القاتل السياسي يفتخر بفعله ولا ينكره

 

 

قام الانقلاب العسكري في مصر بإعدام تسعة من الشباب منذ بضعة أيام، بتهمة قتل النائب العام، ورأينا بعض من يريد التبرير لمن قتلوهم، بأنه ربما كانوا فعلوها، وربما لا، ومنهم من أراد ألا يتضامن معهم بحجة أن هناك عنفا في مصر، وهو كلام لا ينطلق من عقل أو معرفة بطبيعة القتل السياسي أو الديني سواء في مصر أو في غيرها.

إن من يتجه لقرار قتل إنسان عقابا له على فعل سياسي أو ديني، يفعل ذلك وبداخله قناعة دينية أو سياسية أن ما يقوم به هو عمل يفتخر به، وأنه قربى لله، وإن كان سياسيا فهو عمل وطني يخدم به الوطن، ويخلصه من الخونة. ولذا تجد من يقوم بهذا الفعل يباهي به، بل يعترف عند التحقيقات، ولا ينكر، بل تناقشه المحكمة في الأسباب التي دفعته لذلك فيقولها بكل وضوح، سواء كنا نقر فعل القاتل السياسي أو الديني، أو لا نقره، لكني أتحدث عن حقائق تاريخية وعقدية عند أصحابها.

بداية ليس معنى مقالي هنا أو كلامي، إثبات أن الشباب الذي أُعدم أنه قتل النائب العام المصري هشام بركات، بل العكس تماما، فالمقال يعد من الآراء التي تنفي عنهم التهمة، وتثبت عدم فعلهم لها، ويكفي أن جريدة المصري اليوم منذ ثلاث سنوات كتبت تسخر من أن الداخلية للمرة الثالثة تصفي أشخاصا بدعوى قتلهم للنائب العام. ولكني أسوق بعض الشواهد التي تؤكد كلامي في فكرتي، وهي: أن من يقوم بالقتل السياسي أو الديني، يفخر بفعله، سواء كان فعله صحيحا دينيا أم لا، فهم أشبه بالصعايدة في مصر، إذا قاموا بقتل من زنى بابنتهم، أو قتل قريبا لهم، عند قتله، يباهون بذلك قائلين: غسلنا عارنا بأيدينا!

خيانة التراب الهندي

تاريخ القتل السياسي كله يشهد بذلك، فمن قتل غاندي الزعيم الهندي المعروف، كان رجلا من نفس توجهه الديني، لأنه وافق على الاستفتاء على انفصال باكستان عن الهند، فقتله لأنه رآه خان التراب الهندي، وتباهى القاتل بذلك، ولم ينف فعلته. وكذلك قاتل إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل السابق، قتله يهودي متعصب، لأنه رآه خان تراب وطنه – حسب زعمه – بالسلام مع الفلسطينيين، واعترف بفعله، ولم ينكر في أي جلسة من جلسات المحاكمة.

هذا عن حالات القتل السياسي عند غير العرب وغير المسلمين. وفي مصر، عندما قام مصري بقتل بطرس غالي رئيس وزراء مصر، اعترف قاتله بدون أي ضغوط أنه قتله، لأنه خائن، ويخون مصر لصالح الإنجليز. وكذلك عندما قام أنور السادات مع رفاقه بقتل أمين عثمان، اعترفوا بذلك، وكتب ذلك السادات في مذكراته (البحث عن الذات)، ووجدوا من يدافع عنهم من المحامين الوطنيين، وهم أيضا لم ينكروا بل تباهوا تاريخيا بفعلهم. وكذلك جمال عبد الناصر وقد اتهم بمحاولة اغتيال حسين سري.

الاسلاميون أيضا

وكذلك حالات القتل التي قام بها الإسلاميون، لم يتنصلوا منها، من كل التيارات التي مارست القتل السياسي أو الديني، بل اعترفوا بها، وقت قيامهم بها، ولم يعتبروا ما فعلوه عارا يتبرأون منه وقتها، فعندما قتل أحد أفراد الإخوان النقراشي باشا رئيس وزراء مصر، اعترف القاتل، بأنه قتله، وكذلك من قتلوا الخازندار، كان مبررهم في اعترافهم المعلن على الملأ أنه لعلة خيانته بالحكم على وطنيين بأحكام قاسية.

فالقتلة اعترفوا وقد كتبت الأستاذة صافيناز كاظم مقالا منذ فترة عن حادثة قتل النقراشي، تقول فيه: تعجبت أن الناس متعاطفة مع القاتل، وليست متعاطفة مع القتيل، وقال لها أخوها إبراهيم وقد رآها تبكي على النقراشي: هل أنت بلهاء، إن النقراشي هو من فتح علينا كوبري عباس وكدنا نغرق، وأطلق علينا الرصاص، في الحادثة المشهورة في مظاهرات الطلبة ضد الإنجليز. والعجيب أن النقراشي نفسه كان متهما في قضية قتل سياسي من قبل!!

وقتلة السادات ورفعت المحجوب وفرج فودة، كلهم بلا استثناء، اعترفوا علانية، بدون ضغوط، بل باهوا بفعلهم، وكان قتلته يهتفون: يا مبارك يا مبارك المنصة في انتظارك. احنا اللي قتلنا السادات، احنا اللي قتلنا المحجوب. وقاتل فرج فودة، قال بنفسه لماذا قتله؟ وما الفتوى التي اعتمد عليها، ولم يبد أي ندم على ذلك، لا هو ولا كل من ذكرناهم في حوادث القتل السياسي السابقة.

الانكار هو جوابهم

وهو ما لم نره من الشباب الذي أعدمه السيسي سواء التسعة في قضية النائب العام، أو غيرهم، فلم نرهم يعترفون، أو يقرون بذلك، أو يبدون الندم بأنهم أخطأوا، أو غرر بهم أحد للفعل، بل منذ أول لحظة الإنكار هو جوابهم، ثم مورس معهم التعذيب الشديد ليعترفوا، ثم التحدث في المحكمة بأنهم عذبوا. وهو ما يؤكد ما ذكرته، أن القاتل السياسي أو الديني، لا يجد غضاضة في الاعتراف، ولا يجد معرة فيها، بل يرى ذلك شرفا كبيرا قام به.

القاتل السياسي الوحيد الذي لا يعترف بالقتل، هم القتلة من الداخلية والعسكر، منذ عبد الناصر وحتى السيسي، فالعنف الذي تمارسه أنظمة الحكم العسكري هي التي تقتل وتكذب، رأينا ذلك منذ قتل الناس تحت التعذيب في عهد عبد الناصر، وحتى عبد الفتاح السيسي سواء بالإهمال الطبي، أو بالقتل في الميادين، أو عن طريق القضاء المسيس بأحكام جائرة.

أما كل أحداث القتل السياسي والديني، فكما رأينا أصحابها من كل الديانات والتوجهات السياسية، كتبوا ذلك في مذكراتهم، أو اعترفوا بها علانية وباهوا بها، ولم ينكروا لأنه فعل ذلك عن اعتقاد بداخله ملأ عليه فكره ووجدانه، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا، لكن تظل هذه الحقيقة المهمة شاهدا على براءة هؤلاء الشباب الذي أعدم على يد قضاء السيسي.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة