مقالات

السوريون ولعبة الانتخابات المحلية التركية

 كلها مشاكل وأمراض، أرجعتها احزاب المعارضة التركية لسبب وحيد، آلا وهو الوجود السوري داخل المجتمع التركي

 

عاد ملف اللاجئين السوريين يتصدر المشهد السياسي التركي، وهى عودة مرتبطة بالانتخابات البلدية

فمع اقتراب موعد إجراء الانتخابات المقررة في 31 من مارس/آذار الجاري، وارتفاع حٌمى الدعاية الانتخابية بين الاحزاب المشاركة فيها، ومحاولة كل حزب رفع نسب كتلته التصويتية عبر جذب شرائح من الناخبين المعروفين بميولهم السياسية للأحزاب الاخرى، يعود هذا الملف ليتصدر مشهد الدعاية الانتخابية لأحزاب المعارضة، كما جرت العادة خلال الاستحقاقات الانتخابية في السنوات الثمانية الماضية، في محاولة تستهدف النيل من مكانة حزب العدالة والتنمية الحاكم، وتقليص فرص هيمنة التحالف الذى يضمه وحزب الحركة القومية تحت اسم ” تحالف الجمهورية ” على نتائج انتخابات يعتبرها الأتراك عموما المؤشر الحقيقي لقياس قوة كل حزب من الاحزاب و قدرته على الحشد، ومدى سيطرته على توجهات الشارع التركي.

مشاكل تركيا والوجود السوري

تحالف حزب الأمة، الذي يضم كلا من حزبي الشعب الجمهوري والجيد ، طرق بعنف على مفردات التواجد السوري داخل المدن التركية، وفند كافة المشاكل التي تعاني منها تركيا، سواء كانت مشاكل سياسية او إقتصادية او إجتماعية، وأرجعوا سببها لتزايد حجم الوجود السوري في الداخل التركي، الذي تسبب في تفاقم الازمات التى اضحى المواطن التركي يعاني منها.

والتحالف يرجع كل المشكلات التي تعاني منها البلاد الي اللاجئين السوريين مثل الأزمة السياسية، وانخفاض سعر صرف الليرة، وارتفاع أسعار الإيجارات، وغلاء العقارات، وزيادة أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية، وزيادة معدلات البطالة التى أصبحت تترافق وارتفاع معدلات الانتحار بين الشباب، إلى جانب المشاكل الاجتماعية كالمشاجرات الدموية، وانتشار السرقة، وتزايد عمليات تهريب الآثار، والمخدرات، والتسول، بالإضافة إلى العديد من الممارسات والسلوكيات التى ينتهجها بعض السوريين وتٌسبب إزعاجا بالغا لدى فئات المجتمع التركي، نتيجة اختلاف الموروث الثقافي والعادات الاجتماعية.

 كلها مشاكل وأمراض، أرجعتها احزاب المعارضة التركية لسبب وحيد، آلا وهو الوجود السوري داخل المجتمع التركي، منتقدة بشدة سياسات الحكومة الداعمة له، لأسباب تراها المعارضة من وجهة نظرها، سياسية تتعلق برغبة حزب العدالة والتنمية في إحداث تغيير ديموغرافي من شأنه أن ينعكس على العملية الانتخابية في المناطق التى يكثر فيها السوريين الذين يدينون بالولاء بطبيعة الحال لحزب العدالة والتنمية، الأمر الذى يعني فرض الحزب لسيطرته على عدد من البلديات والأحياء، التى يصعب عليه الفوز بها في أية انتخابات، ولا علاقة لها بالنواحي الإنسانية التى يتحدث عنها العدالة والتنمية.

ادعاءات غير منطقية

وهى الادعاءات التى تفتقر إلى المنطقية، في ظل البيانات والإحصائيات التى تشير إلى أن عددا السوريين الذين تم تجنيسهم منذ 2011 وحتى الآن 79 ألفا و820 شخصا، يحق لحوالي 53 الفا و99 شخصا منهم فقط الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات المحلية، وهو رقم لايمكنه بأية حالٍ من الاحوال التأثير على نتائج الانتخابات، خصوصا وأنهم لايقيمون في مكان واحد، وإنما يتوزعون على مختلف المدن والمناطق والأحياء داخل 81 محافظة تركية ستجرى فيها الانتخابات.  

ورغم نفي حزب العدالة والتنمية لتلك الاتهامات، وقيام الحكومة بإجراء العديد من الدراسات الميدانية والتحقيقات الاستقصائية، وإثبات المبالغة في الكثير من هذه الشائعات، وتفنيدها، بل وإثبات زيف عدد لايستهان به منها، فإن ذلك لم يردع أحزاب المعارضة المشاركة في العملية الانتخابية عن استخدام تلك الشائعات في دعايتها الانتخابية، وتسويق الحلول التى تراها ناجعة لحلها ضمن برامجها الانتخابية، والتى ترتكز على حل واحد فقط، وهو إعادة هؤلاء السوريين إلى بلدهم، واستخدام الاموال التى ينفقها العدالة والتنمية على السوريين – وفق إدعاءاتهم –  لتحسين أوضاع الأتراك الذين يئنون تحت وطأة المشاكل التى جلبها لهم هذا الوضع . إلى جانب فرض ضريبة عمل على كل من سيبقى منهم في تركيا، داعين المواطنين إلى التصويت لمن سيخلصهم من عبء هؤلاء اللاجئين.

إثارة الضغينة والكراهية ضد الأجانب

استمرار الادعاءات بدعم الحكومة للسوريين، وتبنيها لهم، بعد أن قامت بتجنيسهم، وتقديمها الكثير من التسهيلات لإلحاقهم بالمدارس والجامعات مجانا من دون النظر لمعدلاتهم العملية ودرجاتهم الدراسية، وإعفائهم من الضرائب، وتحويل مخصصات الشعب التركي لهم، والانفاق السيئ عليهم مع تجاهل صغار المزارعين والحرفيين، دون الاخذ في الاعتبار مصالح المواطنين الأتراك، الذين يتم تحميلهم عبء ضرائب كثيرة مرهقة يٌعفى منها السوريون، وعودة الحديث عن التميز القومي والعرقي للأتراك في الخطابات السياسية والمؤتمرات الجماهيرية لأحزاب المعارضة ، والوعود بالعمل على إزالة جميع اللافتات الدعائية، والعلامات التجارية المخطوطة باللغة العربية، أمور من شأنها إثارة الضغينة والكراهية داخل النفوس الضعيفة ضد الأجانب عموما والسوريين على وجه الخصوص، ما يرجح زيادة حجم المشاكل اليومية، وارتفاع معدلات الشغب في المناطق الشعبية والأحياء الفقيرة، التى تضم بين أركانها عربا وأتراكا وجنسيات أخرى متعددة. 

الأسباب الخفية لشراسة الحملات الانتخابية

وستمنح الانتخابات المحلية الأحزاب الفائزة القدرة على تسيير الامور في الدولة، وفق أيدولوجيتها ، الامر الذى ربما يوضح سبب شراسة الحملات الانتخابية التى تقودها أحزاب المعارضة التركية، إلا أن التوظيف السيئ لقضية اللاجئين و لحدث إنساني بامتياز، يهدف الى ازاحة حزب العدالة والتنمية الحاكم عن  السلطة، بهدف السيطرة على مقاليد الأمور في البلاد، بما يسمح لها بإجراء تغييرات جوهرية في توجهات البلاد السياسية، ومنهجها الأيديولوجي، والابتعاد بها عن محيطها الإسلامي، وتوجيه دفتها مرة أخرى إلى أحضان الغرب لمعاودة عمليات التغريب والاغتراب التى كانت سائدة على مدى مايقرب من مئة عام، حتى ولو كان ذلك على حساب أحزان وجراح ملايين العائلات من اللاجئين، وعبر السيرعلى جثث الآلاف من الإخوة لهم، إن لم يكن في الدين ففي الإنسانية على الأقل.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة