مقالات

البرلمان في مصر وأمريكا!

 

يصعب وضع البرلمان في مصر وأمريكا في جملة واحدة مفيدة، البرلمان الأمريكي هو الجملة المفيدة، وهو لا يحتاج لشرح وتحليل طويل عن كونه غرفة تشريعية من طراز فريد في الحرية والديمقراطية على مستوى العالم، وفي القيام بدوره وصلاحياته الدستورية في مراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها، وفي التمثيل الحقيقي المخلص للشعب الأمريكي، هو برلمان نموذج يُقاس عليه عمل البرلمانات في كل بلد ديمقراطي.

أما البرلمان المصري فهو جملة أخرى جعلت نفسها هامشية بسبب ممارساته منذ انتخابه في 2015 وحتى الآن، فقد ترسخت صورة سلبية عنه في الذهنية الشعبية لم تقتصر على تيارات معارضة متنوعة فقط، إنما شملت تيارات التأييد، وفي القلب منها الفئة الأشد ارتباطاً بالسيسي، إنه اتفاق عفوي، بين من لا يتفقون على شيء، يُثبت صحة الاستنتاج، ويؤكد أزمة هذا البرلمان سواء في الأداء، أو في صورته العامة أمام الشعب.

التنفيس وامتصاص الغضب

قبل أيام استمعت إلى كلمة رئيس الهيئة البرلمانية لأحد الأحزاب التي لها تمثيل كبير في مجلس النواب وهو يشتكي من عدم قدرة النواب على لقاء الوزراء لعرض مشاكل الدوائر وحلها، وتحدث بغضب عن شكاوى الناس من الغلاء والفقر، وتراجع مستوى الخدمات والمرافق خاصة التعليم والصحة، وقبله كانت شكوى وكيل البرلمان من أن الوزارات ترد بعد أشهر على مطالب البرلمان، والشكوى تصل إلى عدم حضور الوزراء للجلسات، وعدم التفاعل مع ما يجري تحت القبة، وهي شكاوى تُعلن اليوم كمحاولة للتنفيس العام، وتخفيف درجة الاحتقان الشعبي، وتصدير صورة أن البرلمان ممثل الشعب يواجه تعنتاً من الحكومة في التجاوب معه، وهي صورة غير مقنعة ذلك أن الحكومة والبرلمان لا يعملان كسلطتين مستقلتين وفق الدستور، إنما سلطة واحدة بجناحين، والانتفاضة البرلمانية المؤقتة اليوم تتم في إطار توزيع أدوار، ممن يمسك بكافة الخيوط في يديه خلف الستار.

وحتى إذا افترضنا أن الحكومة أخذت تستهين بالبرلمان ونوابه، فهو وحده يُسأل عن الوصول لهذه الحالة، ففي يديه سلطات دستورية تجعل الحكومة ومختلف أجهزة الدولة تتلفت وراءها وهي تعمل، وتكون حاضرة وقتما يحدد هو حضورها.

ورغم أن صوت النقد لمسار البرلمان الحالي وصل إليه مبكراً فإنه لم يهتم بتحويل نفسه إلى جملة مفيدة في النظام السياسي بممارسة صلاحياته كما وردت في الدستور من خلال حسن تمثيل الشعب، والدفاع عنه بمواجهة السياسات الاقتصادية والاجتماعية القاسية، ومراقبة الأداء الحكومي بصرامة، ومحاسبة الأجهزة التنفيذية المقصرة بشدة، وهذا كان أفضل له كمؤسسة تشريعية مستقلة، وأجدى لسلطة التنفيذ طالما تتحدث دوماً عن العمل لصالح المواطنين، وبناء دولة جديدة، ومحاربة الفساد، ومطاردة المقصرين.

برلمان أمريكا وعزل الرئيس

قبل أيام، وبينما كان السيسي يطالب البرلمان بالقيام بدوره الرقابي باعتباره مؤسسة ضمن مؤسسات الدولة، كان البرلمان الأمريكي يعقد جلسة تاريخية للتصويت على مشروع قانون لإطلاق إجراءات التحقيق مع الرئيس ترمب تمهيداً لعزله من منصبه بتهم عدة هي التماس مساعدة أجنبية، وتشويه سمعة منافسه، وخيانة القسم، والأمن القومي، ونزاهة الانتخابات.

كل هذه الاتهامات الثقيلة للرئيس المنتخب للقوة الأعظم في العالم بسبب عدة دقائق في مكالمة جرت بينه وبين الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي يوم 25 من يوليو/تموز الماضي دعاه فيها لإعادة فتح ملف قضية فساد شركة أوكرانية كان جرى التحقيق فيها مع هانتر نجل جون بايدن نائب الرئيس الأمريكي السابق أوباما، وأُغلقت القضية من دون توجيه اتهام.

يريد ترمب إخضاع هانتر للتحقيق مجدداً لاستثمار ذلك دعائياً في شن حملات هجومية عنيفة تستهدف بايدن أكثر من ابنه باعتباره المرشح المفترض الأقوى عن الحزب الديمقراطي في مواجهته بانتخابات الرئاسة 2020.

بضع كلمات كان ممكناً أن تمر، أو تُوجه عدة كلمات نقد للرئيس داخل مجلس النواب أو الشيوخ، أو تُكتب عدة مقالات في الصحف لتقريعه وينتهي الأمر، لكن في دولة القانون والديمقراطية لا يمر الخطأ أبداً خاصة لو صدر عن الرئيس، فللمنصب حدوده وتبعاته والتزاماته ومسؤولياته، والهفوة لا يمكن التغاضي عنها إذا كان فيها شبهة استغلال نفوذ، أو محاولة المس بالخصم السياسي، أو انتهاك قواعد اللعبة السياسية والديمقراطية.

وفكرة إطلاق تحقيق لعزل الرئيس في مصر منذ تأسيس الجمهورية من المستحيلات البرلمانية، فليس لها مجرد سوابق في التفكير، حتى يتأّمل البعض طرحها يوماً للنقاش على غرار أمريكا مثلاً، بل يذهب البرلمان بعيداً ويبتدع سُنّةً جديدةً في التماهي مع السلطة التنفيذية بالوقوف دعماً للرئيس وسياساته.

التفريط في الوظائف والمهام

عندما يطلب السيسي من البرلمان مراقبة الوزراء، والحكومة، والقيام بدوره، وأن يعمل لأجل الدولة، وليس النظام، فإنه يقول ما هو مكتوب في الدستور عن بعض وظائف البرلمان التي يفرط فيها ولا يمارسها وينتظر اتجاه الريح الرئاسي ليسير معه، والأصل أن يسير في اتجاه آخر، وهو تخفيف معاناة الشعب، وتحقيق مطالبه، ورقابة السلطة التنفيذية، ومحاسبتها.

ومؤخراً، عند الخروج قليلاً من حالة الإنكار، وإدراك السلطة لوجود تململ شعبي من مصاعب الحياة، والجدل بشأن ما ورد في فيديوهات المقاول محمد علي عن أوجه إنفاق جانب من المال العام في بناء استراحات وفيلات وقصور رئاسية، فإن الذهنية المحركة لخيوط اللعبة فتحت صنبور النقد قليلاً، وانبرى من كانوا بالأمس يزينون الأوضاع ويعتبرونها مثالية، لممارسة النقد بصوت عالٍ اليوم في قضايا فرعية تاركين القضايا الرئيسية، ولهذا لم يكونوا مقبولين ولا مقنعين لأنهم مكشوفون.

هذه الحالة من النقد الفجائي تتم وفق حسابات دقيقة، ولوقت محدود، ومن شخصيات مُختارة بعناية حتى لا تفلت الخيوط ويصير النقد حالة عامة ويدخل في مناطق ممنوعة، ويصعب السيطرة عليه مرة أخرى، ذلك أنه ضمن معالم الخريطة ألا يتكرر شيئاً كان يحدث قبل 25 يناير وتسبب في التهيئة الشعبية للانفجار الذي أسقط مبارك.

نانسي بيلوسي وطنطاوي ويوسف

في برلمان أمريكا، النواب يُحاكمون الرئيس، ويستعدون لعزله من منصبه، وقد ذهبت نانسي بيلوسي رئيس مجلس النواب، ومعها 232 نائباً صوتوا ضد الرئيس، مطمئنين إلى بيوتهم، ينامون قريري العين بعد إنجاز قانون بدء محاكمة ترمب، ورغم السلطات الدستورية الممنوحة للرئيس فإنه لا يمتلك في هذه الحالة غير الرد على مجلس النواب بالتغريد على تويتر، وإصدار البيت الأبيض بيانات لتأكيد براءته.

بينما في برلمان مصر النواب يوافقون ويصفقون جماعة (مشهد الموافقة على اتفاقية تسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية) والنفر القليل الذي يتبنى رأياً مختلفاً، مهما كانت عليه من ملاحظات، قد يتعرض للهجوم داخل القاعة، أو تتم إحالته للجنة القيم تمهيداً لإسقاط عضويته، مثل النائب أحمد طنطاوي، أو التشهير به في الإعلام وفضحه عبر تسريب مقاطع فيديو خاصة به، كما حدث مع خالد يوسف، فضلاً عن تقديم بلاغات ضدهم تطالب بمحاكمتهم، وقد يكون الطرد من البرلمان مصير طنطاوي قريباً لأنه خرج عن السيطرة، وخطابه السياسي النقدي دخل حقل ألغام خطير، فهل يدري ما يفعل ويستعد لدفع تكاليفه، أم هو اندفاع غير محسوب، وانتحار برلماني وسياسي؟

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة