ليبيا.. مِنَ اللادولة إلَى مشروعِ حفتر للدّولةِ العسكريّةِ!

 

عِندَما تُوجتْ ثورةُ 17 فبراير 2011 فِي ليبيا بانتصارِهَا، وكتابةِ السّطرِ الأخيرِ فِي مسيرةِ ديكتاتوريّةٍ ظالمةٍ جهولةٍ طوالَ 42 عاماً مِنْ حُكمِ القذافيِّ بسقوطِهِ ومقتلِهِ فِي مدينةِ سرتْ (مسقطِ رأسِهِ)، يومَ 20 أكتوبر مِنْ نفْسِ العامِ، لمْ يكُنْ فِي ليبيا نظامٌ ليسقطَ، أَو يتوارَى عَنِ الْأنظارِ، ليظهرَ فِيما بعدُ، لمُمارسةِ التّخريبِ، كَمَا حصلَ فِي بلدانِ الرّبيعِ العربيِّ الأُخرى.

 كَمَا لَمْ تكُنْ فِي ليبيا دولةٌ عميقةٌ، أو عتيقةٌ، أو معيقةٌ، لتلعبَ فِي الظّلامِ ضدَّ الثّورةِ، وتتآمرَ عَليهَا، كَمَا حصلَ أيضاً فِي التّجاربِ الأُخرَى.

 ليبيا لَمْ يكُنْ فِيهَا نظامٌ سياسيٌّ، القذافيٌّ كانَ النّظامَ العائليَّ، ولَمْ يكُنْ فِيهَا دولةٌ، القذافيُّ كانَ دولةَ اللجانِ الشّعبيّةِ المُثيرةِ للسّخريةِ، وكانَ معَهُ أولادُهُ، وبعضُ أقاربِهِ مِنْ قبيلتِهِ، يُشكّلونَ أركانَ النّظامِ الشخصيِّ، ويحكمونَ اللادولةَ.

 ولهذَا وجدَ اسمُ الجماهيريّةِ العُظمَى، الّذِي أطلقهُ ملكُ ملوكِ إفريقيا والعربِ، عَلَى ليبيا، ضالّتَه مَعَ الحالةِ الهلاميّةِ الّتِي كرّسَها فِي هذَا البلدِ طوالَ أربعةِ عقودٍ مِنَ الطّغيانِ الفرديِّ بالبلدِ وشعبِهِ وثرواتِهِ ومقدراتِهِ، منذُ انقلابِهِ العسكريِّ عَلى الملكيّةِ مطلعَ سبتمبر عامَ 1969.

وقبلَ أنْ نُغادرَ هذِه الجزئيّةَ نقولُ إنَّ رفيقاً سابقاً للقذافيِّ فِي انقلابِ 69، وشبيهاً لَهُ فِي هوسِ العظمةِ، هُو الجنرالُ خليفةُ حفتر يسعَى حالياً لإعادةِ إنتاجِ ليبيا كَمَا كانتْ فِي الحالةِ القذافيّةِ، لَا نظامَ، لَا مؤسّساتٍ، لَا دولةَ، إنّما ديكتاتوريةٌ تأخذُ شكلاً عسكريّاً فاقعاً وقامعاً.

غيابُ الدولةِ.. واضطراباتُ مَا بعدَ الثّورةِ

منْ أسفٍ أنّهُ شابتِ المرحلةَ الانتقاليّةَ اضطراباتٌ وصراعاتٌ، كَمَا حدثَ فِي كلِّ بلدانِ الرّبيعِ فِي موجتِهِ الأُولَى، وكَمَا هِي بوادرُ حدوثِهِ فِي موجتِهِ الثانيةِ الحاليةِ، لكنّهَا فِي ليبيا أشدُّ وأعمقُ بسببِ عدمِ وجودِ كيانٍ مؤسسيٍّ مِنَ الأصلِ يمتصُّ جانباً مِنْ هذِه الاضطراباتِ، ويحفظُ الكيان القائم، وكذلكَ لعدمِ وجودِ جيشٍ وطنيٍّ يكونُ رمزاً للتماسُكِ الجغرافيِّ على الأقلِّ للبلدِ.

أضرَّ القذافيُّ ليبيا كثيراً عِندَما لمْ يعملْ علَى بناءِ دولةٍ مركزيةٍ تتألفُ مِنْ مؤسّساتِ حكمٍ وأجهزةٍ ومرافقَ وهيئاتٍ عامةٍ ويكونُ لهَا شخصيةٌ ماديةٌ ومعنويةٌ واضحةٌ وطبيعيةٌ ودستورٌ حقيقيٌ، وليسَ مزحةَ الكتابِ الأخضرِ، خاصةً فِي ظلِّ مساحتِها الشّاسعةِ الّتِي تُغرِي بالانقسامِ الجغرافيِّ عِندَما تسودُ الفوضَى.

وهذَا الوضعُ كانَ أحدَ مظاهرِ التّدهورِ بعدَ ثورةِ 17 فبراير، فلمْ تتمكّنِ الثورةُ مُمثلةً فِي وجهِها السّياسيِّ، وَهُو المجلسُ الوطنيُّ الانتقاليُّ المؤقتُ، مِنْ لملمةِ ليبيا فِي كيانٍ سياسيٍّ وتنظيميٍّ ووطنيٍّ عامٍّ تحتَ سلطةِ حكمٍ فاعلةٍ لقيادةِ عمليةِ التأسيسِ لنظامٍ ديمقراطيٍّ، ووضعِ لبناتِ بناءِ هيكلِ دولةٍ حديثةٍ.

انتهَى دورُ المجلسِ الانتقاليِّ والحكومةِ المؤقتةِ بعدَ تسليمِ المسؤوليّةَ للمؤتمرِ الوطنيِّ العامِّ المُنتخبِ في 7 يوليو 2012، دونَ أنْ يظهرَ فِي الأُفقِ مَا يطمئنُ بأنَّ ليبيا تسيرُ فِي طريقٍ آمنٍ ومُستقرٍّ ومخلصٍ للتحوّلِ مِنْ هلاميةِ القذافيِّ، ومِنْ رومانسيّةِ الثّورةِ، إلَى واقعيّةِ الدّولةِ.

 ولهذَا بدأَ الطامعونَ فِي ليبيا، يخرجونَ مِنْ جُحورِهِم سِراعاً، ويحلمونَ بالسُّلطةِ، كَمَا بدأَ الخارجُ يتحرّكُ للتّأثيرِ فِي عمليّةِ التحوّلِ لتكونَ ليبيا علَى الشّكلِ الّذِي يريدُهُ كلُّ صاحبِ مصلحةٍ فيهَا.

 انقساماتٌ وصراعاتُ برلماناتٍ وحكوماتٍ

وقدِ اشتدتِ الأزمةُ، وحدثَ الشرخُ الوطنيُّ والجغرافيُّ معَ تشبُّثِ المُؤتمرِ الوطنيِّ العامِّ بالبقاءِ فِي الحكمِ رغمَ انتهاءِ فترتِهِ القانونيّةِ، ودونَ الانتهاءِ مِنْ وضعِ البنيةِ الدستوريّةِ والقانونيّةِ والتنظيميّةِ للانتقالِ الديمقراطيِّ، ورغمَ انتخابِ برلمانٍ جديدٍ فِي 25 يونيو 2014 إلّا أنَّ الحالةَ الدراميّةَ الليبيّةَ تصاعدتْ مَعَ رفضِ المُؤتمرِ الوطنيِّ القَبولَ بالنتائجِ والاعترافِ بالبرلمانِ الجديدِ (مجلسِ النوابِ) الذِي اتخذَ مِنْ طبرقَ مقرّاً لهُ، وشكّلَ حكومةً خاصةً بِهِ، وظلَّ البرلمانُ المُنتهيةُ ولايتُهُ مَعَ حكومتِهِ يعملانِ فِي طرابلسَ، وصارتْ ليبيا كيانَينِ شرقاً وغرباً، أمّا فِي الجنوبِ فظلتْ قبائلُهُ تُديرَ نفسَها بنفسِهَا.

وليبيا تنتقلُ خلالَ ثلاثِ مراحلَ فِي عصرِها الحديثِ مِنْ مرحلةِ الأقاليمِ الثلاثةِ، برقةَ وفزانَ وطرابلسَ، إلَى مرحلةِ تكريسِ القبليّةِ أيامَ القذافيِّ ليسهلُ لَهُ السيطرةُ عليهَا وشراءُ ولاءاتِها، ثمَّ مرحلةِ مَا بعدَ الثّورةِ لتعودَ إلَى الانقسامِ المسلّحِ، وداخلَ الكياناتِ المُنقسمةِ هناك انقساماتٌ أُخرَى أصغرُ فِي شكلِ مربّعاتٍ أمنيةٍ تضمُ مدناً أَو قُرى أَو مناطقَ تسيطرُ عليهَا جماعاتٌ مسلحةٌ مدربةٌ جيّداً ممّنْ قاتلتِ القذافيَّ.

وهذِه السّيولةُ والرّخاوةُ فِي أنحاءِ ليبيا أتاحتِ الفرصةَ لظهورِ تنظيماتٍ إرهابيّةٍ مثلِ داعش والقاعدةِ وأنصارِ الشّريعةِ ارتكبتْ أعمالاً مُنفّرةً مُضرةً بالثّورةِ، وبالديمقراطيّةِ، وبالجماعاتِ المُسلّحةِ والإسلاميّينَ مِنْ أنصارِ الدّولةِ والعملِ السياسيِّ، وأثارتْ دولَ الجوارِ والعالَمَ عَلَيها (أمريكا بتفجيرِ القنصليّةِ في بنغازي ومقتلِ السفيرِ الأمريكيِّ 11سبتمبر 2012 ومِصرَ بذبحِ العمّالِ المسيحيّينَ 15 فبراير 2015)، وجعلتِ الجميعَ يتوجّسُ مِنَ التحوّلِ الديمقراطيِّ، ويشجّعُ ضمناً الجنرالَ خليفةَ حفتر علَى الحسمِ العسكريِّ والتضحيةِ بدولةِ القانونِ والدستورِ.

الوجهُ العسكريُّ لـ حفتر

برزَ حفترُ فِي صورةِ القائدِ العسكريِّ القويِّ المُنقذِ للبلادِ والسكّانِ مِنَ الفوضى والخوفِ، وتحتَ عنوانِ مُحاربةِ الإرهابِ ينطلقُ فِي 16 مايو 2014 بمَا أسمَاهَا “عمليةَ الكرامةِ” بعنوانِ استئصالِ الإرهابِ فِي مدنِ الشّرقِ، لكنَّ الهدفَ الأهمَّ كانَ إحكامَ قبضتِهِ علَى الشّرقِ كلِّهِ، وتمَّ لهُ ذلكَ بدعمِ دولٍ عربيّةٍ وأجنبيّةٍ تمُدُهُ بالسّلاحِ والمالِ والتدريبِ والاستشاراتِ.

والهدفُ البعيدُ لعمليةِ الكرامةِ إخضاعُ ليبيا كلِّها عبرَ القوّةِ العسكريةِ وتأسيسُ دولةٍ لن تكونَ ديمقراطيّةً، إنّما ديكتاتوريّةٌ عسكريّةٌ، فليسَ هُناكَ فِي المشروعِ المُعلنِ لـ حفتر عبرَ التّصريحاتِ والبياناتِ والخطاباتِ العديدةِ سوى لغةِ القوةِ وتحركاتِ كتائبِهِ العسكريّةِ، وضمنُها إسلاميّون سلفيّون رغمَ أنَّ أحدَ مبرّراتِ معاركِهِ مُواجهةِ الإسلاميّينَ!.

 وتخلُو أجندتُهُ مِنْ وجودِ لغةِ السّياسةِ والحوارِ والتّفاوضِ والتّنازلات والتّوافقِ الوطنيِّ، وتفتقدُ لأيِّ حديثٍ عنِ الحرياتِ وحقوقِ الإنسانِ ودولةِ القانونِ والمؤسّساتِ والمصالحةِ الوطنيةِ والعدالةِ الانتقاليّةِ ونهجِ التداولِ السلميِّ للسُلطةِ.

ولَو توفرتْ بإخلاصٍ ونزاهةٍ هذِه المبادئُ والقيمُ فِي مشروعٍ سياسيٍّ لَهُ، وأكّدَ سعيَه لتحقيقِها عبرَ تنظيفٍ حقيقيٍ لبؤرِ التطرّفِ، وإزالةِ الانقسامِ الجغرافيِّ، وإطلاقِ عهدٍ جديدٍ لليبيا تستردُّ فيه رُوحَها ويستعيدُ الليبيونَ راحتَهم وأمنَهم وسلامَهم الأهليَّ والاجتماعيَّ بعدَ سنواتٍ مِنَ الفوضى والاضطرابِ والمخاطرِ والمُعاناةِ لكانَ حفترُ وجهاً آخرَ لـ فائز السّراجِ رئيسِ حكومةِ الوفاقِ الوطنيِّ المعترفِ بهَا دوليّاً، والسراجُ وجهٌ سياسيٌّ مدنيٌّ يعملُ بإخلاصٍ واجتهادٍ لاستكمالِ خريطةِ طريقِ إنقاذٍ حقيقيٍّ لليبيا عبرَ العمليّةِ السياسيّةِ المُتوافقِ عليهَا دوليّاً والّتي تستهدفُ الوصولَ لمشروعِ الدّولةِ المدنيّةِ الديمقراطيّةِ.

فِي هذهِ الحالةِ لمْ يكنْ حفترُ فِي حاجةٍ لتسييرِ كتائبِهِ نحوَ طرابلسَ لمهاجمتِها وتحويلِ حياةِ المدنيّينَ فِيهَا إلَى جحيمٍ وإسقاطِ ضحايا واستهدافِ منشآتٍ مدنيّةٍ ومدارسَ وأحياءٍ مأهولةٍ بالسكّانِ، إنّما سيكتفِي فقطْ بوضعِ يدَيهِ فِي يدَي السراجِ، وأيادِي بقيّةِ المكوّناتِ الوطنيّةِ والفصائلِ والجماعاتِ والتّياراتِ الّتِي قبلتْ بالعمليّةِ السياسيّةِ وتنخرطُ عمليّاً فِيهَا منذُ بدأتْ حكومةُ الوفاقِ عملَهَا فِي طرابلسَ 19 يناير 2016 بناءً علَى اتّفاقِ الصخيراتِ بالمملكةِ المغربيّةِ في 17 ديسمبر 2015.

تعثُّرُ الهجومِ علَى طرابلسَ .. ومأزِقُ الداعمينَ

حفترُ لا يريدُ عملاً سياسيّاً ولا حلّاً حواريّاً تفاوضيّاً ولَا تنازلاتٍ منْ مُختلفِ الأطرافِ، وإطلاقُ عمليتِهِ العسكريّةِ صوبَ طرابلسَ استبقتِ المؤتمرَ الوطنيَّ العام الجامعَ بعشرةِ أيامٍ فقطْ وخلالَ وجودِ الأمينِ العامِّ للأممِ المُتّحدةِ للترتيبِ للمُؤتمرِ الذي كان مقرراً التئامه في مدينة غدامس (14-16 أبريل الجاري)، والهدفُ هُوَ إفشالُ انعقادِ المُؤتمرِ، واستمرارُ إشعالِ الصّراعِ، والقيامُ بمُغامرةٍ أخرَى للسيطرةِ العسكريّةِ علَى الغربِ الليبيِّ.

 ومنَ الْمُقلقِ اليومَ لحفتر وداعمِيهِ عربيّاً ودوليّاً أنّ هجومَه علَى العاصمةِ 4 أبريل الجاري لمْ يحققْ حتى اليوم وطوالَ 17 يوماً أيَّ نتيجةٍ، فقدْ واجهَ الجيشُ التابعُ لحكومةِ الوفاقِ والقواتُ والكتائبُ المُساندةُ لهُ قواتِ الجنرالِ بقوةٍ، ولمْ يظهرْ أنَّ دخولَه طرابلسَ نزهةً، ولا مسألةَ أيامٍ ليقفَ بعدَها مُعلناً النصرَ ومُلقياً خطابَ القائدِ المُنتصرِ ومُنصّباً نفسَه حاكماً عسكريّاً بقوةِ السلاحِ والأمرِ الواقعِ.

ولو كانَ حقق النصر سريعاً لوجد الاعترافَ منْ أمريكا وأوروبا – إلَى جانبِ أطرافٍ عربيةٍ – والمقابل أن يقومُ بدورِهِ فِي مُكافحةِ الإرهابِ وَفقَ المفاهيمِ المُتداولةِ فِي هذِه العواصمِ، والتصدِّي للهجرةِ غيرِ الشّرعيّةِ من سواحلِ ليبيا إلَى جنوبِ أوروبا عبرَ المُتوسطِ، وضمانِ تدفُّقِ النّفطِ الليبيِّ النّقيِّ لهُم، وانضمامِه إلى حلفِ الهرولةِ للتّطبيعِ معَ إسرائيلَ، وأنْ يكونَ جزءاً مِنَ المنظومةِ العربيّةِ الجديدةِ الّتي تتماهَى كُلّياً معَ أجندةِ ترامب للمنطقةِ والشّرقِ الأوسطِ دونَ نسيانِ المصالحِ القديمةِ لـ روسيا فِي ليبيا وتعويضِها عمّا فقدتْهُ بانتهاءِ عهدِ القذافيِ.

لكنّ الحساباتِ لمْ تكنْ دقيقةً، فالعمليّةُ العسكريّةُ مُتعثرةٌ، وقدْ تفضِي إلَى هزيمتِهِ، أو حربِ استنزافٍ طويلةٍ تستهلكُهُ، وتدمّرُ طرابلسَ، وهي تضعُ أطرافَ الدّعمِ الخارجيِّ لَهُ فِي حرجٍ وتناقضٍ بالغٍ بينَ دعوتِهم للحلِّ السّياسيِّ ورفضِهم للحلِّ العسكريِّ، ثمّ هُم يُساندونَ حملةً عسكريّةً حفتريّةً، وبينَ اعترافِهِم بحكومةِ السراجِ مُمثلاً شرعيّاً وحيداً لليبيا ثمّ يتركونَها تُواجِهُ معركةً مفروضةً علَيها دونَ حمايتِها أَو التدخّلِ لردعِ المُعتدِي.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة