لماذا يعادي السيسي الصحافة والإعلام؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

أما تجربة عبد الحليم قنديل فكانت التجربة الأسوأ، فقد تخيل قنديل أن بوسعه أن يصنع رئيسا على مقاسه ولم يكن يدري أن الديكتاتور يستخدمه فقط كما استخدم كل التيارات المدنية.

إذا كنت ممن يعملون في الصحافة والإعلام في مصر فأنت في مرمى نيران نظام السيسي بشكل دائم، وتوقع أن تتعرض للاعتقال أو الحبس سواء كنت داخل مقر موقع إخباري تعمل فيه، أو تجلس برفقة زملاء على مقهى في أحد الأحياء، أو في منزلك يزورك ضباط أمن الدولة فجرا للقبض عليك.

نظرة السيسي للإعلام

منذ بداية حكمه يرى السيسي أنه غير محظوظ بإعلامه، ويحسد عبد الناصر على إعلام الستينيات، وربما كانت فكرة الإعلام العسكري (إعلام الشؤون المعنوية) مسيطرة عليه. 

إن كراهية السيسي للصحفيين والإعلاميين تأتي، من وجهة نظره، من التعليم، الذي يرى أنه لا مجال له في وطن ضائع والديكتاتور داخل السيسي يعادي العلم، فهو يريد تعليما على مزاجه الشخصي، لا يريد تعليما ينمي العقل والقدرات والنقاش والرأي.

إن هذه النظرة للتعليم تنسحب على الثقافة بصفة عامة والصحافة على وجه الخصوص، فالثقافة التي تجعل الإنسان قادرا على الوقوف بجانب الحق والدفاع عنه لا تتناسب مع نظرية الديكتاتور، الذي يفهم كل الأشياء ولا يقبل بدراسات الجدوى طريقا للتخطيط والتطوير.

السيطرة على الإعلام

منذ أن أطلق السيسي نظرية إعلام الستينيات وهو يحاول السيطرة على الإعلام في مصر بكل الأشكال، فكانت الخطوة الأولي في إهمال إعلام الدولة (الإذاعة والتليفزيون، المؤسسات الصحفية القومية) فهو يرى أن الإعلاميين في هذه المؤسسات لهم حماية قانونية لا يستطيع أن يقترب منها مؤقتا، فكان الإهمال طريقا لضمورها، ثم كانت الطامة الكبرى بإسناد مهام الإدارة في هذه المؤسسات لمعدومي الكفاءة المهنية، وهم من يجيدون تنفيذ إعلام الشؤون المعنوية ولا يتمتعون بأية قدرة على الابتكار والإبداع والتطوير.

ثم جاءت مرحلة إنشاء إعلام خاص به، وذلك عن طريق سيطرة الأجهزة السيادية على الإعلام الخاص في مصر، وهي المرحلة التي تألق فيها اسم انتشر هذا الأسبوع بعد القبض عليه، هو الضابط السابق في المخابرات المصرية ياسر سليم (يقال إن القبض عليه جزء من صراع أجهزة داخل الدولة) وقد لعب هذا الضابط دورا كبيرا منذ سنوات في السيطرة على الإعلام المصري بشراء قنوات ومؤسسات إعلامية كاملة مثل: مجموعة قنوات الحياة، سي بي سي، مواقع إخبارية، انشاء مجموعة قنوات جديده دي إم سي وشركة إعلامية ضخمة هي إعلام المصريين.

هكذا حاول السيسي ونظامه السيطرة وإغلاق كل قنوات التعبير سواء صحفية أو تليفزيونية في محاولة لخنق كل منافذ حرية الرأي والتعبير وكان تصاعد دور وسائل التواصل الاجتماعي خطرا جديدا على نظام السيسي.

 الصحفيون الذين لم يجدوا سبيلا للتعبير عن آرائهم في الصحافة المقروءة أو المكتوبة داخل مصر بدأوا يستخدمون وسائل التواصل للتعبير عن آرائهم. هكذا لعبت الوسائل الجديدة دورا أصبح يمثل عبئا جديدا على النظام ويظهر فشل المؤسسات التي حاولوا السيطرة عليها.

منافذ قليلة لكنها تقلق النظام وتظهر فشله

مواقع إخبارية ظهرت على مدي سنوات حكم عبد الفتاح السيسي داخل مصر، ولكنها سببت قلقا كبيرا له وجعلت الوسيلة الوحيدة لقمعها والتخلص من القلق الذي تسببه هو إغلاقها والقبض على صحفييها. وشهدت السنوات الأخيرة إغلاق عدد من المواقع، كان أبرزها موقع مصر العربية مع القبض على رئيس التحرير عادل صبري وإيداعه السجن، لنصل إلى مرحلة جديدة في نظرية القبض على الصحفيين التي بدأت منذ أيام السيسي الأولي ومرت بعدة مراحل.

أنت إخواني فأنت مقبوض عليك

تسيدت نظرية القبض على صحفيين لمجرد انتمائهم لجماعة الإخوان المسلمين أو التيار الإسلامي في الشهور الأولى ما بعد ٣٠ يونيو، فكانت حملة القبض على كل من ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، أمثال: محسن راضي وإبراهيم الدراوي، والقبض على الإسلاميين مثل مجدي أحمد حسين وكذلك القبض على مراسل الجزيرة محمود حسين. وتلك المرحلة شهدت انفتاحا مؤقتا مع صحفيي التيارات المدنية والذين تخيلوا أن تخاذلهم في الدفاع عن صحفيي التيارات الإسلامية حماية لهم، ولكنهم لم يتذكروا المثل القائل أكلت يوم أكل الثور الأبيض، وبعد قليل بدأت مرحلة جديدة.

مرحلة عامل التحويلة فيلم وجيه أبو ذكري

تذكرنا علاقة النظام ببعض الصحفيين بفيلم أنتج في أوائل التسعينيات عن قصة للكاتب وجبة أبو ذكري، هو فيلم عامل التحويلة، الذي يرصد علاقة جيده بين ضابط شرطة مهمته ترحيل المعتقلين السياسيين إلى سجن الواحات، وعامل تحويلة بالسكة الحديد وهو مواطن يتمتع بقدرة إبداعيه في الشعر الذي يتسلى به الضابط أثناء انتظاره قطار الترحيلات.

تطورت العلاقة إلى درجة الصداقة، لما يتمتع به المواطن من خفة ظل وكرم ضيافة، مع الضابط الذي يمثل السلطة ويمثل له المواطن وسيلة الترفيه في محطة من محطات رحلته إلى سجن الواحات.

وفي لحظة درامية يكتشف الضابط هروب واحد من المعتقلين وهو على وشك ركوب القطار للذهاب إلى السجن. ويقرر الضابط أن يكمل عدد المعتقلين بصديقه عامل التحويلة، الذي كان يكرم استقباله ويقرض الشعر متغنيا بأخلاق الضابط!

إن هذا المثال حدث في سنوات حكم السيسي مع كثير من الصحفيين والإعلاميين. كثيرون تصوروا أنهم اصدقاء الديكتاتور وأنهم لسانه الجديد، بل تصور البعض أنهم كتبة فرعون أو مذيعو السلطة وأن علاقتهم به تمنع البطش بهم. وفي تلك المرحلة نتذكر أسماء كثيرة ممن دعموا ٣٠ يونيو ثم اكتشفوا الكارثة مع بداية سنوات حكم السيسي فغابوا عن المشهد اختياريا أو قسريا، أمثال باسم يوسف ويسري فودة ودينا عبد الرحمن وريم ماجد. هؤلاء الذين اكتشفوا فجور الديكتاتور وتنازلاته وتفريطه فقرروا الغياب، و ليليان داود التي أجبرت على الرحيل عن مصر.

أما تجربة عبد الحليم قنديل فكانت التجربة الأسوأ. فقد تخيل قنديل أن بوسعه أن يصنع رئيسا على مقاسه ولم يكن يدري أن الديكتاتور يستخدمه فقط كما استخدم كل التيارات المدنية فكانت النهاية لقنديل السجن شهورا في قضية عرفت باسم إهانة القضاء. ثم كان خروجه في إفراج صحي وحيدا من دون باقي المتهمين في القضية، وقبوله ذلك، نهاية مذلة في علاقة ضابط السلطة بعامل التحويلة.

مرحلة ولا نفس لأي شخص

وصلنا في السنة الأولي من الولاية الثانية للسيسي إلى مرحلة سجن الصحفيين من القوى التي أيدته. لقد وصلت الخطة التي رسمت من قبل النظام، بالتفريط والتنازل وإغراق مصر في الديوان والقضاء على الطبقة الوسطي وبيع أصول مصر لصالح الصندوق السيادي وإخلاء سيناء، إلى مرحلة لم يعد فيها لدى النظام قدرة على الاستماع إلا لأصوات النفاق والكذب والتهليل لكل ما يفعله النظام. لذا كانت حملة القبض على الصحفيين الأخيرة، ومعظم هؤلاء الذين تم القبض عليهم من الشباب الذين قد ينتمون إلى يناير ويقدمون صحافة مختلفة عن تلك التي يقدمها إعلام مصر الرسمي التابع للشؤون المعنوية. وخلال هذا الأسبوع ألقي القبض على أربعة صحفيين وتم حبسهم ١٥ يوما على ذمة التحقيق، وهم: حسام الصياد وسولافة مجدي ومحمد صلاح من على مقهى بالدقي، وفي اليوم التالي قبض على أحمد شاكر من منزله فجرا، ليلحق هؤلاء بصحفيي قضية الأمل: هشام فؤاد وحسام مؤنس اللذين تم التجديد لهما هذا الأسبوع ٤٥ يوما، وبعدهما كان خالد داود رئيس حزب الدستور السابق، ليلحق الجميع بمن سبقهم من الصحفيين: حسن القباني، أسماء محفوظ، معتز ودنان، ولايزال القوس مفتوحا.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة