“ورقة في الرياح القارسة”.. حدث في الصين!

 

هذه الرواية الملحمية للكاتبة الصينية تنغ هسينغ يي تقع في 484 صفحة

يمكن اعتبار الرواية سيرة ذاتية إن أخذنا بعين الاعتبار الأحداث التي روتها الكاتبة عن حياتها وحياة أسرتها ضمن فترة عاصفة من تاريخ الصين الحديث. ذكرت الروائية أفراد أسرتها بأسمائهم الصريحة بالإضافة إلى الأسماء العامة المعروفة وما تبقى من الشخصيات حملت أسماء مستعارة. وأيضاً يمكننا أن نطلق عليها اسم ملحمة نظراً للأحداث التي شملت الحياة السياسية للصين بالإضافة إلى الأسلوب واللغة البارعين اللذين كتب بهما العمل.

تحكي الرواية عن امرأة حاولت أن تحمي أسرتها وزوجها وإخوتها ونفسها من رياح التّغيير التي اجتاحت الصّين إبان الثّورة الثّقافية وما تركته من آثار بعد وفاة الرئيس الصّيني ماو تسي تونغ.

قسمت الرواية إلى عدة فصول:

الأوّل “رياح الدموع” 1952_1966

تبدأ الروائية بشرح معنى اسمها والأسباب التي دفعت والديها لتسميتها به، وتحكي عن الوسط الاجتماعي البرجوازي الذي نشأت فيه، الناس الذين خسروا كلّ ممتلكاتهم عندما وصل الشيوعيون إلى الحكم. كيف تحوّل والدها من صاحب مصنع إلى عامل، بعد استيلاء الحكومة عليه، ثمّ وفاته بسبب عملية جراحية فاشلة، اضطر شقيقها لترك المدرسة والعمل لإعالة الأسرة. وتدريس شقيقيه.

تعرضت الكاتبة لهجوم الحرس الأحمر في المدرسة الذين قاموا بضرب جدها بقسوة لأنه حاول منعهم من هدم قبر والدها.

الثاني “رياح الفوضى” 1966_ 1968

سمّته الكاتبة كذلك لاعتقادها بأنّ الثورة الثقافية أتت بالغوغاء إلى الحكم وأحدثت فوضى زادت من سوء حال أسرتها، وأرسلتها تلك القوى في النهاية إلى مزرعة سجن العمال بمقاطعة يانجسو حيث لاقت صنوف القهر والعذاب وعاشت حياة مأساوية لم تستطع الاعتراض خلالها أو الشكوى تحت وطأة الخوف من العقوبة المحتملة الأشد مما هي عليه. اتهمها ممثلو الحزب بمعاداة الثورة، حاولت الانتحار لما قاسته من صنوف الإذلال أثناء التحقيق، حكم عليها وأعيد تأهيلها بعد موت “لين بياو”.

الثالث “الرياح القارسة” 1968 _1974

هذا الجزء من الرواية هو الجزء المركزي، تصف فيه الكاتبة ببراعة المنفى الذي وجدت نفسها فيه “في مزرعة السجن” هنا تصبح هسينج أكثر نضجاً وتحمّلاً للصّعاب وتعيش أوّل تجربة حبّ مع زوجها الأول هسياو_جاو

تستطيع الكاتبة فيما بعد الحصول على مقعد في جامعة بكين لدراسة اللغة الإنجليزية وهذا الأمر سيكون البداية للتغييرات العاصفة في حياتها.  

الرابع: رياح التغيير: 1974_1978

ترصد هنا بدقة وتفصيل التغييرات في المجتمع الصيني بعد موت الزعيم ماو تسي تونغ.. في الصفحة 345 تقول الكاتبة: (إنّ فكرة الوقوف كحارس بجانب نعش فارغ والتّظاهر أنّ ماو في داخله أصابتني بالقشعريرة، أملت أن تكون مناوبتي في النّهار، ولكنّني نُدِبت وهسياو شي لمناوبة الساعة الثامنة بعد يومين…

لقد كان نصيبي ونصيب عائلتي من الشدائد التي سبّبها لنا ماو كبيراً بل من الصّعب تصور الآلام التي انتابت الشّعب الصيني بأكمله)

في هذه الفترة برزت فئة برجوازية من المنتسبين إلى الحزب الشيوعي: (ولّدَت مثل هذه التّغييرات الأساسية إلى جانب الدّعاية الدّرامية لديّ شعور قلق بخصوص مستقبلي، لقد صُنِّفت كطالبة _عمال _فلاحين _جنود على الرغم أنّني نجحت في امتحان القبول في المزرعة، نظراً للطريقة التي انتقلت بها الأمور من طرف إلى نقيضه، خفت أن أصبح الآن مواطنة من الدّرجة الثانية بعد عودة الامتحانات، ونحن طلاب العمال _الفلاحين _الجنود سنصبح كأولاد الجارية أقلّ امتيازاً داخل العائلة من أولاد الزوجة الشّرعية!).

الخامس: عكس الرّيح: 1978_ 1987

نجحت الكاتبة في الحصول على وظيفة في إدارة الشؤون الخارجية لحكومة شنغهاي وانتدبت كمترجمة للحكومة، وفّر لها هذا العمل دخلاً مادياً أشعرها بشيء من الحريّة النّسبية كانت دافعاً لها لتحلم بالانطلاق والتّحرر الكامل من أسر المجتمع الصيني عن طريق حبيبها الأجنبي الذي ساعدها على الهرب إلى كندا مخلّفة وراءها كلّ الآلام التي عاشتها.

أحبت بيل الذي طلب منها أن تلقاه بعد عدّة أيام من تعارفهما في مكتبه بعد العشاء، أحضر لها هدية بمناسبة عيد ميلادها كتاب “أبناء وعشاق” ناداها “ليف” أي ورقة وهو معنى اسمها باللغة الإنجليزية.. “يا ليف أريد أن أعترف لك بما أنك ستغادرين إلى مدينتك خلال الأيام القادمة ولن أراك ثانية قررت أن أعترف بأنني أحبك”.

لكن الآلام لا تنسى وإن تركت في الخلف.. لقد أنجبت الروائية طفلتها _تشي مينغ_ من زوجها الأوّل قبل حصولها على شهادة الدّراسات العليا في كلية الشؤون الخارجية، وقُبولها في جامعة يورك في تورنتو، ومغادرتها إلى كندا. كانت رسائلها إلى ابنتها تعود إليها ممزقة قطعاً صغيرة، لقد منع زوجها الرسائل عن ابنته انتقاماً منها ومنعها من زيارة عائلة أمّها.

هذا الأمر عاد بها إلى شنغهاي للبحث عن ابنتها عام 1994 … عادت كمواطنة كندية. اكتشفت أنّ زوجها غيّر اسم ابنتها كي لا تستطيع تعقبها. وحين استطاعت رؤيتها على شرفة منزلها غيّر زوجها المنزل كما رشا شخصاً في المخفر ليحذف بعض المعلومات من الملف الخاص بعائلته.

الملف يقول إنّها امرأة عزباء كانت تعيش في تلك الشقة قبل أن تهاجر إلى كندا.

لقد دفعت ثمن حريتها.

هي حرة الآن.. نجت من الرّيح القارسة، لم يعد أحد يراقبها، لم يعد أحد يرفع التّقارير عنها، لا تحتاج إذناً للسفر، تلاشت كوابيسها، صارت تعبّر عن أفكارها بكلّ حرية. لكنّها بدأت مرحلة ألم جديدة البحث عن ابنتها وإيجاد مكان لها في حياتها. ذلك البحث المصحوب بالألم العظيم المؤسس للحياة الملحمية.

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة