إسرائيل والعرب: الدولة والقانون والديمقراطية

 

قل في إسرائيل ماشئت، قل فيها ما لم يقله مالك في الخمر، وجه إليها اللعنات من دون توقف، وأكرهها كما تشاء، وحاول، لو استطعت، رميها في البحر، أو طرد العصابات التي تشكل شعبها القادم من الشتات إلى بلادهم الأصلية، أو أي مكان آخر خارج أرض فلسطين الطاهرة.

 دولة غير طبيعية لكنها دولة

لكن، وأنت تتحدث مثلي عن دولة الاحتلال المجرم، والكيان الصهيوني الغاصب، والدولة الدينية التوراتية العنصرية، تذكر أنها دولة تقف على أقدام وأركان وقواعد، وإلا ما بقيت صامدة منذ إعلانها رسمياً عام 1948 وسط محيط عربي رافض لها من كل الجهات والجبهات، ولم يستطع هذا المحيط أن يحرر شبراً واحداً احتلته من فلسطين، بل حصلت على أكثر مما منحها قرار التقسيم، ثم اغتصبت ما تبقي من فلسطين بالحروب التي كسرت فيها العرب، هذا غير الأراضي العربية التي احتلتها، ولما انسحبت من بعضها فرضت شروطها فأبقتها وكأنها لم تعد لسيادة أصحابها، والأراضي الأخرى استوطنتها، وصار خروجها منها أصعب من خروج الظفر من اللحم، كما هو حال هضبة الجولان السورية.

يمكنك أن تضحك بمرارة عندما لا تجد أحداً في إسرائيل يتحدث بإسراف وهلع عن كيان الدولة المهدد، أو عن الدولة التي تواجه مخاطر السقوط، أو شبه الدولة، أو الاستهداف عبر التآمر والعمالة والخيانة والطابور الخامس الإسرائيلي، والإسرائيليون لو قالوا ذلك كل ساعة، وخلال جميع الصلوات في الكُنس، وأمام حائط المبكى، لكان لحديثهم وجاهة، لأنها دولة تأسست على منطق القوة، ومبدأ الاغتصاب لحق الآخرين، ولم تقم بشكل طبيعي، ولا قبول شعبي عربي وإسلامي لها، حتى وإن كان لها علاقات دبلوماسية مع بلدان عربية وإسلامية، وعلاقات غير رسمية خفية مع عواصم أخرى متزايدة.

نعم، إسرائيل دولة غير طبيعية، محتلة لأرض غيرها، لا حق لها في هذه الأرض، ولا في الوجود عليها، لكن رغم هذا هي دولة حتى لو كانت ستُعمر يوماً واحداً بعد الآن.

محاسبة الجميع من دون استثناء

إسرائيل دولة تنتهك القانون الدولي والإنساني، ولا تحترم المواثيق والشرائع الدولية ولا قرارات المنظمات الأممية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، دولة مارقة فيما يخص الحقوق الفلسطينية والعربية، لكنها فيما يخص شعبها أو شعوبها، وفيما يتعلق بمواطنيها، ومن يحملون جنسيتها من فلسطيني 48، هي دولة قانون ومحاسبة حتى لو كان المواطن الفلسطيني الحامل لجنسيتها يلقى معاملة عنصرية، ويعاني من التمييز، ففي النهاية هناك قانون واحد يُطبق على الجميع، وهناك محاسبة للجميع، لا تستثني أحداً من قمة هرم الحكم وطبقة السياسة حتى المواطن العادي.

سجون إسرائيل استقبلت رؤساء للدولة، ورؤساء وزراء، ووزراء، ونواب برلمان، ورجال سياسة وأحزاب، في تهم وقضايا ومحاكمات جادة، وقضوا محكومياتهم بشكل جاد مثلهم مثل السجناء العاديين، وقريباً قد ينضم رئيس الوزراء الحالي نتنياهو، وهو صاحب أطول فترة حكم في تاريخ إسرائيل، إلى قائمة السجناء، فيما لم يخضع حاكم عربي، وهو في السلطة، للتحقيق، فالحاكم العربي فوق القانون، والقانون في خدمته، ولولا الربيع العربي، وسقوط حكام تحت ضغط الثورات الشعبية، ما كان حاكم جلس أمام محقق، أو ظهر في قفص، أو دخل سجناً.

الاستبداد  تجنبته إسرائيل واحتضنه العرب

التطورات الراهنة تؤكد مسألة الدولة في إسرائيل، وتكرس مبدأ المحاسبة وتطبيق القانون فيها، ومن دون مواربة، فإن الديمقراطية هي من تحفظ كيانها كدولة من التفتت، هي عامل الأمان لها، الحروب لم تُسقطها وتقضي على وجودها، وهي منذ 70 عاماً تخوض حروباً كانت كفيلة بإزالة أي دولة من الخريطة، والاستبداد كان الخطر الأكبر عليها، لهذا تم استبعاد ديكتاتورية الحكم منذ نشوءها، صندوق الانتخابات هو الحقيقة المؤكدة في هذا الكيان، وهو وحده الذي يحدد من يستحق الحكم وقيادة الدولة سواء كان مدنياً أو عسكرياً سابقاً انخرط في الحياة السياسية، ولم يخرج من المعسكر إلى الحكم، بينما البلدان العربية موجودة منذ القدم في هذه المنطقة، بعضها بخرائطها الحالية، والأخرى وجوداً شعبياً وتاريخياً وثقافياً متجذراً، لكن ديكتاتورية الحكم المتوطنة في المنطقة تجعل دولها في حالة اهتزاز، وعرضة لمخاطر التفتيت، ولدينا اليمن، وليبيا، وسوريا، والعراق، وقبلهم الصومال، وانفصال جنوب السودان عن شماله.

ابدأ ديمقراطية جادة وصحيحة، واجعل الشعب يختار من يحكمه ويمثله في كل الهيئات المنتخبة، وساعتها لن تجد الدولة ضعيفة في مواجهة إعصار الاقتلاع، بل ستبدأ الثبات والاستقرار الحقيقي والصعود والتقدم لأن السياسات العامة في الحكم سيكون مصدرها مطالب وتطلعات الشعوب، وليست رغبات ديكتاتور باطش، أو جنرال بائس، أو انقلابي محدود الكفاءة، أو وريث هدفه تثبيت حكم العائلة.

 والتداول الآمن والسلمي للسلطة يزيد الدولة قوة وحصانة، ويجعل المواطنين يتمسكون بوطنهم، والدفاع المخلص عنه، والولاء غير النفعي له، ما دون ذلك، فلا دولة تعكس ما يريده مواطنوها منها، إنما مستبد يؤمم الدولة لما يريده هو، ويتحول الشعب إلى مجرد جمهور يتواجد في هذه القطعة من الأرض بلا روح ولا هدف يجد أنه يستحق التضحية من أجله.

بين اليهودي والعربي

اليهودي المهاجر من أقاصي الأرض إلى أرض فلسطين التي لا يعرف عنها شيئاً يتمسك ببقائه فيها، ويدافع عن هذا البقاء، ليس لأسباب دينية وأساطير توراتية فقط، إنما قبل ذلك لأنه يجد نفسه مواطناً في وطن يتساوى فيه الجميع، ويستطيع فيه التعبير عن نفسه بكل السبل المتاحة، بالمقابل هل العربي المولود على الأرض العربية من المحيط إلى الخليج والذي تضرب جذوره في هذه الأرض منذ قرون طويلة يشعر بالمواطنة الكاملة المتساوية، ويقدر على التعبير عن نفسه، ويحصل على كل حقوقه، ويُتاح له اختيار من يحكمه، وصياغة حاضره ومستقبله؟.

توالي الانتفاضات الشعبية من بلد إلى آخر، والشعار الثابت فيها مطالبة النظام بالرحيل، وبناء نظام جديد يقوم على الحرية والعدالة والكرامة، أبلغ دليل على بؤس العربي، وفشل الدولة الوطنية في بناء نظام حكم عادل وشعبي، وبناء مواطن يشعر بكيانه وكرامته، وتتوفر له حياة آدمية.

الديمقراطية، والحرية، والحقوق، والمواطنة، أحد أهم العوامل التي حافظت على تماسك الولايات المتحدة، وجعلها القوة الأعظم في العالم بلا منافس، والديكتاتورية ساهمت بقدر كبير في تفكك وسقوط الاتحاد السوفيتي الذي كان نداً لأمريكا، ومهما حققت الصين من نمو اقتصادي فلن تزيح أمريكا عن صدارة وقيادة العالم طالما تغيب عنها ديمقراطية الحكم، وحرية الفرد.

لا توجد دولة حقيقية في العراق، أو سوريا، أو ليبيا، أو اليمن، لا توجد دولة عربية مؤسسية قابلة للحياة دون قلاقل رغم أنها كلها نالت استقلالها من الاحتلال الأجنبي، وتولاها حكاماً وطنيين، لكنهم أسسوا أنظمة الفرد، وقاوموا حكم الديمقراطية، لهذا ظلت الدولة شكلية، وفي الجوهر تختمر فيها كل عوامل التداعي، ويظهر الخواء مع الأزمات العنيفة، كما يحصل في الانتفاضات الشعبية، والصراعات السياسية، والحروب الأهلية.

عندما تكون السياسة فوق الجيوش

هذا العام شهدت إسرائيل انتخابات مبكرة لمرتين، وهو حدث غير مسبوق في تاريخ هذا الكيان، ولم تتشكل حكومة حتى الآن، لأن العملية الديمقراطية لم تكتمل، وقد يتم الإعلان عن انتخابات مبكرة للمرة الثالثة، ولم يتبرم الجيش وقوى الأمن والاستخبارات من حالة عدم الاستقرار السياسي، ولم يفكر جنرال باعتقال السياسيين المناكفين والمتصارعين، ويستلم الحكم حفاظاً على كيان الدولة التي تعيش بالفعل حالة طوارئ وحروب دائمة.

 السياسة فوق الجيش، السياسة صاحبة القرار الأخير في الحرب والسلم، ومتى استقر هذا المبدأ فإن الدولة والمؤسسات تدخل كنف الاستقرار والازدهار، ومتى اختل هذا التوازن فالدولة ومؤسساتها تكون على شفير التصدع.

حكم القانون

القاعدة الأخرى المهمة في بناء دولة وصمودها، هو حكم القانون الذي يظلل الجميع، ويخضع له رأس الدولة مثل المواطن العادي، بل يكون أكثر تشدداً مع الحاكم، لأن في هذا تكريس للثقة في نزاهة القانون، واستقلالية العدالة، وسلامة التطبيق، وقضية فساد رئيس الوزراء نتنياهو وزوجته شاهد آخر على نجاح اليهود في بناء دولة تواجه 22 دولة عربية، لا نهمل الدعم الدولي الذي تتلقاه إسرائيل، لكنه وحده لم يكن كافياً لجعلها تقف على قدميها حتى اليوم.

نتنياهو لو كان حاكماً عربياً، وفقط كل ما اقترفه من فساد طوال 13 عاماً من الحكم، هو ما وجهه إليه المدعي العام من الاتهامات المنشورة لوجب إقامة تمثال له باعتباره رمزاً للنظافة والطهارة لأنه هذا الفساد لا يمثل شيئاً مقارنة بالفساد على أصوله في بلدان العرب، مجرد عدد من علب السيجار، وزجاجات مشروبات روحية هدايا له، وتوصية منه بتسهيلات لرجل أعمال مقابل الاهتمام بالتغطية الإيجابية لنشاطاته في صحف ومواقع يمتلكها رجل الأعمال هذا، وبالنسبة لزوجته، إنفاق 50 ألف دولار في شراء وجبات خارجية لضيوف نتنياهو رغم وجود طباخ رسمي في مقر إقامته كرئيس للوزراء.

ماذا يمثل هذا الفساد الرحيم اللطيف مقارنة بالفساد العربي الشيطاني الذي يحول في بعض العواصم الخزانة العامة إلى خزانة خاصة للحاكم؟

هكذا، كل يوم تصدق مقولة إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة