الثّلاثيُّ الّذي يحرقُ فنزويلا

 

 

انْتقلَتْ قارّةُ أمريكَا اللاتينيّةِ مِنْ حُكمِ الدّيكتاتوريّاتِ وَالانْقلاباتِ الْعَسْكريّةِ إلَى الْحُكْمِ الدّيمقراطيِّ، وَالتّداولِ السِّلْميِّ للسُّلْطةِ، لكِنَّ الانْتقالَ لَا يَزالُ قلِقاً وَلَا يحقِّقُ الاسْتقرارَ والرّسوخَ الدّيمقراطيَّ فِي بعْضِ بُلدانِها، وفنزويلا إِحْدَى الدّولِ الّتِي تشْهدُ صراعاً سياسيّاً عنيفاً تَسيلُ فِيهِ دماءٌ بَينَ المُعسْكَرَينِ الاشْتراكيِّ الحاكمِ واليمينيِّ المُعارضِ، وهدفُهُ الأساسيُّ السُّلطةُ، والْحَلْقةُ الأَخْطرُ فِيهِ إعلانُ خوان جوايدو رئيسِ البرلمانِ نفْسَهُ رئيساً بالوَكالةِ ردَّاً عَلَى تنصيبِ نيكولاس مادورو رئيساً لفَتْرةٍ ثانيةٍ.

جوايدو رَجُلُ واشنْطن

جوايدو شابٌّ “35 عاماً”، وأحدُ زُعماءِ المُعارضةِ، وتَسلَّمَ الرّايةَ مِنْ قادتِهَا القُدامَى الّذينَ واجَهُوا السَّجنَ والتّشرُّدَ وَفشلُوا فِي كَسْرِ مادورو رُغمَ سيطرتِهِم علَى البرلمانِ وأغلبيّتِهِ مِنْ أحْزابِ اليمينِ، وخُطْوةُ جوايدو جاءتْ مُفاجِئةً ومُتقدِّمةً، ويَتّضحُ مِنَ التّطوُّراتِ الّتِي أعقبتْهَا وقوفُ إدارةِ ترمب وعواصِمَ أوروبيّةٍ ولاتينيّةٍ وراءَهُ، فَلَمْ يكُنْ يجرُؤُ عَلَى إعلانِ نفسِهِ رئيساً، فِي وجودِ رئيسٍ مُنتخبٍ أَو يُفترضُ أنَّهُ مُنتخبٌ ويُمارسُ صلاحياتِهِ ومُعترفٌ بِهِ مِنَ الْجيشِ وَالشُّرْطةِ ومُؤسّساتِ الدّولةِ باسْتثناءِ البرلمانِ، مَا لَمْ يكُنْ هُناكَ تنسيقٌ مَعَ واشنْطن أوَّلاً، وَهِيَ اعْترفَتْ بِهِ فَوراً، وَهُوَ ضوءٌ أخْضرُ لحلفائِها بالاعْترافِ بشرعيّتِهِ، وتأكيدٌ لدَعْمِ رَجُلِهَا فِي فنزويلا، فَقَدِ اتَّصلَ .ترمب بِهِ وهنَّأَهُ، وَفَرَضَ عُقُوباتٍ عَلَى نظامِ مادورو وشركةِ النَّفْطِ الوطنيّةِ، وَوَجَّهَ جون بولتون مُستشارُ الأمنِ القوميِّ الأمريكيِّ- وَهُوَ غالباً مُهندسُ الخُطّةِ- تهديداتٍ لمادورو بعدَمِ السّكُوتِ إذَا تَمَّ الْمَسُّ بجوايدو أَو أنْصارِهِ، والضّغُوطُ تتواصَلُ لتضييقِ الخِناقِ عَلَى مادورو، والإجْهازِ عَلَيهِ اقْتصاديّاً، وعزْلِهِ دَوليّاً علَى أملِ إسْقَاطِهِ.

النكْبةُ والمطامعُ فِي دولةٍ نَفطيّةٍ

فنزويلا فِي حالةٍ يُرثَى لَهَا، والاعترافُ الأمريكيُّ وعديدُ العواصِمِ بشرعيّةِ جوايدو لَا يُساهم فِي حلِّ الأزمةِ السّياسيّةِ المُعقّدةِ فِي هذَا البلدِ المنكُوبِ بحُكّامِهِ وقادتِهِ السّياسيّينَ وبالمطامعِ الأمريكيّةِ الصَّريحةِ فِي ثروتِهِ النَّفطيّةِ، كَمَا لَا يُوقفُ انهيارَ الاقْتصادِ، وَلَا يمْلَأُ البُطونَ الجائعةَ، وَلَا يُنهي طوابيرَ الهِجْرةِ الطّويلةَ إلَى دولِ الجوارِ، وَلَا يمنحُ جوايدو قوةً وصلاحياتٍ لمُمارسةِ منصبِ الرّئيسِ، وَلَا يُنقِذُ البلدَ مِنْ أبْنائِهِ الّذينَ يدْفعُونَهُ لانهيارٍ شاملٍ وكاملٍ، أَو لحَرْبٍ أهليّةٍ، وكَلَا الوَضْعَينِ مُدمِّرانِ فِي دولةٍ أخذَتْ خُطُواتٍ اجتماعيّةً أنقذتْ بِهَا ملايينَ المُواطنينَ الفقراءِ مِنْ حالتِهِم المُزريةِ ونقلتْهُمْ لحالةٍ أفْضلَ فِي عهْدِ الرّئيسِ اليسارِيِّ الرّاحلِ تشافيز، حيثُ وَظّفَ دخْلَ ثروةِ النَّفْطِ لصالحِ الطَّبقاتِ الفقيرةِ وَالضَّعيفةِ والشَّعْبيّةِ، وَهؤلاءِ هُمْ أنْصارُ تلميذِهِ مادورو الْيَومَ الّذِي تولَّى الرّئاسةَ بعْدَهُ، لكنَّهُ لَمْ يكُنْ بمُستوى أستاذِهِ فِي الْأداءِ، والمُشكلةَ مُنْذُ تشافيز ومَا قَبلَهُ بَقِيتْ فِي أنَّ الاقتصادَ الريعيَّ يعْتمدُ عَلَى دخْلِ النَّفطِ فقطْ دُونَ أنْ يتحوَّلَ إلَى اقتصادٍ إنْتاجيٍّ.

 وَفِي نفْسِ المسارِ الاشْتراكيِّ الاجتماعيِّ نهضتْ البرازيلُ عَلَى يَدِ الرّئيسِ الأسْبقِ المسجونِ حالياً لولا دا سليفا، وبعدَهُ تولّتِ الرّئاسةَ تلميذتُهُ ديلما روسيف لكنَّهَا لَمْ تكُنْ بمُستواهُ أيضاً، وقَدْ تمَّ الإطاحةُ بِهَا فِي انْقلابٍ سياسيٍّ مُحكمِ التّدبيرِ عامَ 2016، لكنَّ الفَارِقَ أنَّ البرازيلَ أسّستْ بنيةً اقْتصاديّةً جيّدةً، رُغْم أنَّهَا لَا تمتلكُ نَفْطاً مثلَ فنزويلا، وهدَفُ واشنْطن حالياً الإطاحةُ بمادورو ليصلَ اليمينُ للسُّلطةِ، كَمَا وصلَ فِي البرازيلِ مُؤخَّراً، لكنْ عبرَ الصّناديقِ، وحتَّى تكُونَ قدْ تخلَّصتْ مِنْ نظامَينِ يساريَّينِ آخرَينِ واسْتبدلَتْهُما بنظامَينِ يَدُورانِ فِي فَلَكِهَا، ولَمْ يَبْقَ عَلَى أجندتِها إلَّا النّظامُ الشيوعيُّ الكوبيُّ العتيدُ، ونيكاراجوا، وبوليفيا.

الأحزابُ اليساريّةُ تقلَّدتِ الحُكْمَ فِي مُعظمِ بُلْدانِ أمريكا اللاتينيّةِ بَعْدَ التحوُّلِ الدّيمقراطيِّ، وهذَا لَمْ يُرِحْ أمريكا، فَهِيَ تُريدُ حكوماتٍ مُواليةً لَهَا فِي كلِّ فنائِهَا الخلْفِيِّ بأمريكا اللاتينيّةِ، وَهُوَ مَا تعْملُ علَيهِ سِرّاً وَجَهْراً مُنْذُ القِدمِ بمُمارسةِ الضّغوطِ عَلَى الحُكوماتِ وفرْضِ العُقُوباتِ ودعْمِ الانْقلاباتٍ العسكريّةٍ وإحداثِ التّغييراتٍ كَمَا تفعلُ فِي فنزويلا حالياً، وقدْ سَبقَ أنْ دعمتْ انْقلاباً عسكريّاً ضدَّ شافيز، لكنّهُ فشلَ سريعاً، واليومَ تُصعّدُ درجات حيثُ تهدِّدُ بالتدخُّلِ العسكريِّ المُباشرِ.

ماذَا عَنِ الدّيكتاتوريّاتِ الْحَلِيفَةِ لـ ترمب؟

هَلْ جوايدو هُوَ الحلُّ السِّحْريُّ لإنْقاذِ الاقْتصادِ المُنهارِ، وتوفيرِ الطَّعامِ والشَّرابِ والماءِ والكهرباءِ والعملِ والمسكنِ والدّواءِ للشّعْبِ، وإنْهاءِ الانْقسامِ السّياسيِّ، ونشرِ السّلامِ المُجتمعيِّ، بمجرّدِ غيابِ مادورو؟. هُناكَ شكُوكٌ فِي ذَلكَ؛ لأنَّ مُشكلاتِ الاقْتصادِ وأزمةِ السّياسةِ أعْمقُ وَأكْبرُ مِنهُ وَمِنْ مادورو، و.ترمب لَنْ يُقدِّمَ الكثيرَ لفنزويلا إذَا نجحَ فِي فرضِ رَجُلِهِ، هُوَ نفسُه يسْعَى للاسْتفادةِ مِنْ بُلْدانِ العالمِ، فقطْ سيتفاخَرُ بأنَّهُ يقُودُ إصْلاحاً ديمقراطيّاً فِي القارّةِ، وأنَّه يطردُ المُستبدِّينَ للتّغطيةِ عَلَى أزماتِهِ الدّاخليّةِ، وَهُوَ هُنَا مُنافقٌ كبيرٌ؛ لأنَّ أقْربَ حُلفائِهِ فِي الشّرقِ الأوسطِ هُمْ عتاةُ الاسْتبدادِ، وَهُوَ لا يُصدِرُ كلمةَ نقْدٍ واحدةٍ بحقِّ أحدٍ مِنْهُم، بلْ يُشجّعُهُم رُغمَ هولِ انْتهاكاتِهِم ضدَّ شُعُوبِهم ونخبِ السّياسةِ والمُجتمعِ فِي بُلدانِهِم.

عَلَى الأقلِّ فِي فنزويلا برلمانٌ فازَتِ الْمُعارضةُ بأغلبيّتِهِ فِي ظلِّ اتّهامِ مادورو بالدّيكتاتوريّةِ، ورئيسُ هذَا البرلمانِ نصَّبَ نفسَهُ رئيساً بالوَكَالة، وهُوَ يتواجَدُ داخلَ بلدِهِ ولَمْ يَمْسَسْهُ سوءٌ، والمُظاهراتُ الّتِي يدعُو لَهَا تخرُجُ بحُرّيّةٍ، وأيٌّ مِنْ هذِهِ المُمارساتِ، ولَا أَدْنَى مِنْها كثيراً مُتاحةٌ للشّعُوبِ الّتِي تَئِنُّ تحْتَ بطشِ أنظمةٍ ديكتاتوريّةٍ حَلِيفَةٍ ل.ترمب والْغَرْبِ، وهذَا يقلّلُ مِنْ مصداقيّةِ اتّهاماتِ مادورو بالدّيكتاتوريّةِ، لكنْ يمكنُ اتهامُهُ بالْفشلِ فِي إدارةِ الدّولةِ والاقْتصادِ والعجزِ عَنْ حلِّ الأزمةِ مَعَ المُعارضةِ، علاوةً عَلَى شُبهاتٍ حامَتْ حولَ نزاهةِ انْتخاباتِ الرّئاسةِ العامَ الماضي، ولا ننْسى أنَّ هُناكَ فئاتٍ شعبيّةً عريضةً تقفُ وراءَه بقوّةٍ، وهِيَ اسْتفادتْ كثيراً مِنَ الإصْلاحاتِ الاجتماعيّةِ الّتي نفّذَها تشافيز وتخْشَى رحيلَ مادورو بقوّةٍ قسريةٍ ليحلَّ محلَّهُ رئيسٌ يمينيٌّ مثلُ جوايدو يعصفُ بكلِّ مكتسباتِ هذِه الطّبقاتِ، ويسْتفيدُ مادورو حتَّى الآنَ مِنْ دعْمِ الجيشِ لَهُ، وَهِيَ استفادةٌ مُتبادلةٌ، فالْجيشُ شريكٌ أساسيٌّ فِي السُّلطةِ ويحصلُ عَلَى امتيازاتٍ هائلةٍ، لكنْ مُواصلةُ الجيشِ لهذا الدعم قدْ تتوقّفُ إذَا وصلَ البلدُ للانْهيارِ الشّاملِ والْفوضَى الكاملةِ، فقدْ يتدخّلُ ويتسلّمُ السُّلطةَ بنفسِهِ.

حلولٌ سحريّةٌ للإنْقاذِ

فنزويلا ليستْ بحاجةٍ لرئيسٍ بالوَكَالةِ، كَمَا أنَّها ليستْ بحاجةٍ لتصلُّبِ مادورو، وبقاؤُه فِي السُّلطةِ سيكونُ ضارّاً إذَا كانتِ الْأوضاعُ ستواصلُ التّدهْورَ، هذَا البلدُ بحاجةٍ إلَى حلولٍ سياسيّةٍ عمليّةٍ توافقيّةٍ واقعيّةٍ إنقاذيّةٍ سِحريّةٍ لبلدٍ يمتلكُ ثروةً نَفْطيّةً هائلةً، ويُعانِي شعبُه عدمَ توفّرِ ضروراتِ العيشِ مَعَ نسبِ تضخُّمٍ غيرِ مسبوقةٍ وهجراتٍ جماعيّةٍ للخارجِ، يجبُ إبداعُ خُططِ حلٍّ تقبلُها الحكومةُ الاشْتراكيّةُ، والمُعارضةُ اليمينيّةُ، ويقدِّمُ الطرفانِ تنازلاتٍ مُتبادلةً مُؤلمةً، ويجري التفاوضُ بَينَهُما برعايةٍ أُمميةٍ لبدْءِ فترةِ انْتقالٍ سياسيٍّ لتأسيسِ نظامٍ ديمقراطيٍّ آمنٍ بضماناتٍ صارمةٍ لمنعِ الانْتقامِ والتّصفيةِ السّياسيةِ والعزلِ والتفرُّدِ بالحُكمِ، هذَا النّظامُ يجبُ أنْ يستوعبَ كلَّ الأطرافِ دونَ تدخُّلاتٍ خارجيّةٍ لترجيح كفة هذَا الطرف أَو ذاكَ.

هُناكَ تحرّكاتٌ مِنَ الْمكسيكِ والأورجواي، وَهُما بلدانِ مُحايدانِ فِي الصّراعِ، لوضْعِ أجندةٍ للحلِّ السّياسيِّ مِنْ خلالِ الأُممِ المُتحدةِ، وهُوَ تحركٌ يجبُ دعمُهُ دَوليّاً، ويجبُ توقّفُ .ترمب وإدارتُهُ عَنْ مزيدٍ مِنْ صَبِّ الزّيتِ عَلَى النّارِ، ومطلوبٌ مِنْ مادورو التحلِّي بالمسؤوليةِ والحكمةِ، ومِنْ جوايدو ألّا يُواصلَ التّصعيدَ، إنّما يجبُ التّوافقُ مِنَ الاثْنَينِ ومِنْ جميعِ المُكوّناتِ الوطنيةِ علَى الانخراطِ فِي حوارٍ جادٍّ وصريحٍ للخرُوجِ مِنَ الْمعضلةِ الّتي حوّلَتْ حياةَ الشّعبِ الفنزويليِّ إلَى جَحيمٍ.

 ومِنْ أسفٍ أنَّ الأزمةَ جدّدتِ الحربَ الباردةَ فِي ساحةٍ دَوليّةٍ أُخرَى بَينَ أمريكا داعمَةِ جوايدو فِي جهةٍ، وبَينَ وروسيا المُناصرةِ لـ مادورو فِي جهةٍ أُخرَى، والعالمُ شبه مُنقسمٍ بَينَ طرفَي الأزمةِ والصّراعِ فِي هذا البلدٍ الذي يحترقُ شعْبُهُ وكيانُهُ بفعلِ الثّلاثِي: مادورو وجوايدو وترمب.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة