مقالات

بطرس غالي: الباشا الصعيدي الذي لم يدرك الفرق بين الزيادة والسيادة

بطرس بطرس غالي  باشا 1846 ـ 1910 هو ثاني رئيس للنظار ممن ولدوا في مصر من أصول مصرية ،  يسبقه إلى الموقع الأول الشاعر الأعظم محمود سامي البارودي باشا   ١٨٣٩- ١٩٠٤  ، وبهذا تصبح المقارنة ظالمة لبطرس بطرس غالي  باشا إلى أبعد الحدود ، فالبارودي الذي لا يكبره كثيرا رجل دولة و مفكر و مثقف و شاعر و محارب و قائد و ثائر  وقد وصل إلى القمة في كل هذه الميادين و صل أيضا لرئاسة الوزارة قبل بطرس بطرس غالي  باشا بستة وعشرين عاما أي بأكثر من ربع قرن ، وهذا حقه ومقامه ، لكن بطرس بطرس غالي  باشا مع هذا ، و رغم هذا ، يظل متميزا ، ومع أنه صعيدي قح  عربي التربية و الفهم ، شرقي الثقافة و التقاليد ، فإن جوهر مأساته التي نزلت بقيمته في تاريخ وطنه والتي أودت أيضا بحياته هي أنه على الرغم مما هو معروف عن أهل الصعيد من تقديسهم البالغ للأرض وحقوق السيادة والملكية فإنه نظر للأمور الوطنية و الاستقلالية نظرة محاسبية بحتة ، وظن أن زيادة المدخول و الإيرادات أو نقص المصروف والنفقات  يعادلان في الأهمية بل يسبقان فكرة الملكية والسيادة ، ولست أعرف كيف طاوعه قلبه الصعيدي على هذا الفهم  الاختزالي أو  الاستنكافي ،  وهكذا كانت فكرته في مد امتياز قناة السويس وفكرته في إقرار ثنائية السيادة المصرية البريطانية على أرض السودان سببا في اغتياله ، ومعاناته، وسوء الظن به ، وبصورته ، و مكانته في التاريخ .

نشأته وتعليمه

حسب التاريخ المفضل عند العائلة فقد ولد بطرس بطرس  غالي  (1846) وفي مصادر كثيرة أنه ولد في عام ١٨٤٣ ، وكان مولده في قرية أعلم من أهلها أن بيته لا يزال فيها موجودا ، وهي قرية قمن العروس بمحافظة بنى سويف ، حيث كان أبوه غالي نيروز بك ضمن العاملين فى دائرة أملاك الأمير مصطفى فاضل شقيق الخديو إسماعيل و والد الأميرة نازلي فاضل . وبدأ دراسته في الكتاب ، وحفظ بعض القرآن الكريم إن لم يكن  كثيرا منه ، ثم ألحقه والده بمدرسة حارة السقايين التى أسسها البابا كيرلس الرابع، وكان صديقا لوالده، وفيها درس العربية واللغتين الإنجليزية والفرنسية، ثم ألحقه بمدرسة الأمراء التى أسسها الأمير مصطفى فاضل لأنجال العائلة الخديوية و من في سنهم من العائلات المصرية، وفيها أتقن اللغتين التركية والفارسية.

 وبعد إتمام بطرس بطرس غالي  باشا الدراسة الثانوية عمل مدرسا بمدرسة حارة السقايين، وكان ناظر المدرسة يومئذ هو يعقوب بك نخلة رفيلة، لكنه سرعان ما وجد أن طموحاته تفوق مثل هذا العمل، ويروى أنه أراد نيل وظيفة فى السكة الحديد فكتب للمرحوم عمر باشا   لطفى قصيدة بهذا المعنى فكان رده عليه: «عندنا من هذا كثير».

نيله دبلوم الترجمة وبداية صعوده

 ترك بطرس بطرس غالي  باشا مهنة التدريس ليستكمل تعليمه فالتحق بمدرسة الألسن التى أسسها رفاعة رافع الطهطاوى ، ومكث بها ثلاث سنوات أتقن خلالها مادة الترجمة، وحصل على دبلوم الترجمة الذى أهله للعمل فى وظيفة مترجم في مجلس التجارة بمدينة الإسكندرية فى أوائل عام 1868، و كان بطرس بطرس غالي  باشا حريصا على أن يروى أنه فاز بهذه الوظيفة من خلال المسابقة التى تقدم لها عدد كبير.

ظل بطرس بطرس غالي  باشا يحوز ثقة رؤسائه حتى صار باشكاتب  ذلك المجلس، ثم نقل (1873) إلى نظارة الحقانية، وعين باشكاتبا لنظارة الحقانية، وفى ذلك الوقت عرفه شريف باشا   ناظر الحقانية ووثق به، وكان يكلفه بترجمة أوراق الحكومة من التركية والعربية إلى الفرنسية وبالعكس، وأنعم عليه فى ذلك العصر بالرتبة الثانية.

ولما ارتبكت الأوضاع المالية للحكومة المصرية وعقدت لجنة للتحقيق (1876) وارتأت هذه اللجنة أن تشكل لجنة من مندوبى عموم الدول لعمل تصفية لمالية الحكومة المصرية اختير بطرس بطرس غالي باشا  نائبا عن الحكومة المصرية، وكان ذلك فى عهد وزارة رياض باشا  . وفى هذه الفترة شكل أيضا قومسيون لتعديل الضرائب تحت رئاسة رستم باشا  ، وكان بطرس بطرس غالي باشا  عضوا فيه،وفى  تلك الفترة  تعرف بطرس بطرس غالي  باشا على السير ريفرس ولسن الوزير الإنجليزى في وزارة نوبار باشا ، وتقرب إليه في وقت كان الإنجليزي يبحث عمن يقربه منه ، لسبب معروف ، فكان  هذا الوزير الإنجليزي الذي هو إرهاصة الاحتلال الأولى ، سببا لكل ما أحرزه بطرس باشا من صعود في عهد الاحتلال  .

دوره في عهد الخديوي توفيق  وبعد فشل الثورة العرابية

بعد خلع الخديو إسماعيل  ١٨٧٩وتولية الخديو توفيق عين بطرس بطرس غالي باشا  وكيلا لنظارة الحقانية، وفى مطلع الثورة العرابية (1882) وبناء على طلب مجلس النظار برئاسة محمود سامي البارودى باشا   أنعم عليه برتبة «الميرميران» فكان أول مَنْ حازها من الأقباط المصريين، ولما تشكلت وزارة شريف باشا فى أثناء الثورة العرابية أضيفت إليه أعباء سكرتيرية مجلس النظار لبعض الوقت ثم عاد ليقتصر على وظيفته في  وكالة  وزارة الحقانية.

ولما انهزم العرابيون فى التل الكبير وعادوا إلى القاهرة ، كان بطرس بطرس غالي  باشا من أنصار الاستسلام السريع للخديو ، وقال للزعيم أحمد عرابى فيما يرويه هو: ” إن الأوفق أن تجعل تاريخك ناصع البياض ولا تشوبه بمداد السواد(!!!) وبناء على ذلك عُهد إليه هو ومحمد رءوف باشا   وعلى الروبى بتقديم عريضة إلى أولى الشأن فى الإسكندرية نائبين عن العرابيين(!!)

دوره في معاونة محمد قدري باشا   

فى هذه الفترة من عمله المتصل فى وزارة الحقانية كان بطرس بطرس غالي  باشا أحد الذين ساعدوا المفكر القانوني الإسلامي محمد قدرى باشا ١٨٢١- ١٨٨٦  فى إنجازالمجهود الكبير الذي بذله في تطوير القانون المصرى وإعادة صياغته باللغة العربية معتمداً على تبويب القانون الفرنسى، كما  كان له دوره فى إنشاء المحاكم الأهلية بالقاهرة والإسكندرية وطنطا وشبين الكوم وبنها والزقازيق.

في وكالة نظارة الحقانية

لم يكن أداء بطرس بطرس غالي  باشا فى وزارة الحقانية يحظى بالقبول على الدوام، وقد اصطدم بكثير من علماء الدين الإسلامي و رجال الكنيسة على حد سواء ، وعلى رأسهم المفتى الشيخ محمد المهدى العباسي .

توترت علاقة بطرس بطرس غالي  باشا بكثير من الأقباط حيث رفع شعار «الإصلاح الكنسى» وتطوير المؤسسات القبطية»، وقد نجح فى إنشاء أول مجلس ملى، وهو المجلس الذى انعقد فى 16 يناير 1874، وانتخب هو نفسه نائبا لرئيس هذا المجلس، ثم رئيسا للجان التعليم والكنائس والمطبعة. ومع أن هذا المجلس هو الذي ساعد في تعيين البابا كيرلس الخامس ١٨٣١- ١٩٢٧ بابا للأقباط في ١٨٧٤ فقد تكرر نشوب الخلاف بين الكنيسة  وبين المجلس الملى نتيجة اختلاف وجهات النظر حول كل شيء تقريبا وإن كانت المراجع القبطية تذكر أن الخلاف كان حول أساليب الإصلاح، و قد مارس بطرس بطرس غالي  باشا فيما بعد صلاحياته التنفيذية فعزل البابا كيرلس الخامس  عن صلاحياته لفترة من الزمن ، وهو أمر غير مشهور بالدرجة التي اشتهر بها عزل الرئيس السادات للبابا شنودة ، و السبب معروف بالطبع .

اختياره للوزارة في عهد الخديو عباس حلمي

طال عهد بطرس بطرس غالي باشا  فى وكالة وزارة الحقانية، وكان أول عهده بمنصب الوزير حين عين ناظرا للمالية فى حكومة حسين فخرى باشا   (15 يناير 1893)، ولكن هذه الوزارة أقيلت بعد ثلاثة أيام وقد كان المعتمد البريطانى لورد كرومر يجاهر بأن الخديو عباس حلمى الثانى لا يملك حق تعيين الوزراء دون استشارته، ولهذا السبب حدثت أزمة وزارية أودت برئيس الوزراء فخرى باشا  ، فقد كان الخديو عباس حلمى بعد توليه الخديوية بسنة قد حاول أن يزيح مصطفى فهمى باشا  ، وكلف حسين فخرى باشا   بتشكيل الوزارة، وأدخل حسين فخرى باشا في وزارته وزيرين جديدين هما: بطرس بطرس غالي باشا  (للمالية)، وأحمد مظلوم (للحقانية)، لكن كرومر لم يوافق على هذا التغيير وتوصل كرومر والخديو إلى حل وسط بالتضحية بكل من مصطفى فهمى (مرشح الإنجليز) وفخرى (مرشح الخديو) والعودة إلى رئيس وزراء قديم هو  رياض باشا  ، هكذا بدا كما لو أن الخديو قد فشل فى تحقيق رغبته فى التغيير، لكن هذه الأحداث أسفرت فى النهاية عن دخول وزيرين جديدين كان بطرس بطرس غالي باشا  أحدهما.

وقد احتفظ بطرس بطرس غالي باشا  بمنصب ناظر المالية فى الوزارة التى تشكلت على إثر ذلك برئاسة مصطفى رياض باشا  ، والتي استمرت حتى أبريل 1894

عمله الأشهر كوزير للخارجية و رياسته للوزارة

عين بطرس بطرس غالي باشا  ناظرا للخارجية فى وزارة نوبار باشا   الثالثة (أبريل 1894 ـ نوفمبر 1895)، واحتفظ بطرس بطرس غالي باشا  بهذا المنصب أيضا فى حكومة مصطفى فهمى باشا   حتى نوفمبر 1908، وطيلة عمل مصطفى فهمى كرئيس للوزارة (1895 ـ 1908) ظل بطرس بطرس غالي باشا  وزيراً للخارجية، وبذلك فإنه يحقق (بهذه الوزارة فقط) الرقم القياسى فى طول البقاء بوزارة الخارجية فما بالك بأنه تولاها في الوزارة السابقة عليها وفي وزارته هو التالية عليها .

بعد إقالة مصطفى فهمى عهد إليه برئاسة الوزارة (نوفمبر 1908 ـ فبراير 1910)، و كان أقوى منافسيه على هذا المنصب هو سعد زغلول باشا   لكن المعتمد البريطاني والخديو كانا يفضلانه بما عهد فيهما من حب للدكتاتورية إذ كانا يريانه وهو المطيع المتأقلم على طول الخط أنسب لهذا المنصب من سعد زعلول باشا   بعنفوانه واعتداده بفكره و فهمه .  واحتفظ بطرس بطرس غالي باشا  في وزارته بنظارة الخارجية مع رياسته للوزارة  حتى تم اعتياله .

بهذا فإن علاقة بطرس بطرس غالي  باشا بالوزارات تتمثل في أنه بدأ بوزارة المالية و انتهى بالخارجية التي طال عهده بها ، أما الحقانية فقد كان وكيلا لها لفترة طويلة كما ذكرنا من قبل  فتولاها بالنيابة عن وزرائها في فترات محددة .

 تعد وزارة بطرس بطرس غالي  باشا  على أنها  الوزارة التاسعة عشرة فى تاريخ مصر الحديث، وقد كان بطرس بطرس غالي باشا  كما ذكرنا بمثابة ثاني مصرى مولود في مصر يتقلد رياسة الوزاة بعد البارودي باشا على حين كان كل مَنْ سبقوهما من ذوى الأصول الأخرى أو ممن ولدوا خارج مصر . وقد أظهر تشكيل الوزارة عنده قدرة فى اختيار الأشخاص، فقد شكل الوزارة من خمسة بالإضافة إلى شخصه، ولم يكن من الخمسة وزير قديم إلا سعد باشا   زغلول وزير المعارف، واختار أربعة وزراء جدد أصبحوا بعد ذلك دائما نجوما بارزين فى الحياة السياسية المصرية وقد كان منهم اثنان خلفا بطرس بطرس غالي باشا  فى رئاسة الوزارة على التوالى، وهما: محمد سعيد باشا  ، وحسين رشدى باشا  ، ( وهما مولودان في ١٨٦٣ ومتوفيان في ١٩٢٨) أما الآخران فكانا مرشحين لرئاسة الوزارة واعتذرا، وهما: إسماعيل سرى باشا ، وأحمد حشمت باشا  . وقد بقيت وزارة بطرس بطرس غالي باشا  على ما هى عليه منذ تشكيلها وحتى مصرعه، وقد تولى سعد زغلول رئاستها بالنيابة فى سبتمبر 1909 حين قام بطرس بطرس غالي باشا  بإجازة.

علاقته بالخديو عباس حلمي الثاني

هكذا  ظل بطرس بطرس غالي باشا  فى المنصب الوزارى باستمرار  ومن دون انقطاع طيلة 17 عاماً، منذ أصبح وزيرا وحتى وفاته ، وهو ما لم يحدث لأحد من قبله حتى ذلك الوقت ، كما أنه ظل وزيراً للخارجية طيلة 16 عاماً متصلة ختمها بجمع رئاسته للوزارة معها، ويعود السبب فى هذين الرقمين القياسيين  إلى طول عهد وزارة مصطفى فهمى الشهيرة (1895 ـ 1908).

نستطيع القول بأنه لم يحظ رئيس وزراء  في العصر الحديث بحب رئيس الدولة على نحو ما حظى بطرس بطرس غالي باشا  بحب الخديو عباس حلمى، ويروى الخديو عباس حلمى فى مذكراته بكل وضوح أن بطرس بطرس غالي باشا  هو أكفأ رؤساء الوزارة الذين عملوا معه وأكثرهم وطنية وإخلاصاً له (كانوا في تعاقبهم على عهده سبعة و كان هو خامسهم : مصطفى فهمى، ورياض، ونوبار، وحسين فخرى، ومحمد سعيد، ورشدى)، ولاشك فى أنه بالمعنى البيروقراطي الضيق كان أكثرهم إخلاصاً أو طاعة له.   

وقد حفلت حياته معه بكثير من الجوانب الإيجابية جعلت الخديو يبكى عليه كل هذا البكاء وهو لا يزال حياً ومن قبل أن يموت .

اتفاقية السودان بداية مخاصمته الكبرى للمشاعر الوطنية

صادفت تصرفات  بطرس بطرس غالي باشا  السياسية (التي لا يمكن وصفها إلا بأنها كانت قصيرة النظر)  ردود فعل  وطنية متصاعدة أدت تراكم مشاعر الكراهية الشعبية ضده، وكان لهذه المشاعر كثير مما يبررها، لكن أول المعالم الكبرى في هذه الكراهية تصاعدت بقوة  عندما وقع مع انجلترا اتفاقية السودان عام 1899، وكانت جميع الاتجاهات الوطنية تعتبرها بمثابة تفريط فى الحقوق المصرية.

رئاسته لمحكمة دنشواي وإعدامه لمواطنيه  

ثم جاءت  أكثر هذه الأسباب مدعاة لتصعيد مشاعر الكراهية ضد بطرس بطرس غالي باشا    حين كان هو ، وليس غيره ،  الذى تولى رئاسة المحكمة الخاصة التى شكلت فى شبين الكوم (24 يونيو 1906) للنظر فى قضية دنشواى  وهي الحكمة التى قضت بإعدام عدد من الفلاحين شنقا.

 ومما يجدر ذكره أن رئاسة المحكمة كان مفروضا أن يقوم بها ناظر الحقانية آنذاك (إبراهيم فؤاد باشا  )، لكنه كان متغيبا فى إجازة، وكان بطرس بطرس غالي باشا   وزير الخارجية ينوب عنه فى وزارة الحقانية باعتباره ظل وكيلا لهذه الوزارة فترة طويلة .

  ونحن نلاحظ ما يلاحظه أي قارئ للتاريخ المصري المعاصر من أن بطرس بطرس غالي باشا  لم ينل من تقريع الشعب وهجوم مثقفيه على موقفه فى دنشواى عُشر معشار ما ناله الهلباوى باشا   الذى تولى وظيفة الادعاء، وقد نُدب لها بحكم القانون، ولا عُشر معشار ما ناله أحمد فتحى زغلول عضو هذه المحكمة وشقيق الزعيم الكبير سعد زغلول، والسبب في هذا أن صورة بطرس بطرس غالي  باشا كانت قد ترسخت كشخصية معادية للحركة الوطنية و مشاعر الشعب ولم يكن يلعب في منطقة الوسط . ومع هذا فإن ما اًصاب سمعته وصورته و تاريخه من التخوين و التأثيم ليس بالقليل .

 وقد أثارت أحكامه فى قضية دنشواى ولا تزال تثير الشعور الوطنى ضده، واعتبرت هذه المهمة التى أداها بمثابة وصمة عار فى تاريخه، وأججت ما كان يتردد من انتقادات له فى المواقف السابقة.  

الحياة الديموقراطية في عهد وزارته

فى عهد وزارة بطرس بطرس غالي باشا  اتجهت مصر إلى توسيع اختصاصات مجلس شورى القوانين و الجعية الوطنية فتقرر بهذا  اشتراك الأمة من خلال نوابها فى النظر فى مشروعات الحكومة بعرضها على المجلس على أن يحضر الوزراء للمناقشة فيها.

البرلمان يعارضه في مد امتياز قناة السويس  

من الجدير بالذكر أن ممارسة الشعب لصورة من صور الحياة النيابية كانت كفيلة بزيادة نصيبه من كراهيته الشعبية  وقد حدث هذا حينما حاول بطرس بطرس غالي باشا  أن يمرر ما كان قد قرره من تبنى الموافقة على مد اتفاقية امتياز شركة قناة السويس ، وهكذا أسهمت مفاهيمة البيروقراطية القاصرة و الخانعة للإنجليز في تعبئة الشعور الوطنى ضده.

أول اغتيال سياسي في مصر الحديثة

ازدادت حدة كراهية الشبان والوطنيين لبطرس بطرس غالي  باشا فترة بعد أخرى إلى درجة دفعت شابا صيدلانيا ينتمى للحزب الوطنى (القديم)  متعلما في الخارج هو إبراهيم ناصف الوردانى إلى اغتياله (19 نوفمبر 1910)، وبرر الرأي العام والخاص معا سبب اغتياله له في وضوح بأنه كان  بسبب مشاركة بطرس بطرس غالي باشا  فى الأسباب الثلاثة البارزة ، محاولة مد امتياز قناة السويس وتوقيعه اتفاقية السودان، وأنه كان رئيس المحكمة التى حكمت على مواطنى دنشواى بالإعدام.

يذكر التاريخ المكتوب كثيرا من تفصيلات اغتيال بطرس بطرس غالي باشا   باعتباره  كان أول حادث اغتيال سياسى على هذا المستوى، وقد كان بطرس بطرس غالي باشا  خارجا من ديوان الخارجية يوم الأحد (21 فبراير 1910) فى نحو الساعة الواحدة بعد الظهر ووراءه سكرتيره الخاص أرمولى بك، وبالقرب منهما حسين رشدى باشا   الذى كان ناظرا للحقانية وقتئذ، وكان يودع رئيس الوزراء إلى الباب، وقد فوجئ بطرس بطرس غالي باشا   بخمس رصاصات أطلقت عليه من مسدس أصابته فى الذراع والعنق والكتف والجنب فأغمى عليه وسقط من المركبة.

 حاول الدكتور الوردانى أن يهرب فأسرع أرمولى والحجاب الواقفون إليه وأمسكوه وأدخلوه إلى الوزارة، وحُمل بطرس بطرس غالي باشا  إلى غرفته وأسرعوا إلى استدعاء أطباء مصلحة الصحة ورجال جمعية الإسعاف، وحضر الدكتور نولسن الطبيب الشرعى وتبعه عدد كبير من الأطباء وقاموا بإخراج بعض الرصاصات من  رئيس الوزراء المصاب .

الخديو عباس يزوره في المستشفى

نقل بطرس بطرس غالي باشا  إلى مستشفى الدكتور ملتن فى صحبة رشدى باشا  ، وأظهر الخديو عباس حزنه الشديد عليه.

وفى الساعة الثالثة وصل الخديو إلى سراى عابدين فاجتمع بوزرائه وعقدوا مجلسا فوق العادة للنظر فى أمر هذا الحادث الجنائي الفجائى الخطير.

وقبيل الساعة الرابعة توجه الخديو إلى المستشفى ، حيث دخل إلى غرفة بطرس بطرس غالي باشا  فبكى ، وقبله ، وشجعه ، وانصرف عائدا إلى سراى عابدين ، ولم يعد إلى سراى القبة إلا بعد أن أمر أن تبلغ إليه أخبار حالته ساعة بساعة.

لفظ بطرس بطرس غالي باشا  أنفاسه الأخيرة فى الساعة الثامنة والربع وهو يقول: «الله يعلم أنى لم أفعل شيئا يضر ببلادى».

جنازته

قرر الخديو أن يحتفل بتشييع جنازة الفقيد احتفالا رسميا على نفقة الحكومة، وأن يسير المشهد فى منتصف الساعة الحادية عشرة صباح الثلاثاء من مستشفى ملتون إلى الكنيسة المرقسية الكبرى، ومنها إلى دير الأنبا رويس، وتحركت عربة لحمل النعش من الكنيسة إلى المدفن مجللة بالسواد يجرها ثمانية من الجياد و ترافقها ١٢ عربة مملوءة بأكاليل الأزهار والرياحين،وقد تقدم من حاملى أبسطة الرحمة التى يبلغ عددها الخمسة الأمير محمد على باشا   بالنيابة عن الخديو.

 وبعد الصلاة وقف نيافة الأنبا لوكاس مطران كرسى قنا مؤبنا بطرس بطرس غالي باشا   .

الحزب الوطني ينفي عن كيانه وعن نفسه المشاركة في اغتيال بطرس بطرس غالي  باشا

بادرت صحيفة «اللواء» لسان حال الحزب الوطنى عقب الحادث بنشر افتتاحية قالت فيها إن الحادث: «ما كان يتوقعه أحد من أصدقاء مصر، إن سفك الدماء فى هذا البلد الهادئ مما يؤخر رقيه، ونرجو أن يكون الحادث فرديا، كما نرجو من المحكمة ألا تبنى قصورا من الأوهام فتظهرنا أمام الرأى العام الأوروبى بمظهر سفاكى الدماء».

قرار النائب العام بإحالة الورداني وثمانية من زملائه إلى قاضي الإحالة

فى 14 مارس 1910 أصدر النائب العام عبد الخالق ثروت قرارا بإحالة المتهمين إلى قاضى الإحالة، وقد انحصر الاتهام فى إبراهيم الوردانى كفاعل أصلى وفى على مراد المهندس المعمارى، ومحمود أنيس مهندس الرى، وشفيق منصور المحامى، وعبدالعزيز رفعت مهندس التنظيم، وعبدالخالق عطية المحامى، وحبيب حسن المدرس، ومحمد كمال، وحبيب كمال كشركاء».

قرار قاضي الإحالة يكتفي بإحالة الفاعل وحد للجنايات

فى 24 مارس قرر قاضى الإحالة إحالة إبراهيم الوردانى وحده إلى محكمة الجنايات وبألا وجه لإقامة الدعوى ضد الباقين لأن ما نسب إليهم ـ لو ثبتت صحته ـ لا يعدو اتفاقا جنائيا لا يرقى إلى مرحلة الاشتراك عن طريق التحريض أو المساعدة.

 ويذكر تاريخنا القضائي أن قانون العقوبات قد عدل بعد ذلك لكى يتضمن العقاب على «الاتفاق الجنائى»  وذلك بسبب صدور ذلك القرار من قاضى الإحالة فى قضية مقتل بطرس غالي بألا وجه لإقامة الدعوى.

وصف دقيق لجلسات محاكمة إبراهيم الورداني المتهم بقتله

فى 21 من أبريل 1910 مثل الوردانى أمام محكمة جنايات القاهرة وكان يرأسها مستشار أجنبى، ومثل النيابة عبدالخالق ثروت النائب العام نفسه، وتولى الدفاع  عن الورداني المحامون أحمد لطفى، وإبراهبم الهلباوى، ومحمود أبو النصر، وإسماعيل شيمى .

كانت خطة الدفاع عن الوردانى كما  ذكر أستاذنا الدكتور محمود كامل في مقالاته وكتبه هى التشكيك فى سلامة العملية الجراحية التى أجريت له من الوجهة الطبية، وأنه كان فى الإمكان إنقاذه لو لم تجر العملية بالأسلوب الذى أجريت به، وقد اشتد الخلاف حول تلك النقطة الطبية فوجدت المحكمة ألا مناص من ندب لجنة برئاسة  الطبيب الشرعى الإنجليزى، وأستاذ الجراحة الإنجليزى بمدرسة الطب، وجراح مصرى لتقرر ما إذا كانت الجروح الناشئة عن الإصابة مميتة بدون إجراء العملية ، أو أنه كان يمكن للمصاب أن يعيش بدون إجراء العملية؟ وما إذا كانت العملية قد أجريت مع اتخاذ الاحتياطات الضرورية فنيا؟».

«وقد قررت هذه اللجنة الطبية أن إجراء العملية  كان واجبا، لكنهم لا يستطيعون أن يقطعوا بما إذا كانت الاحتياطات الضرورية فنيا قد اتخذت فى أثناء إجراء العملية”

لجأ الدفاع بعد ذلك إلى الدفع بأن المتهم مختل القوى العقلية، وركز فى دفاعه على نفى سبق الإصرار وأن وصف الجناية الصحيح هو الشروع فى قتل، باعتبار أن وفاة المجنى عليه لم تكن بسبب ما ارتكبه المتهم بل بسبب الخطأ الطبى فى إجراء العملية الجراحية.

ولما بدأ إبراهيم الهلباوى مرافعته وجه إليه رئيس الدائرة هذه الكلمات: «ياهلباوى بك، من واجبى أن أنبهك إلى أنك لو تعرضت فى مرافعتك للسياسة فإن المحكمة ستضطر إلى نظر القضية فى جلسة سرية، فأجابه بأنه مضطر بحكم واجبه فى الدفاع أن يتعرض للسياسة لأن الجريمة سياسية، ولما وصل فى دفاعه إلى موقف المجنى عليه من اتفاقية الحكم الثنائى الإنجليزى المصرى ـ السودانى عام 1899، أمر رئيس الدائرة بإخلاء القاعة من الجمهور».

الهلباوي يطبع مرافعته  ويوزعها من قبل الجلسة

وكانت هيئة المحكمة قد عرفت من قبل الانعقاد ما سوف يتطرق إليه الدفاع، إذ سبق أن طبعت مرافعة الهلباوى قبل إلقائها.

 وحدث أنه لما أعيدت علنية الجلسة جمعت المذكرة التى تضمنت مرافعة الدفاع من أفراد الجمهور الحاضرين الذين وزعت عليهم.

وفى 18 مايو 1910 صدر الحكم بإعدام الوردانى شنقا.

 وفى 11 من يونيو قضت محكمة النقض برفض الطعن وتأييد الحكم الصادر من محكمة الجنايات وكانت قبل ذلك قد رفضت طلبا من الدفاع برد وكيل المحكمة الإنجليزى عن نظر الطعن بالنقض، على أساس  أنه كان عضوا فى المحكمة المخصوصة التى فصلت فى قضية دنشواى التى رأسها بطرس غالي».

 وفى 28 يونيو 1910 نُفذ حكم الإعدام فى إبراهيم الوردانى.

و قد لاحظ أستاذنا محمود كامل أن من العجيب أنه أيضا، فى مثل هذا الشهر من عام 1906 بل فى نفس اليوم من نفس الشهر (شهر يونيو) نفذ حكم الإعدام فى المتهمين الأربعة الذين قضت المحكمة المخصوصة برئاسة بطرس بطرس غالي باشا  بإعدامهم فى قضية دنشواى، وهى القضية التى ظل شبحها يخيم على جلسات محاكمة الوردانى».

دوره في المجتمع القبطى

كانت لبطرس بطرس غالي باشا  أياد بيضاء كثيرة على ما سمي منذ عهده بالمجتمع القبطى فى القاهرة، وإليه يرجع الفضل فى تأسيس عدد من المدارس ودور العلاج القبطية، كما أسس بطرس بطرس غالي باشا  الجمعية الخيرية القبطية (1881) .

الجامعة الأهلية افتتحت في عهده

تصادف فى عهد وزارته أن افتتحت الجامعة الأهلية، ومن الطريف أن قام بطرس بطرس غالي باشا  بتمثيل الخديو عباس حلمي فى حفل الافتتاح نظرا لغياب الخديو فى الخارج.

ضريحه الخاص في كنيسته الخاصة

بعد عام من وفاة بطرس بطرس غالي باشا  نقل جثمانه إلى قبر جديد شيد فى الكنيسة البطرسية المعروفة باسمه ، بدير الأنبا رويس بشارع رمسيس، وهى الكنيسة التي لا تزال قائمة حتى الآن فى مدخل جانبي بجوار الكاتدرائية الكبرى بالعباسية، التي لم تبن إلا بعد ستين عاما من بناء كنيسة بطرس غالي ، ويروى أن بطرس بطرس غالي باشا  قد أنفق على قبره وعلى الكنيسة ما لا يقل عن العشرين ألفا من الجنيهات.

وقد ألقى أمير الشعراء أحمد شوقى قصيدة معروفة عند نقل رفات الفقيد إلى قبره الفخم الواقع داخل كنيسته الخصوصية المعروفة باسمه وقد قال شوقى فى قصديته ضمن أبيات كثيرة:

قبر الــوزير تحيـــة وســـلاما            الحــلم والمعــروف فــيك أقاما

ومحاسن الأخلاق فيك تغيبت             عـاما وسـوف تغـــيب الأعواما

قد كنت صومعة فصرت كنيسة           فى ظلها صــلى المطيف وصاما

وقال :

القوم حولك يا ابن غالي خشع             يقضــون حــقا واجبا وذمـاما

يبكون موئلهم وكهف رجائهم             والأريحى المفضــل المقـــداما

يسمون بالأبصار نحو سريره             كالأرض تنشد فى السماء غماما

وقال :

نم ما بدا لك فى الكنيسة نافضا            هم المنــاصب عنـــك والآلاما

ماذا لقيت من الرياسات العلى             وأخـذته مــن نعـم الحياة جساما

اليوم يغنى عنك لوعة بائس               وعــزاء أرمــلة وحـــزن يتامى

والرأى للتاريخ فيك ففى غد               يــزن الرجال وينطق الأحكاما

وعرج شوقى إلى الوحدة الوطنية  

اعهـدتنا والقبـــط إلا أمــة                 فى الأرض واحــدة تروم مراما

نعلى تعاليم المسيح لأجلهم                 ويوقــرون لأجــــلنا الإسلاما

و وصل شوقى إلى أشهر أبياته في هذا الموضوع :

الـدين للديان جل جلاله           لـو شــاء ربــك وحد الأقواما

وفى هذه القصيدة أيضا يوجه شوقى بيته الجميل الشهير للأقباط الذى فيه قوله:

هذى قبوركمو وتلك قبورنا             متجــاورين جمــاجما وعظاما

صورته في أدبيات التاريخ المعاصر

أصبح بطرس بطرس غالي باشا رمزاً لمشاركة الأقباط فى الحياة السياسية فى مصر الحديثة وأصبح رأس أسرة تولى عدد من أفرادها مناصب الوزارة.  فقد تولاها اثنان من أبنائه ،واثنان من أحفاده ، و واحد من أبناء أحفاده كان أداؤه المستفز كفيلا بإعادة مشاعر الكراهية مضاعفة إلى جده الأكبر .

 والحق أن صورة بطرس بطرس غالي باشا  في أدبيات التاريخ المعاصر لا تراوح مكانة الانتقاد القاسي و المستمر  وذلك  على الرغم من أن شخصيته لا تخلو من مميزات جعلت الدكتور محمد حسين هيكل على سبيل المثال يخصص له ترجمة مهمة فى كتابه «تراجم من الشرق والغرب».

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة