مقالات

مصر بين الدولة الدينية والعسكرية

 

لم يحكم الجيش منفردا أو بصورة مباشرة بعد سيطرته على الحكم في يوليو/تموز 1952 لأن القيادة آلت إلى اللواء محمد نجيب الذي كان يؤمن بأهمية ابتعاد الجيش عن الحياة السياسية، وتفرغه لأعبائه الحقيقية، لذا انقلب عليه جمال عبد الناصر وسجنه، بعد أن قضى عامين في الحكم، وتم إسقاطهم عمدا من الذاكرة والتاريخ! حيث يدرس تاريخ ما بعد 23 من يوليو/تموز 1952 بداية بعبد الناصر، وبالنظر إلى فترة حكم عبد الناصر التي بدأت من عام 1954 حتى وفاته في عام 1970 نجد أنه لم يكمل حياته العسكرية حيث كان برتبة بكباشي أي “مقدم ” وتقلد وظائف مدنية خلال فترة حكم الرئيس محمد نجيب، منها وزارة الداخلية مثلا، ثم أصبحت الدولة تحكم برأسين من خلال مؤسسة الرئاسة بقيادة جمال عبد الناصر، والمؤسسة العسكرية بقيادة عبد الحكيم عامر الذي رفعه عبد الناصر من رتبة صاغ “رائد” إلى لواء ثم مشير! وظهر لأول مرة ما يعرف بمنصب القائد العام الذي اخترعه عبد الحكيم عامر لنفسه، وتحته منصب وزير الدفاع الذي شغله شمس بدارن!

ازدواجية القيادة

واستمر الوضع هكذا حتى تخلص جمال عبدالناصر من صديق عمره، ليقضي على ازدواجية القيادة، لكن لم يهنأ بها طويلا حيث وافته المنية وهو في الثانية والخمسين، وتولى بعده أنور السادات أقل زملائه عسكرية، حيث أخرج من الجيش مبكرا لاتهامه بالاتصال بالألمان ضد الانجليز الذين يحتلون مصر آنذاك، وتم اعتقاله ثم هرب وتخفى، وعمل في مهن مختلفة، وانضم لتنظيمات سرية حتى اتهم باغتيال أمين عثمان وزير المالية في حكومة الوفد، واسقطت عنه الأحكام بعد ذلك، ولما حاول السادات أن يعيش دور القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويرتكز على خلفيته العسكرية الهزيلة، ويشارك في إدارة حرب العاشر من رمضان ميدانيا، ظهرت سوأته، وقلة خبرته، وطمس ما تحقق من انتصار العبور، ثم أكمل على ما تبقى منه بخيانة “كامب ديفيد” التي سن بها للحكام العرب سنة التطبيع والتسليم لإسرائيل..

وخلال فترة حكم السادات استقدم حسني مبارك من القوات الجوية، وعينه نائبا له لست سنوات كانت أشبه بأعمال السكرتارية، أو المبعوث الخاص، لكن وفرت له الاختلاط بالحياة المدنية، مع الأخذ في الاعتبار أن العسكريين لا يعتبرون الطيارين منهم، ولا القوات الجوية محسوبة عليهم، وإنما هي من قطاعات الدعم، وجهات المساندة!

لم تكن يده مطلقة

وبعد ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني تولى المجلس العسكري إدارة شؤون البلاد، لكن لم تكن يده مطلقة، نظرا لقوة الثورة على الأرض، وقدرة الشعب على الحشد، ورأينا أكثر من مرة كيف تراجع المجلس العسكري أمام غضبة الثوار، أو تحاشيا لعودة الناس إلى الميدان، أما بعد انقلاب 30 من يونيو/حزيران 2013 حكم المجلس العسكري لمدة عام من خلف ستار اسمه “عدلي منصور” رئيس المحكمة الدستورية، ثم بدأت مرحلة أول حكم عسكري صريح ومباشر ومنفرد، بعد وصول السيسي لسدة الحكم، حيث كانت المدة الفاصلة بين خروجه من الوحدة العسكرية، والانتخابات الرئاسية حوالي ستين يوما !

وكان السيسي أول من خرج من “القشلاق” الى القصر، بعد أن أمضى حياة عسكرية كاملة، بدأت مبكرا حيث التحق بالثانوية العسكرية بعد المرحلة الإعدادية، حتى حصل على رتبة فريق أول في فترة حكم الرئيس محمد مرسي!

كانت العلاقة بين الجيش والرؤساء السابقين على طريقة “دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر ” لكن تجربة مبارك في التوريث، وبعدها ثورة يناير، جعلت الجيش يقرر أن يحكم منفردا، وفي العلن وبدون وساطة، واعتبروا كل من يخالف هذا الاتجاه، من الخوارج البغاة، أو من الخونة عديمي الوطنية، حتى لوكان قائدا للجيش في السابق كالفريق سامى عنان، أو شابا طموحا كالعقيد أحمد قنصوة، أو من الحاصلين على نوط الشجاعة من سلاح الصاعقة في حرب العبور كالسفير معصوم مرزوق، أو من جمع بين العلم والضبط والربط مثل المهندس يحيى حسين عبدالهادي الذي تخرج في الفنية العسكرية، وقضى زهرة شبابه في القوات المسلحة، وكل هؤلاء الآن في زنازين متجاورة !

لم يقنع السيسي بعسكرة الدولة في أنماطها المختلفة، وإنما يطمح لإحلال العقيدة العسكرية، مكان العقيدة الإسلامية حيث أعلن أنه هو المسؤول عن دين المصريين!!

وفي كلامه الأخير أمام الرئيس الفرنسي ماكرون مبررا انتهاكات حقوق الإنسان، بأنه فعل ذلك لمنع قيام دولة دينية!

فهل كان ترشح الفريق سامي عنان للرئاسة لإقامة الدولة الدينية، أم أن مساعده هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، المسجون بجواره كان يحلم بذلك؟

السيسي يحكم مصر على طريقة المعسكر، وبقوانين الوحدات والثكنات، ويتعامل مع الشعب كما يعامل المجندين في مراكز التدريب! ويرى عدم الوقوف في صفه، والانصياع لأمره تمردا مرفوضا يقابل بأقسى أنواع العقوبات.

جريمة لا تغتفر

ولو اعتبرنا مجرد تفكير ‎سامي عنان في الترشح للرئاسة جريمة لا تغتفر، فما الذي اقترفه ‎معصوم مرزوق غير كتابة بيان صحفي، حول مبادرة سياسية، حتى يزج به في السجن بعدما خدم في الدبلوماسية المصرية، حتى أصبح مساعدا لوزير الخارجية، ثم يمنع عنه العلاج في محبسه!

ماذا جنى الأكاديمي الكبير د. يحيى القزاز؟ بل أين البرلماني الشاب د. مصطفى النجار الذي أخفي من عدة شهور؟ هل كل هؤلاء من دعاة الدولة الدينية يا سيادة الفريق؟

أم أن من يرفض الانضمام إلى فريقك لا مكان له بين الأحياء؟

لقد اتسعت السجون في عهدك للإسلامي، والعسكري والليبرالي، وكل من يؤمن بالحرية والكرامة، ويكفر بحكم السيسي، وبالفعل كل من يؤمن بالحرية هو خطر على بقائك، لذا جعلتهم في سلة واحدة، ورميتهم عن قوس واحدة،

فهل يعي خصوم الدولة العسكرية الدرس، ويقومون في وجهها قومة واحدة، بدلا من الاختلاف على تقسيم الغنائم، قبل خوض المعركة، أو إدراك الظفر؟

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة