مقالات

خفض أسعار الفائدة في مصر هل يحفز الاستثمار؟

                                        

قام البنك المركزي المصري في الرابع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني بخفض أسعار الفائدة بالبنوك بنسبة 1 %، وذلك للمرة الرابعة خلال العام الحالي، لتشيد وسائل الإعلام بذلك الخفض باعتباره محفزا للاستثمار الداخلي، مسترشدة بآراء عدد من المستثمرين.

لكن تلك الوسائل الاعلامية أشادت قبلها بأيام قليلة، بأن سعر الفائدة في مصر يحتل المركز الثاني عالميا من حيث الارتفاع، وأن وكالة بلومبرغ قد أشادت بتلك النسبة المرتفعة لسعر الفائدة، الأمر الذي يصيب غير المتخصص بالحيرة، عما هو الأفضل: انخفاض الفائدة أم ارتفاعها؟

وفي النواحي الإقتصادية عادة ما تختلف استفادة أو تضرر قطاعات المجتمع من القرارات الاقتصادية نفسها، فقيام الحكومة برفع الأسعار يصيب المستهلكين بالضرر البالغ، بينما يرحب التجار بهذا الإجراء حيث سيقومون ببيع ما لديهم من مخزون سلعي بالأسعار الجديدة المرتفعة، وبالتالى يحققون مكاسب من ذلك الإجراء.

كما حدث فى قطاع السيارات على سبيل المثال، حيث قام الوكلاء والموزعون ببيع ما لديهم من مخزون بالأسعار المرتفعة، لكن الأسعار المرتفعة تسببت بعد ذلك في تراجع مبيعات السيارات، بسبب ارتفاع السعر عن قدرات كثير من الراغبين في الشراء، ما أدى لتضرر التجار من تراجع النشاط، الأمر الذي يعنى أن المكاسب السريعة التي تحققت من بيع ما لديهم من مخزون من السيارات قد قابله تراجع في المبيعات بعد ذلك، مازال مستمرا حتى الآن.

تضرر ملايين المودعين من الخفض

هكذا، وفي مجال سعر الفائدة يسعد صغار المدخرين بارتفاعها حيث يحصلون على عوائد أكبر، لكن تلك الفوائد المرتفعة تتسبب في زيادة تكلفة إنتاج السلع والخدمات، ما يجعلهم في الوقت نفسه يدفعون ثمنا أعلى لتلك السلع والخدمات التي يستهلكونها.

وعلى الجانب الآخر يتسبب رفع سعر الفائدة في تضرر المستثمرين، حيث تزيد تكلفة التمويل من خلال الاقتراض المصرفي، ما يرفع تكلفة الإنتاج، الأمر الذي يقلل عوامل التنافسية مع أسعار السلع بالأسواق خاصة السلع المستوردة، التي شكل معدل الفائدة المنخفضة فى بلدانها نسبة ضئيلة من مجمل تكلفتها.

وهكذا تتعارض المصالح حسب شرائح المجتمع جراء قرار اقتصادي مثل سعر الفائدة، وهو ما يُصعب مهمة البنوك المركزية في تحديد سعر الفائدة التوازني، الذي يكون مناسبا للمدخرين ومناسبا في الوقت نفسه للمستثمرين.

وبالعودة إلى قرارات البنك المركزي المصري الأربعة بخفض سعر الفائدة خلال العام الحالي بمعدل إجمالي 4.5 %، والذي سبقه قراران بخفض سعر الفائدة العام الماضى بنحو 2 %، أي أننا أمام نسبة خفض بلغت 6.5 % خلال العامين، وهو أمر يضر بلا شك بما يحصل عليه أصحاب الودائع خاصة الصغار منهم من عوائد.

ورغم أنه لا توجد بيانات رسمية عن عدد المودعين في البنوك المصرية ولا أية بيانات تفصيلية عنهم، مثل توزيعهم الجغرافى أو التوزيع حسب المهن أو حسب شرائح الدخل أو النوع أو غير ذلك، فإن بعض تصريحات رؤساء بنوك مصرية قد أشارت الى بلوغ عدد المودعين حوالي 12 مليون شخص، وفي بعض الأحيان يرفعون الرقم إلى 14 مليون مودع.

  امتداد الخفض للبريد وشهادات الاستثمار

وهو عدد بافتراض صحته سيزيد خلال المرحلة المقبلة، مع التوسع في الشمول المالى وفتح حسابات مصرفية للكثيرين وإصدار كروت ائتمان للموظفين، وعدم قبول المدفوعات النقدية في التعامل مع الجهات الحكومية للمبالغ التى تزيد عن خمسمئة جنيه.

ويذكر مسؤولو صندوق توفير البريد وهو وعاء ادخاري خارج البنوك، يستفيد من وجود حوالي أربعة آلاف مكتب بريد في أنحاء القرى والمدن، أن عدد المودعين في صندوق توفير البريد يصل إلى 24 مليون مودع، إلا أن غالبية تلك الحسابات راكدة.

 خاصة مع انخفاض الفائدة التى يحصلون عليها من الصندوق بالمقارنة بأوعية البنوك الادخارية، والتى ترتفع مع شهادات الادخار كأحد الأوعية الادخارية، حتى بلغ نصيب ودائع البريد نسبة 6.5 % من إجمالى أرصدة الأوعية الادخارية المصرية في العام المالي 2017/2018.

ويعني خفض صندوق توفير البربد سعر الفائدة على الودائع، أسوة بما فعلته البنوك، تضرر المودعين سواء بالبنوك أو البريد وكذلك المشترون لشهادات الاستثمار التي يصدرها بنك الاستثمار القومي التابع لوزارة التخطيط، والذي خفض سعر الفائدة على شهاداته، خاصة الشهادة  “ب” ذات العائد الدوري.

  الفائدة مازالت مرتفعة أمام المستثمرين

وننتقل إلى الجانب الآخر من الصورة والخاص بالمستثمرين فهل استفادوا بالفعل من خفض الفوائد بنسبة 6.5 % خلال العامين الحالى والماضي؟ يجيب هؤلاء بأن خفض الفائدة قد خفض الأعباء عنهم، لكن نسب الخفض مازالت غير كافية، فمع تولى محافظ البنك المركزي طارق عامر منصبه في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 قام برفع الفائدة عدة مرات حتى العام 2017 بنحو 10 %، منها نسبة 7 % عقب قرار تعويم الجنيه في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 وحتى يوليو/تموز  2017.

وبالتالي فإن نسب الفائدة بعد خفضها ست مرات خلال العامين، مازالت أعلى مما كانت عليه قبل تولي محافظ المركزي بنسبة 3.5 % وكذلك مازالت أعلى مما كانت عليه قبل تعويم الجنيه بنسبة 0.5 %.

ويرى كثير من المستثمرين أنه حتى لو عاد سعر الفائدة إلى ما كان عليه قبل تولي المحافظ، فإن هناك عوامل أخرى تدفع كثيرا منهم للإحجام عن الاقتراض المصرفي للتوسع الاستثماري، أبرزها الركود الموجود في الأسواق والذي يقلل من المبيعات ويزيد من المخزون الراكد، إلى جانب المنافسة غير العادلة التى يجدونها مع توسع الجيش في الأنشطة الاقتصادية، والتي لحقت بها وزارة الداخلية أيضا سواء فى بيع السلع الغذائية او بإنشاء شركات مقاولات وغيرها من الأنشطة.

وكانت وزارة المالية قد ذكرت أنها ستكون من الرابحين من خفض الفائدة، الذي سينعكس على تراجع فائدة أذون وسندات الخزانة، ما يقلل أعباء فائدة الديون، التي أصبحت تشكل الجانب الأكبر من مصروفات الموازنة المصرية.

 إلا أن هذا الخفض المتوقع في قيمة الفوائد، يقابله استمرار الحكومة في زيادة حجم الاقتراض الداخلي والخارجي، ما يعني المزيد من الفوائد لتلك الديون الجديدة، بما يؤدي لتآكل ميزة خفض الفائدة على أرصدة فوائد الدين بالموازنة.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة