إيران والإخوان..ما الجديد؟!

لم يكن هذا اللقاء هو الأول من نوعه بين قيادات إخوانية ومسؤولين إيرانيين، إذ تمتد العلاقة بين الطرفين إلى مؤسس الجماعة حسن البنا

 

لم يكن ما نشرته  مجلة “انترسبت” الأمريكية مؤخرا عن لقاء جمع نائب المرشد العام لجماعة الإخوان إبراهيم منير مع بعض المسؤولين الإيرانيين في العام 2014 مفاجئا أويمثل حدثا كبيرا بحد ذاته، لكن ربما  كان الجديد فيه حسب الوثيقة التي نشرتها المجلة نقلا عن المخابرات الإيرانية هو رفض الإخوان المسلمين أي مساعدة من إيران في مواجهة إنقلاب السيسي ، وقيمة هذا الكشف أنه شهادة لصالح الإخوان الذين أظهرت الوثيقة أنهم مبدئيون لا براجماتيين في وقت كانوا في أمس الاحتياج إلى حليف إقليمي قوي يساعدعهم على مواجهة الانقلاب الذي كان في عامه الأول.

منذ أيام البنا

لم يكن هذا اللقاء هو الأول من نوعه بين قيادات إخوانية ومسؤولن إيرانيين، إذ تمتد العلاقة بين الطرفين إلى مؤسس الجماعة حسن البنا الذي شارك في تأسيس جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية مع الشيخ تقي الدين القمي وآخرين عام 1947، وظل الإخوان أوفياء لخط التقريب حتى الوقت الحاضر، وهو ما ظهر في تصريحات نائب المرشد إبراهيم منير تعقيبا على ما نشرته “انترسبت”، رغم أن هذه الجهود نشطت حينا واختفت أحيانا لأسباب كثيرة ليس المجال لشرحها.

كما أن الإخوان المسلمين كانوا من أوائل المرحبين بالثورة الإيرانية ضد نظام الشاه، وتعددت زيارات بعض قادتهم سواء المقيمين داخل مصر أو خارجها إلى طهران،  وكان أشهرها مساعيهم لوقف الحرب العراقية الإيرانية، ونجاحهم في الإفراج عن صيادين مصريين كانت إيران تحتجزهم منتصف الثمانينيات خلال الحرب،وتشكيلهم لوفد وساطة إسلامي خلال حرب الخليج الثانية، وحين دخل حزب الله في لبنان حربا ضد الكيان الصهيوني في العام 2006 أعلن مرشد الإخوان وقتها مهدي عاكف عن استعداده لإرسال آلاف المتطوعين لدعم الحزب، وظلت العلاقات جيدة حتى تدخلت إيران لدعم الرئيس السوري بشار الأسد ضد الثورة الشعبية، فكانت قاصمة العلاقة بين الطرفين وزاد الطين بلة تدخل إيران لاحقا في اليمن لصالح الحوثيين، وتدخلها في العراق لدعم الحشد الشعبي الذي ارتكب جرائم التطهير العرقي في مناطق السنة، ومع ذلك ظلت شعرة معاوية قائمة بين الطرفين وتجسدت في ذلك اللقاء عام 2014 الذي كشفت عنه مجلة انترسبت الأمريكية، وقد كان آخر لقاء بين ممثلين رسميين للجماعة وممثلين للنظام الإيراني، وإن شارك إبراهيم منير في مؤتمر الوحدة الإسلامية الذي في لندن عام 2017 إلى جوار رجال دين شيعي لكن هذا المؤتمر كن له مسار مختلف إذ إنه مبادرة غير حكومية شارك منير نفسه في إطلاقها منذ التسعينيات مع شخصيات سنية وشيعية عربية وإيرانية تقيم في لندن.

تحسين الصورة

منذ العام 2014 (تاريخ اخر لقاء رسمي بين الطرفين) سعت إيران مرات عديدة للتقارب مع جماعة الإخوان المسلمين، بهدف تحسين صورتها في العالم السني، لإدراكها أن جماعة الإخوان هي اكبر تنظيم شعبي سني ممتد بشكل مباشر أو غير مباشر عبر معظم إن لم يكن كل الدول الإسلامية، لكن هذه الجهود قوبلت بصدود من الإخوان بسبب موقف إيران في سوريا واليمن والعراق، وبشكل عام موقفها المعادي للربيع العربي، ودعمها لبعض الثورات المضادة ومنها ما حدث في مصر نفسها، ورغم أن ساسة وباحثين إيرانيين التقوا معارضين مصريين في إسطنبول إلا أن الجماعة لم تشارك في هذه اللقاءات رغم دعوة بعض ممثليها للمشاركة.

حسب وثيقة المخابرات الايرانية التي نشرتها “إنترسبت”مؤخرا فإن ممثلي الإخوان في اللقاء الذي تم في 2014 رفضوا عرضا إيرانيا بتقديم الدعم للجماعة (وهذه شهادة للجماعة برفضها قبول تمويلات سياسية من غير أعضائها)، كما رفضوا فكرة عقد تحالف  إخواني إيراني مناهض للسعودية، رغم أن الأخيرة كانت في أوج عدائها للإخوان وفي أوج دعمها لانقلاب السيسي، وتحركها لتصنيفهم جماعة إرهابية، كما أن ممثلي الإخوان –حسب الوثيقة- طالبوا الوفد الإيراني بوقف استهدافهم للسنة في العراق وتمكينهم من المشاركة الفعالة في السلطة، وحسب تصريحات إبراهيم منير تعليقا على ما نشرته المجلة فقد أوضح أن اللقاء استهدف الاستماع إلى الإيرانيين الذين طلبوا اللقاء، وفي الوقت نفسه توضيح موقف الإخوان ضد السياسة الإيرانية في العراق وسوريا واليمن.

حين تتهيأ الأسباب

تصريحات منير الأخيرة تشي بأن الباب مفتوح للحوار حين تتهيأ الأسباب، لكن استعادة العلاقات الدافئة السابقة لا تزال أمرا مستبعدا، مالم تغير إيران سياساتها في سوريا والعراق واليمن، صحيح أن الطرفين سواء الإخوان أو إيران يعانيان ضغوطا سياسية قوية، فالإخوان يعانون من قمع النظام المصري والدعم الإقليمي له، وإيران تعاني من الحصار الدولي لها، وتصاعد الغضب الشعبي الداخلي، وتضرر صورتها لدى الشعوب الإسلامية، وهو ما يقود نظريا إلى استنتاج بإمكانية التقارب بين الطرفين مجددا، لكن للصورة أبعاد أخرى فإخوان مصر والذين يمثلون قلب الجماعة لا يمكنهم تجاهل أشقائهم في سوريا والعراق واليمن، وإيران لا يمكنها التخلي عن أذرعها في تلك الدول وغيرها، وبالتالي فإن الأمر يحتاج إلى معجزة، أو على الأقل مبادرة مرضية من إيران يمكن قبولها من الشعوب التي تضررت من سياساتها وتحالفاتها.

أمام إيران فرصة لتصحيح أخطائها في المنطقة عبر مسارات التسوية للأزمات الكبرى التي صنعتها في المنطقة مثل سوريا واليمن، حيث تجري بالفعل حاليا تفاهمات وتسويات بعضها علني وأغلبها في الغرف المغلقة، ويمكن لإيران أن تضغط على حلفائها وأذرعها لقبول تسويات ترضي السوريين واليمنيين، وتنهي الحرب في كلتا الدولتين، كما أن أمامها فرصة للتخلص من وجهها الطائفي الذي لازمها خلال الفترة الماضية عبر التركيز على دعم القضايا الجامعة للأمة الإسلامية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ومواجهة الغطرسة الغربية الاستعمارية، وصناعة تحالف إسلامي دولي قوي قادر على الدفاع عن القضايا الإسلامية في العالم، فهل تفعلها إيران؟؟.

 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه