“نبع السلام”..وتحولات السياسة الخارجية التركية

 

بثمانين ألف جندي دشنت أنقرة عملية نبع السلام، التي وصفت بأنها الأضخم في تاريخ الجمهورية التركية منذ تأسيسها وحتى الآن. العملية العسكرية استهدفت تطهير الحدود التركية السورية بطول يصل إلى ٤٦٠ كيلومتراً تقريبا، وعمق يتراوح من ٣٠ إلى ٣٢ كيلومترا من التنظيمات الإرهابية، تمهيدا لإنشاء منطقة آمنة تستوعب قرابة مليوني لاجئ، إضافة إلى الحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

هذه الأهداف تمكنت تركيا من قطع شوط كبير نحو تحقيقها في خلال عشرة أيام فقط من بدء العمليات العسكرية، التي عكست احترافية عالية من قبل الجيش التركي من حيث التجهيز والإعداد والتنفيذ، بغض النظر عن طبيعة الخصم الذي يشكل رغم كونه ميليشيا في نهاية المطاف طرفا لا يمكن التهوين من شأنه نظرا للتجهيزات القتالية الضخمة التي تم إنفاقها عليه من قبل قوى دولية وأطراف إقليمية فاعلة، وأيضا إذا ما قورن هذا الأداء بأداء القوات السعودية في عملية “عاصفة الحزم” التي أطلقتها قبل نحو أربع سنوات ضد الحوثيين، لكن دون جدوى وباتت العملية تشكل عبئا أخلاقيا وفضيحة عسكرية للرياض لا يمكن تجاوزها.

الأداء العسكري منح الدبلوماسية التركية قوة إضافية لفرض شروطها على مائدة الحوار مع الولايات المتحدة التي هرع نائب رئيسها مايك بنس إلى أنقرة على رأس وفد ضم وزير الخارجية مايك بومبيو، والمبعوث الأمريكي إلى سوريا، جيمس جيفري، ومستشار الأمن القومي، روبرت أوبراين.

أنقرة لم تكتف بالاتفاق مع واشنطن الذي منحها كل ما تريده، بل ذهب رئيسها رجب طيب أردوغان على رأس وفد رفيع المستوى إلى سوتشي الروسية للقاء نظيره فلاديمير بوتين للتفاوض حول مصير مدينتي منبج وعين العرب (كوباني) عقب تحرك قوات النظام السوري للسيطرة عليهما بالاتفاق مع ميليشيات وحدات الحماية الكردية (YPG) التي كانت تسابق الزمن لخلق حالة من الفوضى في المنطقة قبل انسحابها مع انتهاء مهلة الـ١٢٠ ساعة الممنوحة لها لسحب قواتها وفق الاتفاق التركي الأمريكي.

الاتفاق الجديد الذي أبرمته تركيا مع سوتشي أكد ما تم الاتفاق عليه مع واشنطن حيث منح الميليشيات الانفصالية ١٥٠ ساعة للانسحاب واعترف بالوجود العسكري التركي في المنطقة الواقعة ما بين رأس العين وتل أبيض، إضافة إلى تسيير دوريات عسكرية مشتركة في باقي المنطقة شرقا بعمق ١٠ كيلومترات عدا مدينة القامشلي التي نص الاتفاق على استثنائها، مع نشر الشرطة العسكرية الروسية في منبج وعين العرب.

روسيا أكدت كذلك على حق تركيا في استئناف العملية العسكرية إذا لم تنسحب الميليشيات الانفصالية من المنطقة إلى عمق أكثر من ٣٠ كيلومترا بعيدا عن الحدود التركية السورية.

هذا الأداء العسكري والسياسي رسم ملامح تحولات مهمة في السياسة الخارجية التركية.

التحول عن مفهوم الدولة “الجسر”

يشير أحمد داود أوغلو في كتابه المهم “العمق الاستراتيجي” إلى أن تركيا ظلت لفترة طويلة من الزمن في نظر العالم دولة “جسرية” ليس لها من رسالة سوى أن تلعب دور “المعبر” بين الأطراف الكبرى الفاعلة في العالم، دون أن تكون فاعلا حقيقيا رغم امتلاكها المقومات اللازمة للعب دور “الفاعل”، ويضيف داود أوغلو أن تركيا يجب عليها رسم خريطة جديدة تجعلها ” دولة قادرة على إنتاج الأفكار والحلول في محافل الشرق ومنتدياته رافعة هويتها الشرقية دون امتعاض، ودولة قادرة على مناقشة مستقبل أوربا داخل محافل أوربا ومنتدياته من خلال نظرتها الأوربية”.

لقد ظلت تركيا تطالب منذ سنوات بضرورة إنشاء المنطقة الآمنة شمالي سوريا لتوفير ملاذ للاجئين لكن طلبها قوبل بالتجاهل من قبل إدارة الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، ومن قبل الأطراف الأوربية الفاعلة، ولم يعر أحد سمعه لنداءات أردوغان المتكررة بضرورة إنشاء تلك المنطقة، كما طالبت أنقرة حليفتها في حلف الناتو واشنطن بضرورة التوقف عن دعم الميليشيات الانفصالية في شمال سوريا وسحبها بعيدا عن الحدود التركية السورية، لكن الطرف الأمريكي لم يكتف بالتجاهل بل واصل دعمه السخي بتمويل سعودي إماراتي تزامنا مع تسلم ترمب رئاسة البيت الأبيض .

لذا ففي اللحظة التي قررت فيها تركيا إعادة تموضعها، والانتقال من الدولة “الجسر” إلى الدولة “الفاعلة” عبر استخدام القوة العسكرية، فرضت سياسة الأمر الواقع، ولم تنتظر حتى يتحول الممر الانفصالي إلى واقع يزلزل أمنها القومي والاستراتيجي.

أدركت تركيا أن عضويتها في حلف “الناتو” لن تحميها من الخرائط المعدة للمنطقة التي تتمحور حول “تفتيت المفتت” على أساس طائفي وربما عرقي وتجزئة الوحدات السياسية التي تشكلت عقب انهيار الدولة العثمانية، وبدت سياسة الحلف غريبة في دعم واحدة من كبرى دول الحلف أمام تهديدات إرهابية واضحة، على النحو الذي رأيناه في تخبط أمينه العام، ينس ستولتنبرغ، في تصريحاته تجاه العملية العسكرية، والتي لم تعكس جديدا تجاه أخطار حقيقية تتهدد دولة بالحلف.

التحرك التركي صوب “الفاعلية” أجبر أوربا على الاعتراف بأهمية المنطقة الآمنة شمالي سوريا، لكن ألمانيا أرادت استباق الزمن وتهميش الدور التركي المرتقب في الإشراف على تلك المنطقة، عبر المقترح الذي تقدمت به بضرورة خلق دور لحلف الناتو في الإشراف على تلك المنطقة، لكن تركيا اعترضت على المقترح ووصفته بغير الواقعي وذلك خلال مؤتمر صحفي جمع وزير خارجيتها مولود تشاوش أوغلو مع نظيره الألماني هايكو ماس في أنقرة.

المقاربة العسكرية التي اعتمدتها تركيا لحل الأزمة، ستحمل الغرب على تغيير نظرته للدور التركي، والذي اختزله في حماية حدوده الجنوبية شرقية في فترة الحرب الباردة، ثم التهميش عقب تفكك الاتحاد السوفيتي السابق.

تطوير مفهوم “سلام في الوطن..سلام في العالم”

هذا المفهوم ظل مرتكزا أساسيا من مرتكزات السياسة الخارجية التركية، وقد وضعه مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، عقب نجاحه في قيادة حرب الاستقلال وتأسيس الجمهورية التركية على أنقاض الدولة العثمانية، وكان أتاتورك في أشد الاحتياج آنذاك إلى السلام الداخلي والخارجي لبناء الجمهورية الوليدة.

واستلهمت تركيا طيلة السنوات الماضية ذلك المفهوم في بناء سياستها الخارجية فيما عرف بـ “تصفير المشكلات”، لكن الربيع العربي فرض على تركيا تحديات استراتيجية جديدة خاصة عقب نجاح الثورة المضادة في الانقلاب على الرئيس المصري محمد مرسي في يوليو ٢٠١٣، وظهور مخططات التقسيم التي استهدفت تركيا بشكل واضح، واستخدام تنظيم بي كا كا كمخلب قط في ذلك المخطط، فقد أدركت تركيا أن السلام لن يتحقق في الداخل إلا بالقضاء على مصادره من قبل التنظيمات الإرهابية مثل داعش وبي كا كا سواء في الداخل أو الخارج ..
 كما أن حالة الفوضى التي ضربت المنطقة خاصة في سوريا والعراق، برهنت لتركيا على ضرورة ملء الفراغ الناشئ عن غياب السلطة المركزية في دمشق وبغداد عن مناطق الحدود والتي صارت تمثل تهديدا حقيقيا للأمن القومي التركي وفرض عليها ضرورة التحرك العسكري والأمني لضرب مصادر الإرهاب ومنابع الخطر في الداخل والخطر، فكان التحرك الأمني المكثف في جنوب شرق تركيا منتصف عام ٢٠١٥ لاستئناف العمليات الأمنية ضد تنظيم بي كا كا والتي أدت إلى إلحاق خسائر فادحة به وإضعافه وشل قدرته على ممارسة هجماته ضد المدنيين، تزامنا مع شن ثلاث عمليات عسكرية ضد تنظيمي داعش وبي كا كا في شمال سوريا عرفت باسم درع الفرات، وغصن الزيتون، وأخيرا نبع السلام، إضافة إلى العمليات المتواصلة في شمال العراق ضد وجود تنظيم بي كا كا في جبال قنديل ، هذا التحرك لعب دورا مهما في إرساء مفهوم السلام الداخلي، عبر منع منابع الخطر على مناطق الحدود والتي كانت تنطلق منها عمليات استهداف الداخل التركي.

لقد أدرك صانع القرار في أنقرة أن مفهوم السلام في الداخل والخارج، يحتاج إلى قوة عسكرية لتحميه وتؤصله، وتعيد رسم ملامح السياسة الخارجية التركية حيث تتعاضد العسكرية والدبلوماسية.

العلاقات التركية-السعودية حان وقت المكاشفة

رغم فتور العلاقات التركية السعودية منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو ٢٠١٦ والتي شهدت تراجعا حادا إثر مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، إلا أن أردوغان كان حريصا على بقاء شعرة معاوية مع النظام السعودي وخاصة الملك سلمان، لكن العملية العسكرية شرقي الفرات رفعت حدة الجدل مجددا بين أنقرة والرياض، فالسعودية – وعلى مدار السنوات الماضية – استثمرت مبالغ طائلة في دعم الميليشيات الانفصالية شمالي سوريا، ولعب وزير شؤون الخليج ثامر السبهان دورا في الربط بين الرياض وبين تلك الميليشيات.

دعم المملكة امتد إلى غسل سمعة تلك الميليشيات عبر تقديم المؤازرة الإعلامية المطلوبة وإعادة طرح قادتهم للرأي العام – عبر وسائل الإعلام السعودية – باعتبارهم معارضين لتركيا لا مطلوبين للعدالة بسبب اتهامهم بالضلوع في أعمال إرهابية.

لذا سارعت السعودية إلى إدانة العملية العسكرية، رغم أن وزير الخارجية السعودي السابق عادل الجبير سبق واعترف بحق تركيا في مواجهة تلك التنظيمات، وكثفت وسائل الإعلام المملوكة للرياض من حملتها ضد عملية نبع السلام، وأوعزت السعودية إلى الجامعة العربية لعقد اجتماع على مستوى وزراء الخارجية خلص إلى إدانة العملية العسكرية (رفضت قطر والصومال وليبيا البيان).

كل هذا دفع أردوغان لانتقاد السعودية للمرة الأولى وذلك خلال الاجتماع الأسبوعي للكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، وطالبها بالنظر في المرآة ومطالعة ما تسببت فيه العملية العسكرية التي تقودها في اليمن من مآسٍ إنسانية كارثية.

والملاحظ أن هجوم الرئيس التركي على السعودية تحديدا قوبل بعاصفة حادة من التصفيق من نواب الحزب الحاكم، ما قد يعكس غضبا مكتوما من سياسات الرياض العدائية تجاه أنقرة في العديد من الملفات.

الانتقاد شديد اللهجة اختص به أردوغان أيضا النظام المصري حيث وصم السيسي بأنه قاتل للديمقراطية وأنه ليس من حقه انتقاد تركيا.

كل هذا يؤشر على أن التقارب التركي مع النظامين السعودي والمصري، والذي يتحدث عنه البعض بين الحين والآخر، ملف مؤجل إلى وقت لم يحن بعد.

وفيما نراقب الصعود الإقليمي لتركيا نتذكر قول الكاتب الأمريكي صامويل هنتنغتون قبل نحو ثلاثة وعشرين عاما، في “كتابه صدام الحضارات”:

 “عند نقطة ما يمكن أن تكون تركيا مستعدة للتخلي عن دورها المحبط والمهين كمتوسل يستجدي عضوية نادي الغرب، واستئناف دورها التاريخي الأكثر تأثيرا ورقيا كمحاور رئيسي باسم الإسلام”.

فهل تكون عملية نبع السلام هي تلك النقطة التي تنبأ بها هنتنغتون؟

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه