مقالات

السوريون وفاتورة نتائج الانتخابات المحلية التركية

والاخطر أن ذلك التواجد السوري يعيدهم رغما عنهم لما تركته لهم الإمبراطورية العثمانية من ميراث يرتبط ارتباطا وثيقا بالإسلام

 

رغم أن ما أسفرت عنه الانتخابات المحلية من نتائج، لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالقرار السياسي، الذى هو منوط بالقيادة السياسية والبرلمان فإن الكثير من المخاوف باتت تؤرق مجتمع اللاجئين في تركيا عموما والسوريين على وجه التحديد، نتيجة طبيعية لفوز احزاب المعارضة بالكثير من البلديات التي يقطنونها،  خصوصا البلديات التي فاز فيها تحالف الامة، الذى يضم حزبي الشعب الجمهوري والجيد، أكثر الاحزاب التركية عداءً للتواجد السوري المكثف على الأراضي التركية، اللذين توعدا خلال حملاتهما الانتخابية بطرد السوريين من البلديات التي سيفوزون بها، والعمل على إعادتهم لبلادهم.

ليست دعاية انتخابية

يعتقد البعض أن هذه التهديدات التي تم إطلاقها خلال الحملات الانتخابية لا تخرج عن كونها مجرد دعاية لجذب الأصوات، وأن القوانين والاتفاقيات التي تحكم هذه المسألة لا يمكن المساس بها أو التلاعب ببنودها، إلا أن التصريحات والأفعال التي تلت الاعلان عن بعض نتائج الانتخابات، تعد مؤشرا خطيرا لمآلات هذا الملف المستقبلية. 
صحيح أن بعض هذه التصرفات يمكن وصفها بالفردية، التي لا يعول عليها كثيرا، كالاعتداء على محجبات سوريات أثناء سيرهن في الطريق العام، أو القيام بتمزيق لافتات دعاية للعدالة والتنمية ووطئها بالأقدام، لأنه الداعم الاساسي للتواجد السوري بتركيا. 
إلا أن ما يعكر الصفو هو إعلان رئيس إحدى البلديات التي فازت بها المعارضة التوقف تماما عن تقديم أية خدمات للمهاجرين السوريين، تنفيذا لوعوده الانتخابية التي قطعها لمرشحيه، وتماهيا مع خطط المعارضة التي يمثلها، والهادفة إلى العمل على إنهاء الوجود السوري داخل تركيا، باعتباره، حسب رأيه، السبب الحقيقي لما أصبحت تعانيه البلاد من أزمة اقتصادية خانقة، أدت إلى انخفاض مستوى العٌملة، وارتفاع نسبة التضخم، وزيادة البطالة، مع ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الغذائية الاساسية. 

الوجود السوري وتعارضه مع الكمالية

معضلة الوجود السوري بالنسبة للأتراك الذين ينتمون إلى تيار المعارضة العلماني، الذي يدين بالولاء للأيديولوجية الأتاتوركية، ورؤيتها لتركيا الأوربية، لا تكمن فقط في أزمة الملف الاقتصادي وتداعياته، وإنما تتعداه إلى اختلاف الموروثات الثقافية والعادات الاجتماعية التي جلبها معهم السوريون ويتعاملون بها في حياتهم اليومية، وهو ما يؤثر سلبا – وفق وجهة نظر الكماليين –  في التوجه التركي صوب أوربا بكل ما تمثله لهم من تقدم ورقي ونمط حياة أكثر انفتاحا وحرية وديمقراطية. 
 والأخطر أن التواجد السوري يعيدهم رغما عنهم لما تركته لهم الامبراطورية العثمانية من ميراث يرتبط ارتباطا وثيقا بالإسلام، ذلك الميراث الذي سبق وأن تخلوا عنه من أجل اللحاق بركب الحضارة الأوربية ومدنيتها الحديثة، ليبقى الحل من وجهة نظر هؤلاء هو العمل على إخراج السوريين وإعادتهم إلى أراضيهم، حتى تسترد تركيا وجهها الأوربي مجددا، وتستكمل مسيرتها صوب الغرب. 

استراتيجية المعارضة واٌسس تطبيقها

هذا التوجه الخطير يؤكد أن ما قيل خلال الحملات الانتخابية ليس مجرد دعاية، وإنما هو استراتيجية عكفت أحزاب المعارضة التركية على وضع اٌسسها، وأولويات تنفيذها، وسبل تطبيقها على الأرض، وهذا يعيدنا إلى ما سبق وأن  تناولته عدة وسائل إعلام تركية قبيل إجراء الانتخابات المحلية، التي تحدثت عن وجود اتفاق محدد التفاصيل بشأن السوريين بين ميرال أكشنار زعيم حزب الجيد وكمال كيليشدار أوغلو زعيم الشعب الجمهوري، اللذين اتفقا على تطبيق عدد من الإجراءات تهدف جميعها لإنهاء الوجود السوري على الأراضي التركية، حال فوزهم في الانتخابات.    
ورغم أن النجاح في المحليات، يبقى في الإطار الخدمي لتلك البلديات، وحل المشاكل التي يعانيها السكان، وغيرها من الخدمات المجتمعية التي لا علاقة لها بالسلطة أو القرار السياسي كما سبق وأن أسلفنا، فإن ذلك لن يمنع المعارضة من تنفيذ مخططها ولو جزئيا، لتبرهن على مصداقيتها أمام من انتخبوها، ولتضع العدالة والتنمية في موقف حرج أمام قاعدته الشعبية، تمهيدا للانتخابات البرلمانية المقبلة، سواء تمت مبكرة أو في موعدها. 

 توظيف قانون البلديات لخدمة المعارضة

 
فالمعارضة أصبح لديها الآن – شئنا أم أبينا – وسيلة فعالة لإظهار مدى قوتها وفاعليتها على الأرض، من خلال الاستخدام الأمثل لوجودها على رأس الكثير من البلديات الكبرى، يخدمها في ذلك القانون الذي ينظم عمل هذه البلديات، وأسلوب إدارتها، والذي سيتم توظيف كافة بنوده المتاحة لإرغام السوريين على الرحيل، ولو عن البلديات التي يسيطرون عليها. 
 مثال ذلك القيام بإزالة جميع اللوحات الدعائية، ولافتات المحال التجارية المكتوبة باللغة العربية، وذلك امتثالا لبنود هذا القانون، التي توجب الحرص على الشكل الجمالي للمدينة، واتخاذ القرار المناسب بشأن كل ما يعتقد بأنه يشوه المنظر العام والنظام البيئي لها. فكثير من الأتراك في مناطق الأناضول والمدن التركية يرون في تزايد اللافتات والدعايات المكتوبة بالعربية تشويها لجمال المكان، وتعديا سافرا على الهوية التركية للمجتمع، وإهدارا لأبسط حقوق المواطنين المرتبطة بمعرفة ما تحويه تلك اللافتات من كلمات لا يستطيعون قراءتها أو فهمها، الأمر الذي يستلزم إزالتها وفق القانون.  
إلى جانب العمل على عرقلة إصدار أذون العمل، ومنع التصاريح الجديدة الخاصة بالمشاريع التجارية التي يكون السوري طرفا فيها، مع تشديد القيود والرقابة على كل ما هو قائم بالفعل من مشروعات إنتاجية وتجارية لهم، كان مسؤولو العدالة والتنمية يغضون عنها الطرف. 

 

إحراج العدالة والتنمية 

هذه التصرفات وغيرها مما هو منتظر حدوثه، ستضع حزب العدالة والتنمية الحاكم في موقف حرج، إذ سيكون عليه التخفيف من وطأة تلك التصرفات غير المسؤولة للمعارضة من جهة، ويكون مضطرا في الوقت ذاته للحد من إظهار دعمه المطلق ومساندته غير المشروطة للسوريين، حفاظا على قاعدته الشعبية، التي ظهر أن فيها من يؤيد توجه المعارضة في هذا الملف على وجه التحديد، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن كثيراً من المحللين اعتبروا أن تعاطي الحكومة في هذا الملف ساهم بصورة أو بأخرى في رسم نتيجة الانتخابات الأخيرة. 
ومما يؤكد صحة هذا الطرح، تصريح الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي أدلى به مساء ليلة الانتخابات عقب انتهاء التصويت، وتطرق فيه إلى مصير اللاجئين السوريين، مؤكداً "أن تركيا ستبحث إيجاد مكان آمن لهم في بلادهم، لإعادتهم إليها ". هذا التصريح كان بمثابة فهم كامل لأسباب ما آلت إليه نتائج الحزب الحاكم في تلك الانتخابات، مع وعد بإيجاد الحلول المناسبة لها، إرضاء لقاعدته الشعبية.

المناطق الآمنة أصبحت ضرورة

ولا يخفى على أحد أن تركيا تعمل منذ فترة على إيجاد المزيد من المناطق الآمنة في الداخل السوري بهدف إعادة اللاجئين طوعاً إليها، فإذا كان ذلك مطلباً قبل الانتخابات، فقد تحول الآن إلى ضرورة ملحة تقتضيها المصلحة فيما يبدو. 
مواجهة الحزب الحاكم للمعارضة في الأزمة السورية سيمتد من دون شك إلى ملف التجنيس، إذ من المرجح أنه سيكون أكثر حذرا وتباطؤا في التعاطي مع هذا الملف، خصوصاً وأنه كان من أبرز الملفات التي تم توظيفها ضده، ونجحت المعارضة بفضله في اقتناص العديد من بلدياته الكبرى التقليدية. 
ومع صعوبة توصل الحكومة التركية لحلول سريعة للأزمة الاقتصادية، يبدو أنه سيكون على السوريين دفع فاتورة نتائج الانتخابات المحلية كاملة إلى حين.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة