنوات عمله الأولى، بالدورات المختلفة، وكثرة اطلاعه العلمي بما يتناول من قضايا.

للمؤلف موقف متشدد بخصوص شهادة المرأة والطفل، وقد كان شديدا في موقفه من شهادة المرأة، فهو يدعو إلى الحذر والحيطة في التعامل مع المرأة كشاهد، وبنى اعتراضه وحذره على اعتبارات تتعلق بالمرأة كأنثى ..
فهو يرى أن المرأة والطفل يميلان بحكم تكوينهما للكذب، نظرا لأن المرأة اعتادت نتيجة تاريخ طويل من معاناة قهر الرجل لها وبطشه بها إلى الدفاع عن نفسها بما يسمح به تكوينها، ويرى أن سبيلها إلى ذلك هو التظاهر بالضعف والكذب.

ويرى أن الهيستيريا قلما تصيب الرجل، لكنها أكثر انتشارا بين النساء. وهو في موقفه هنا أقرب لموقف بعض المتشددين في بلادنا العربية، ولا أدري لو نقل موقف هذا المؤلف الآن لمدعي التنوير في بلادنا العربية، كيف سيكون موقفهم؟ وهو ما يدلل على أن الآراء الفقهية التي يختلف فيها أصحابها بين ميسرين ومشددين، جزء من صناعة رأيهم: بيئتهم التي هم أبناؤها، سواء كان في فرنسا، أم في مصر.

أهمية هذه الطبعة للكتاب وميزاتها:

قد يتساءل قارئ: كيف لم يتعرض المؤلف لمرض خطير يصيب القضاء، وهو تسييس القضاء، فيحكم القاضي بالظلم، أو يستغله الحاكم، أو يعينه بالأساس ليقضي له بما يريد، وهو موضوع آخر يختلف تماما عن الموضوع الذي أفرد له الكاتب كتابه، فهو يتحدث عن أخطاء، لا يتعمدها القاضي، وما يفعله القاضي عن عمد لا يعد خطأ، بل هو في حكم الشرع والقانون: خطيئة.

الكتاب رغم مرور أكثر من مائة عام على صدوره، إلا أن أفكاره لا يزال الكثير منها صالحة حتى الآن، بل مهمة، ولذا حرصت مجموعة وقف نهوض على إعادة طبعه، ووقف (نهوض) وقف يسعى للمساهمة في تطوير الخطاب الفكري والثقافي والتنموي بدفعه إلى آفاق ومساحات جديدة، وإلى التركيز على مبدأ الحوارات والتفاعل بين الخطابات الفكرية المتنوعة مهما تباينت وتنوعت في مضامينها، ويسعى إلى تجنب المنطلقات الأحادية في تناول القضايا. وذلك بعدة وسائل مختلفة، عن طريق (الوقف)، وهو ثقافة إسلامية أصيلة مهمة.

ما ميز هذه الطبعة التي صدرت عن (وقف نهوض) بل زادت عليه دراسة تحليلية مهمة للأستاذ الدكتور عوض محمد عوض زادتها أهمية، إذ قارن في كثير من مواضعها بين الرؤية القانونية الوضعية لأخطاء القضاء، وبين رؤية الشريعة الإسلامية، وهي مقدمة ودراسة مهمة، لم تخل من نظرات نقدية للمؤلف، وعرض للكتاب، يعطي صورة معبرة وصادقة عنه، وبعض المقارنات بين أخطاء القضاء وقت كتابة الكتاب، والآن.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة