أيام في حضرة مولانا جلال الدين الرومي!

ولكل حركة من حركات المولوية معنى وهدف، إذ يخلع الدراويش عنهم العباءة السوداء التي تحيط بأجسادهم وكأنهم يتخلصون من الدنيا بكل إغراءاتها وذنوبها

في شهر ديسمبر/ كانون أول من كل عام تزدان مدينة قونية التركية بعبق روائح الصوفية، وينساب بين نسمات هوائها وفي أرجائها صوت نغمات الناي الحزين التي تهمس في أذان العابرين، صاعدة تلثم قباب المآذن، منحنية تلامس أحجار الطرقات. هنا يختلف كل شيء: الشوارع، الحدائق، النوافير، الناس، فكل ما ينبض بالحياة في تلك المدينة الصغيرة يتنفس عشقا إلهيا لا ينتهي، وفكرا فلسفيا متجددا، فأينما تولي وجهك ستكون حتما في حضرة مولانا.

الرومي رمز التسامح والاحتواء والمحبة

ومولانا هو محمد بن محمد بن حسين البلخي الشهير بجلال الدين الرومي الذي أصبح رمزا للتسامح الديني، والاحتواء الإنساني، والمحبة المطلقة غير المشروطة.

ترجمت أشعاره ومؤلفاته الفكرية والفلسفية إلى الكثير من لغات العالم، ولد في السادس من ربيع الأول عام 604 هـ/ 30 من سبتمبر- أيلول 1207م في مدينة بلخ الإيرانية، التي أصبحت اليوم داخل نطاق الدولة الأفغانية، كان والده أحد علماء المذهب الحنفي، وكان يتمتع بمكانة علمية رفيعة، واشتهر بجرأته في قول الحق في وجه السلاطين والأمراء حتى لُقب بسلطان العلماء.

تلقى الرومي علومه الشرعية من والده في البداية، ثم تتلمذ على يد برهان الدين المحقق الترمذي تلميذ والده، وعند استيلاء المغول على بلخ سنة 609هـ اضطرت عائلته إلى الرحيل عنها، حيث تنقلوا عبر المدن المختلفة وصولا إلى بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية، ومنها اتجهوا إلى مكة المكرمة، وبعد فترة غادرت أسرة الرومي مكة إلى مدينة ملطية في آسيا الصغرى التي كانت تسمى بلاد الروم، وبعد عدة تنقلات في العديد من مدنها طاب لهم المقام في قونية التي كانت عاصمة الدولة السلجوقية، التي أسسها سلاجقة الروم آنذاك، ومن هنا جاءت تسمية جلال الدين بالرومي.

سلطان العارفين والقيمة العلمية والفلسفية لمولانا

بعد وفاة والده سنة 628هـ أخذ الرومي على عاتقه مسؤولية الوعظ والفتوى، إلا أن رغبته في الاستزادة من العلم دفعته للسفر إلى بلاد الشام عام 630هـ حيث توزعت إقامته بين مدينتي حلب ودمشق، ناهلا من العلوم الشرعية والمعارف الفقهية ومبادئ علم التصوف وفلسفته على أيدي كبار العلماء والمشايخ، مثل الشيخ كمال الدين العديم، والشيخ سعد الدين الحموي، والشيخ عثمان الرومي، كما التقى الفيلسوف الشيخ محيي الدين ابن عربي وتلميذه الشيخ صدر الدين القونُي، ليعود بعد ذلك إلى قونية بعد أن شهد له مشايخه بالعلم وسعة الاطلاع والثقافة، وذلك بحكم معرفته للغات العربية والفارسية والتركية.

باشر مولانا مهنة التدريس مجددا، ونظرا لسهولة شرحه وتبسيطه للعلوم الدينية والمعارف الانسانية، أقبل عليه طلاب العلم وتحلق الناس حوله، يأخذون عنه فتواهم ويتلقون على يديه العلوم الشرعية، يشدهم إليه بساطته وزهده، حتى لقبوه بالعديد من الألقاب مثل ” إمام الدين” و” عماد الشريعة” إلا أن أشهر هذه الألقاب والذي لايزال يستخدم حتى اليوم هو “سلطان العارفين” وهو اللقب الذي اختصر القيمة العلمية والصوفية لجلال الدين الرومي

ليأتي عام 642هـ / 1244م وتتحول حياة مولانا جلال الدين الرومي، وتنقلب رأسا على عقب، وذلك بعد لقائه الشيخ شمس الدين التبريزي، ذلك اللقاء الذي يعد لحظة ميلاد جديدة لجلال الدين الرومي، ونقطة تحول حقيقية في مساره الفكري والثقافي، وفي نظرته للحياة والخلق والروح، لتنقطع علاقته بتلاميذه، ويقل تواجده في مجالس العلماء من أهل العلوم الظاهرة، ويتجه بكل كيانه إلى دراسة العلوم الباطنية، وفلسفة التصوف.

ليدخل الرومي بفضل توجيهات معلمه شمس تبريزي تاريخ التصوف العالمي من أوسع أبوابه باعتباره أحد أهم علمائه العظام الذي خلف للإنسانية تراثا فلسفيا متصوفا ثريا، ينبع من فكرة الاتجاه إلى الله والفناء فيه، وهو الفكر الذي تولدت عنه طريقة تصوف تعرف باسم ” المولوية ” اشتهرت من بعده بطقوس الرقص الدائري، وبزي خاص، يتكون من عباءة سوداء تشير إلى الدنيا الفانية، وتحتها جلباب يتميز بلونه الأبيض شديد البياض، وهو رمز للكفن الذي يحوي جسد الانسان ويلفه تماما قبيل لقاء الخالق سبحانه وتعالى، وبعمامة طويلة مصنوعة من الصوف ترابي اللون، في إشارة إلى القبر وشاهده حيث الفناء والانتهاء.

المعني الصوفي والفلسفي لرقصة المولوية

ولكل حركة من حركات المولوية معنى وهدف، إذ يخلع الدراويش عنهم العباءة السوداء التي تحيط أجسادهم وكأنهم يتخلصون من الدنيا بكل إغراءاتها وذنوبها، ثم يبدأون في الدوران ببطء عكس عقارب الساعة للدلالة علي تعاقب الليل والنهار، رافعين السبابة اليمني للتوحيد وهم يرددون اسم الله، ثم يضعون كلتا اليدين فوق الرأس، بما يعني فصل العقل عن القلب والبدء في العلو والسمو والارتقاء،  ثم تُفتح الذراعان بشكل اُفقي لتلقي نور الله وطاقة الكون، ثم ترفع اليد اليمني باتجاه السماء وتوجه كف اليد إليها مع خفض اليد اليسرى وتوجيه كفها إلى الأرض أي تلقي قوة الخير من السماء ونشرها على الأرض، ثم يقومون بمد اليدين معا بطريقة تشبه الدعاء، وهو دعاء فعلي يقوم به المولوية عند الرقص، ويتم خلال حركة الدوران الآخذة في السرعة فتح الثوب العلوي بكلتا اليدين مما يعني لديهم التحرر والتجرد من الذنوب وأطماع الدنيا، ثم يتم الإمساك بالجهة اليمنى من الثوب وإلصاقه بالوجه للتعبير عن طلب التوبة، ثم وضع كلتا اليدين فوق الجبهة لملء النفس بجمال الكون، يلي ذلك وضع كلتا اليدين مضمومتين إلى الصدر في عهد لله سبحانه وتعالى بنشر الخير والمحبة على الأرض وترك المعاصي وهجر الذنوب، ثم تفتح اليدين ويكشف الكفين للتعبير عن العودة إلى الأرض وانتهاء الرحلة. 

وهي طريقة الرقص التي انتشرت بعد ذلك في مختلف أنحاء العالم، حيث يتم تقديمها في المناسبات ذات الطابع الديني، وفي الاحتفالات الشعبية والرسمية للكثير من الشعوب، التي أصبح الرومي يمثل لديها قيمة إنسانية وركيزة فلسفية تنطلق منها علاقة الإنسان بكل من الخالق سبحانه وتعالي، وبالكون المادي الذي يحيط به.

أسباب انتشار الأفكار الفلسفية لمولانا

أسس الرومي في حياته مذهبا فكريا خاصا به أطلق عليه المؤرخون اسم “مذهب المثنوي” نسبة إلى كتابه الأشهر الذي جمع فيه تجلياته الشعرية، ونظرا لعمق اطروحاته الفلسفية التي تتعامل مع الطبيعة الإنسانية الخالصة بعيدا عن التكوين العقائدي أو المذهب الفكري أو الجنس أو النوع أو اللون، حظيت اشعاره الصوفية بانتشار عظيم ولاقت استحسانا وانبهارا في الغرب والشرق، حيث ازدادت حركة الترجمة لمؤلفاته، التي أصبحت تمثل مصدر إلهام للكثير من المؤلفين والشعراء في العالم، خصوصا بعد ظهرت العديد من الكتب والدراسات والأبحاث واُقيمت الندوات والمؤتمرات التي تتحدث عن مولانا وعن تطوراته الفكرية والثقافية، إلى جانب الترجمات المتنوعة عن حياته وشعره وفكرة باللغات الألمانية والانجليزية والفرنسية إلى جانب العربية والفارسية والتركية والاوردية.

وفي يوم الخامس من جمادي الآخرة سنة 672هـ / 17 من ديسمبر / كانون الأول 1273م، توفى جلال الدين الرومي متأثرا بحمى أصابته، عن عمر يناهز السادسة والستين، وفي تلك الليلة من كل عام تنطلق الكثير من الفعاليات الصوفية والفلسفية في قونية إحياءً لذكرى وفاة مولانا، حيث تنتشر صور دراويش المولوية في كل مكان. وتعج الشوارع بحركة الزائرين الذين يحطون الرحال من مختلف أرجاء المعمورة للمشاركة في إحياء ذكرى من نجح بفكره ومرونته في إبراز الملامح الرئيسية للحضارة الإسلامية في بساطتها وسعتها وقدرتها الفريدة على تقبل الآخر؛ واستيعابها لمعنى الاختلافات بين البشر ودعوتها للحوار.

ميراث الرومي الفكري والفلسفي

غادر الرومي الحياة الدنيا لكنه ترك للإنسانية ميراثا غنيا يضم الكثير من المؤلفات الفلسفية والأشعار الصوفية التي لايزال العالم يتناقلها عنه حتى اليوم، ومنها ديوان ” المثنوي” ويضم حوالي 26 ألف بيت من الشعر الصوفي الفلسفي، حيث تظهر من خلاله الملامح الفكرية والفلسفية لشخصية الرومي، وديوان ” شمس الدين التبريزي” الذي يحوي ألف بيت سجل فيها ذكرياته مع معلمه وأستاذه، وديوان ” الرباعيات” وبه 1959 رباعية، إلى جانب كتاب “فيه ما فيه” وهو عبارة عن مجموعة من الدروس التي ألقاها الرومي في مجال علمية، وإجابات عن أسئلة وجهت إليه في مناسبات مختلفة، و” مجالس سبعة ” وبه مجموعة من المواعظ الدينية والفلسفية.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة