مقالات

السيسي ومعركة مع أنثى!

هند بنت أمية بن المغيرة المخزومي المعروفة بأم سلمة تزوَّجت ابن عمِّها أبا سلمة وهو عبد الله بن عبد الأسد بن هلال المخزومي الذي سبقها بالهجرة إلى المدينة النبوية بعدما فرّق المشركون بين الرجل وزوجه وولده، ثم رقت قلوبهم القاسية بعد زهاء عام كامل فسمحوا لها باللحاق به، تقول: فخرجت أتبلَّغ بمن لقيتُ حتى أقْدم على زوجي. حتى إذا كنتُ بالتنعيم لقيتُ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أمية؟ فقلتُ: أريد زوجي بالمدينة. قال: أَوَمَا معكِ أحد؟ فقلتُ: لا والله إلاَّ الله وبُنَيَّ هذا.

قال: والله ما لك مِن مترك. فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب قطُّ، أرى أنه كان أكرم منه. حيث أبت عليه نخوته إلا أن يبلغها مأمنها وهي على غير دينه!

وفي أعقاب غزوة بدر خرجت السيدة زينب كبرى بنات النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرة إلى الله ورسوله، وكانت مرارة الهزيمة مازالت في حلوق رجالات قريش، فتعرضوا لها ليصدوها عن وجهتها، فبكتتهم هند بنت عتبة زوج أبي سفيان بن حرب وقالت: معركة مع أنثى؟! وحالت بينهم وبينها، ثم قالت للسيدة زينب يا ابنة عم ألك حاجة؟ فإن ما بين الرجال لا شأن للنساء به!

هذه لمحة من أخلاق أهل الجاهلية في التعامل مع المرأة التي خرجت عن دينهم، وخالفت عقيدتهم،

ولا مروءات الجاهلية

لكن عصابة العساكر التي لا تعرف أخلاق الإسلام، ولا مروءات الجاهلية، بدأت قصتهم مع عبد الناصر الذي سن لهم كل رزية، فحكم بالسجن على الداعية زينب الغزالي التي سطرت ما لاقته من أهوال في كتابها “أيام من حياتي” وكذلك فعل مع الأديبة حميدة قطب شقيقة الأستاذ سيد قطب رحمهم الله، لكن بقيت هذه الممارسات الدنية، في إطار حالات فردية، تنال فقط من الرموز الكبيرة والمؤثرة.

حتى في أحلك حلقات الصراع الدامي بين حسني مبارك والجماعة الإسلامية لم يخرج الأمر عن نطاق حالات بعينها أدانها القضاء.

أما في عهد السيسي فتشعر بأنك إزاء “معركة مع الأنثى” أظهر فيه بوضوح دناءة الطبع، وشهوة الانتقام، وأنه لن يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة، رجلا كان أو امرأة، شيخا كان أو رضيعا، صحيحا كان أو سقيما،

بل أراد أن يكسر حاجز التعفف عن التعرض للمرأة بمنتهى الغلظة والخسة، فحكم بالإعدام على السيدة سامية شنن وهي في الستين من عمرها، وتعد أقدم معتقلة في سجون العسكر، حيث اعتقلت في 19-9-2013 بتهمة الاعتداء على ضباط قسم شرطة كرداسة، وضموا أولادها إلى القضية، ثم خُفف الحكم من الإعدام إلى المؤبد!

وأحيانا تكمن التهمة في مجرد النسبة، وكون المعتقلة بنت أبيها، حيث عجز النظام خلال عامين كاملين عن تلفيق تهمة سائغة للسيدة “علا” كريمة الإمام القرضاوي التي تعاني  في حبس انفرادي وممنوعة من التداوي، انتقاما من آل القرضاوي!!

ولنفس السبب اعتقلوا عائشة الشاطر ابنة المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام للإخوان المسلمين، التي تدهورت صحتها بشدة نتيجة إصابتها بفشل في النخاع العظمي، وأصبحت تُنقل إلى جلسات النيابة محمولة في سيارة الإسعاف!

وليست وحدها على هذه الحالة بل هناك أخريات غيرها، اتضح ذلك وافتضح بعد وفاة المعتقلة السيناوية مريم سالم قبل أيام في سجن القناطر، بعد إهمال طبي متعمد، وحرمانها من طفلها الرضيع! وبقيت جثة مريم لم يتقدم أحد لاستلامها لأن عشرة من أسرتها بين رجال ونساء كلهم في السجن، وجريمتهم أنهم من سيناء.

هذه نماذج

أما أسوأ جرائم حقبة السيسي فهو الإخفاء القسري للمعتقل، فلا يدري أهله أهو في الأحياء فَيُبكى، أم في الأموات فَيُنعى! وشملت هذه الجريمة النساء والأطفال أيضا، كما حدث مع زوجة عمر رفاعي سرور ‏وأبنائه الثلاثة فاطمة أربع سنوات، وعائشة سنتين ونصف، وعبد الرحمن ستة أشهر، الذين تسلمتهم السلطات المصرية من ليبيا في 2018 بعد وفاة والدهم هناك، ولم تفصح عن مكانهم حتى الآن!!

هذا كله مجرد نماذج للحالات المختلفة التي وصلت إلى عشرات المعتقلات من النساء والفتيات، حتى وصل الأمر إلى اعتقال المحامية الحقوقية هدى عبدالمنعم عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، التي كانت تمارس عملها في الدفاع عن المظلومات من بنات جنسها، ولم يشفع لها كبر سنها، ولا الأمراض المزمنة، أو المكانة العلمية حيث مثلت مصر في عشرات المؤتمرات الحقوقية والنسائية، ولم نسمع لجمعيات حقوق المرأة، ولا منظمات حقوق الإنسان ركزا ولا همسا، وكأن حقوق المرأة المنشودة في بلاد المسلمين تتلخص في حق قيادة السيارة، والسفر بمفردها بدون محرم !

أما أن تحبس بمفردها ويعتدى عليها، وتحرم من كافة حقوقها ففي الأمر سعة.

لكن اللافت أن الأمر ليس مصريا عسكريا خالصا بل بدا عنوانا لمرحلة كسر الحواجز الاجتماعية والأعراف المرعية، وتخطي كل الخطوط بشتى ألوانها، بدليل التزامن والتوافق في ارتكاب نفس الجريمة تجاه المرأة في أضلاع المثلث مع ما يمثله هذا في الإمارات والسعودية، من عدوان على العادات القبلية والأعراف العربية، في التعرض للمستورات من بنات الحمايل، ونساء القبايل.

إنها الجاهلية العلمانية التي لا تَعرِف معروفا، ولا تُنكر منكرا، وهي النبت الخبيث الذي يراد له أن يغرس في غير أرضه، لكن الأرض الطيبة ستلفظه ومن بَذره من الزُراع، ليغيظ بهم الكفار

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة