الإرهابي الأنيق في تونس!

نحتاج إلى تعديل الصورة عن إرهابي تورا بورا الأشعث الزّميت.
في تونس إرهابي مختلف. أنيق ويلبس من محلات إيف سان لوران أحيانا، ويضع عطورا باريسية ونميل إلى الاعتقاد أنه جلس في مقاهي مون مارتر وشرب قهوته الإكسبريس على مدارج كنيسة القلب المقدس حيث يلتقي مثقفو العالم الثالث الأفريقي الهائمون على هامش الجامعة الفرنسية، كما سمعوا عنها زمن جون بول سارتر، قائد ثورة الطلاب إذ لا شيء مقدس ولا شيء دنس ولا شيء له قيمة شيء سوى اللاشيء الفرنسي الذي صار مرجعا لشعوب فقدت ربها ولم تجد ربا غير نسخ تعاليم القلب المقدس كما كتبته سيمون دي بوفوار.

الإرهابي التونسي صورة متحركة.

الدرس السوسيولوجي الأولي عند بناء ملامح الفاعل الاجتماعي نظريا هو تثبيت الثابت من سلوكه الاجتماعي لبناء الملمح التواصلي الذي يتفاعل معه الآخر ويبني عليه ردود فعله، ثم يكون تحليل السلوك التفاعلي.
من هو الإرهابي التونسي؟ إنه ليس شخصا بملمح محدد؛ ولكنه كائن يشبه توم وجيري الكرتوني، حيث يمكن أن يموت ويختفي ثم يعود بحسب رغبة كاتب الحكاية.

اختفى الإرهابي التونسي طيلة حكم الرئيس الباجي: أعني هنا الإرهابي الإسلامي النهضاوي قاتل الزعيم شكري.
في زمن الرئيس الباجي حصلت ثلاث أبشع عمليات إرهابية في تاريخ تونس (منذ غزو روما لقرطاج)؛ لكن الربط بينها وبين حزب النهضة لم يتم، حينها كان الرئيس الباجي محتاجا إلى إسناد حزب النهضة لحكمه فلم يأذن بالربط المنهجي، بل إننا نلاحظ دون كبير عناء أن الربط بين الاغتيالات السياسية زمن حكم النهضة وحزب النهضة لم يعد أداة تحليل سياسي.
وفجأة رفض حزب النهضة الاستجابة لرغبة الرئيس في توريث ابنه، وقال قائلها “انتهى زمن تنازلات النهضة” فإذا النهضة مثل شخصيات فيلم الكرتون تبعث إرهابية. فعاد الربط إياه. حزب النهضة صانع الإرهاب في تونس. وبعث الله أهل دم الشهداء يثيرون الأسئلة من جديد. ولا يسمحون لسائل أن يستفزهم أين كنتم منذ سنوات أربع والرئيس يسوّفكم حتى نسيتم دمكم؟

هل ننكر الإرهاب التونسي؟

لا أبدا، ضربات الإرهاب الإسلاموي في تونس حقيقة لا مراء فيها. ولكن استعمالها سياسيا من قبل من حكم تونس منذ الثورة حقيقة أخرى لا مراء فيها.
والحقيقة الثالثة أن أكبر الخاسرين من الإرهاب هو حزب النهضة الإسلامي.
والحقيقة الرابعة أن حزب النهضة (الإسلاميون عموما) لا يعرف كيف يخرج من المأزق الذي يضعه فيه كل صباح المستثمرون في الإرهاب.

المجال لا يسمح لاستعراض الضربات الإرهابية فهي موثقة في الإنترنت والمحلل النبيه يمكنه أن يقوم بربط بسيط بين الأفعال السياسية الكبرى منذ الثورة كإسقاط قانون العزل السياسي لرجال بن علي وبين العمليات الإرهابية.>
فكلما اقتربت الثورة من تنفيذ رغبات الثوار في تصفية المنظومة القديمة ضرب الإرهاب (بلحيته الإسلامية) ضربة مدمرة جعلت الناس والسياسيين المساكين (المسكنة أخت الجبن) يختارون بين الحفاظ على جهاز الدولة وبين تصفية المنظومة القديمة. (منظومة بن علي الممولة بالمال والخبرة والكيد الإعلامي).

لكن وجب الانتباه هنا، لعبة استعمال الإرهاب سياسيا لم تعد لعبة بن علي المفضلة ورجاله الباقين في تونس بل صارت لعبة بيد سياسيين من الدرجة الثانية أو الرابعة لذلك نحن الآن نعالج استعمال الإرهاب في الانتخابات القادمة.

ليس هناك انتخابات في 2019 في تونس على أساس برامج مستقبلية بل على أساس قتل الإسلاميين لأنهم إرهابيون، فقط لا غير.
دعك من الدولة الاجتماعية التي طالبت بها الثورة العربية للقرن 21 .هذا هراء شعبوي. كيف تربح الانتخابات بقتل الإسلاميين؟، ويقول الإسلاميون كيف نربح الانتخابات قبل أن نموت منها فنحيا بها؟ أما ماذا تقدم الأطراف المتحاربة بالإرهاب للشعوب المقهورة من قرون الإذلال والفقر والاستعمار. هذا موضوع مؤجل إلى يوم الحساب.

لا فكر جديد لدى اليسار العربي القديم.

الأمر يشبه وضع شخص وجد بالقوة في معزل ولديه فونوغراف وقرص وحيد بأغنية وحيدة، يضعها ليسمعها كل يوم وكل ساعة في اليقظة وفي المنام. هو اليسار العربي بعد ثورة 2011.
ثارت الشعوب وطلبت العدالة، وقال النص النظري ليس غير اليسار لينتج الحلول العبقرية فالنص اليساري هو الأصل؛ ولكن وجدت الشعوب اليسارَ يبيعها لمبارك وبن علي وحفتر وصاحب المنشار وبشار الممانع وبوتين بل يبيعها إلى طرمب صاحب صفقة القرن المخلصة المهم لا أن يكون في المشهد إسلاميون. بالتدقيق إخوان مسلمون.

والشعوب الفقيرة؟

لها الله والصور المتحركة سنبعث لها أملا ضحوكا في السينما . فالإخوان أنفسهم لا يملكون حلا بل يصيرون مشكلا في لحظة تتطلب الحل؛ إذ يعتقدون أنهم رسل ببينة وما هم إلا مجتهدون خابوا، وكيف يعترف الخائب بخيبته؟!

لكن خارج وسائل الإعلام المملوكة لأنظمة (بن علي مبارك بشار.القذافي حفتر على صالح) لم يثبت عليهم أحد حجة الإرهاب واستعماله بل كل بيانات المرحلة أن الإرهاب وسيلة الأنظمة الساقطة وتوابعها من يسار الأيديولوجيا. حتى الأرض المحتلة حيث تقف الجبهة الشعبية مع جماعة أوسلو ضد حماس في غزة (رغم دم أبي علي مصطفى) وتنسق مع قوات الاحتلال باسم محاربة الإرهاب الإخوانجي.

الديمقراطية العربية الأسيرة

الصراع بين اليسار والإسلاميين يأسر عملية البناء الديمقراطي ومسارها التاريخي الضروري في المنطقة. هذا الصراع شرع انقلاب السيسي ومول بقاء بشار ومول حرب اليمن ومول تخريب الثورة الليبية ويمول تفريغ الانتخابات التونسية من مضمونها الديمقراطي ليحولها إلى عملية إعادة انتاج منظومة بن علي بفارق وحيد، هامش فقير من الأوكسجين للإسلاميين أما التنمية فلا تنمية والسلاح المتاح في هذه اللحظة على الأقل في تونس حتى لا نضطر إلى توسيع المقارنات هو استعادة الإرهاب واتهام الإسلاميين (حزب النهضة بالذات)به ولذلك اختلقت مدرسة تعليم الإرهاب في (الرقاب) وسط تونس في شهر فبراير.

نحن إذن إمام إرهاب حقيقي يسكن في مكان ما ويتحرك طبقا لأجندة غريبة نكتشف في كل مرة أنها تصب في صالح منظومة (بن علي/ مبارك/ القذافي/ بشار) ويسارها العربي الفاسد. ولها هدف وحيد توريط حزب الإسلام السياسي الأكثر اعتدالا في المنطقة في الإرهاب. في هذا المشهد السريالي من الإرهابي فعلا؟

ليس له وجه غير دمنا ودموعنا ويجب أن ننتظر توم وجيري ليكشفا له وجها يضحكنا فحتى الآن لم يفلح المخرج في تدبر فقرة تضحكنا. نحن ضحايا والمخرج يريدنا أن ندفع ثمن الفرجة ونضحك. ولكن في كل مرة دخلنا سينما الإرهاب خرجنا مجروحين في الوطن والأمة والمستقبل. ورأينا السكين يقطر دما في يد اليسار العربي رب التقدمية. ويزيدنا ألما حمق الإسلاميين يتغابون من الجهل والمسكنة.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة