عبد الخالق ثروت باشا : المحظوظ الذي لم يستمتع بالحظ

ومع هذا كله، فإن عبد الخالق ثروت باشا لم يكن قديسا ولا ملاكا، بل كان سياسيا مناورا ذكيا، وكان في ذكائه السياسي على مستوي رفيع

 

أبدأ بمفارقات غير مشهورة وهي أن السياسي الوحيد من قبل الثورة الذي اجتمع نسله بنسل أحد زعماء ثورة ١٩٥٢ كان هو عبد الخالق ثروت باشا، ذلك أن واحدا من أحفاد ابنته وهو الأستاذ عبد الخالق ثروت شمس الدين عبد الغفار تزوج السيدة لبنى ابنة الرئيس أنور السادات التي هي كبرى بناته من زوجته الثانية السيدة جيهان السادات ، كان شمس الدين عبد الغفار باشا (جد صهر الرئيس السادات) زوجا للسيدة عنايات ابنة الباشا عبد الخالق ثروت ، و قد شاع عني ما رددته كثيرا من أن هذا النسب كان أعلى وأهم من إصهار الرئيس السادات و زوجته السيدة جيهان في ابنتيهما التاليتين إلى كل من  المهندس سيد مرعي والمهندس عثمان أحمد عثمان ، فبهذا النسب أصهر السادات لعائلة ثروت بقيمتها  وجذورها التاريخية،  و لعائلة عبد الغفار بسطوتها في إقليم المنوفية.   

المفارقة الثانية ترتبط بالشارع الذي يحمل اسمه في وسط القاهرة ، فقد أصبح في السنوات الأخيرة ميدان كر وفر بين سلطات الشعب وقوات الشرطة فيما يمت بصلة لصراع الثورة والثورة المضادة ، وهو ما يذكر المصريين بأحداث ذروة هذا الصراع في شارع محمد محمود باشا ، ومن الطريف أن الرجلين كانا رئيسين للوزارة ، و وزيرين للداخلية في فترات مثل ذلك الصراع بين الثورة والثورة المضادة ، ومن الأكثر طرافة أن رئيس الوزراء و وزير الداخلية الذي شهد أقصى ذرى ذلك الصراع وهو إسماعيل صدقي باشا لا يجد حتى الآن شارعا باسمه ، فقد توفي في عهد وزارة الوفد الأخيرة فلم تأت حتى الان فرصة لإطلاق اسمه على شارع قاهري ، وربما كان هو الأولى بأن يطلق اسمه على أهم شوارع العاصمة الإدارية الجديدة بأسوارها و أستارها !

المفارقة الثالثة هي أنه من بين كل السياسيين المصريين في النصف الأول من القرن العشرين فإن أحدا لم يعش عمرا أقصر مما عاشه عبد الخالق ثروت باشا ( 1873- 1928 ) الذي عاش أقصر حياة بين هؤلاء السياسيين جميعا  حتي من رئيسي الوزراء اللذين تعرضا للاغتيال وهما أحمد ماهر (57 عاما) والنقراشي (60 عاما)، ومن رئيس الديوان الملكي الذي توفي في حادث تصادم فظيع أحمد حسنين (57 عاما)، أما عبد الخالق ثروت باشافقد توفي وهو في الخامسة والخمسين من عمره، مع ما كان ينتظره من مكانة متقدمة بين السياسيين المعاصرين جميعا.

كانت وفاة عبد الخالق ثروت باشا المبكرة استمرارا لما يصفه البسطاء بأنها الإجهاضات التي شهدتها حياته الحافلة بالنجاحات الساحقة التي رزقها مستشارا و مديرا (محافظا ) و نائبا عاما ، و وزيرا ، و رئيسا للوزراء ، ورئيسا لحزب الأحرار الدستوريين ، و رئيسا  للجمعية الخيرية الإسلامية ، و رئيسا للنادي الأهلي ،وهو ما لم يرزقه (على هذا النحو من التكثيف) أحد غيره ، ومن الإنصاف أن نقول إنه هو نفسه الذي أجهض حظوظه .

القدرة على اكتشاف الموهبة

كان عبد الخالق ثروت باشا في سياق التاريخ الوطني ثاني زعيم من الزعماء السياسيين بعد سعد زغلول باشا في التمتع بالقدرة على اكتشاف وتقديم ودعم واستقطاب الشخصيات الواعدة والحصول على تقديرها ورضاها. ولي على هذا القول أكثر من دليل، ولعل أبلغ دليل هو موقف عبد الخالق ثروت باشا من النحاس باشا في بداية حياته وهو موقف غير مشهور، فقد تخرج النحاس في كلية الحقوق وآثر العمل بالمحاماة رغم أن ترتيبه كان الأول على دفعته، ومن قبل كان الأول على البكالوريا وعلى الابتدائية، وكانت للنحاس باشا أسبابه الوجيهة في هذا الاختيار لمستقبله الشخصي. ولكن عبد الخالق ثروت باشا وضع عينه على النحاس وصمم على أن يفيد القضاء المصري من كفاءته البارزة، ومازال بالنحاس حتي أقنعه وضمه بالفعل إلى سلك القضاء، بل إنه استعان على إقناع النحاس باشا بوالده رغم أنه لم يكن يعرفه، والسؤال: مَنْ من رجال القضاء الكبار فعل مثل هذا؟

وقل مثل هذا و أكثر في دفعه بعبد الحميد بدوي باشا إلى مواقع التأثير .

بل إن من الأدلة الرائعة على امتداد مظلة عبد الخالق ثروت باشا إلى الشخصيات الواعدة، موقفه المجيد من الدكتور حافظ عفيفي باشا (الذي أصبح فما بعد وزيرا للخارجية في وزارة عبد الخالق ثروت باشا نفسه)، فقد كان حافظ عفيفي باشا قد اتهم في مقتل بطرس غالي باشا ، إذ كان بمثابة الصديق الصدوق لإبراهيم الورداني قاتل بطرس غالي باشا ، كما أنه كان عضوا في الجمعية السرية التي ينتمي إليها الورداني، وفضلا عن هذا فقد ثبت من التحقيقات أنه  كان على صلة وثيقة بالورداني في الساعات أو الأيام التي سبقت مصرع بطرس غالي باشا ،ثم شاءت الظروف أن يمثل عبد الخالق ثروت باشا سلطة الاتهام في قضية مقتل بطرس غالي التي اتهم فيها عدد من أعضاء هذا الحزب، فلم يندفع إلى أن يقحم الحزب الوطني أو الجمعية السرية في القضية، بل حصر الاتهام  في المتهمين كأفراد، دون التركيز على حزبهم، وهذا الموقف غير مشهور، لكن الدكتور محمود كامل في مذكراته «يوميات محام» سجله بالتفصيل ونقلناه عنه .

ومع هذا كله، فإن عبد الخالق ثروت باشا لم يكن قديسا ولا ملاكا، بل كان سياسيا مناورا ذكيا، وكان في ذكائه السياسي على مستوى رفيع هو المستوي الذي لا يسمح للمتأمل بأن يشرك معه فيه من جيله إلا الباشوات الثلاثة التالين لسعد زغلول زعيم الأمة: رشدي وعدلي وصدقي نعم فقد كان عبد الخالق ثروت باشا نموذجا فذا للكفاءة القانونية والسياسية، وباختصار شديد فإليه، قبل غيره، يرجع الفضل في إعلان ما عرف على أنه استقلال مصرفي تصريح ٢٨ فبراير 1922. وإليه أيضاً يرجع الفضل في وضع الدستور المصري الأول (دستور 1923) الذي وصف في وقته بأنه وضع على أحدث المبادئ العصرية.

كان عبد الخالق ثروت باشا مصريا صميما، وكانت عائلته ذات وجود ممتد في البيئة المصرية، ولم يكن هو نفسه ولا والده من الأجيال الوافدة، وقد كان والده إسماعيل عبد الخالق فيما يرويه العارفون من أصل مغربي أما والدته فكانت من أصول تركية، كذلك يتواتر أن جده عبد الخالق أفندي كان من كبار الموظفين في أوائل عهد محمد على، وربما أنه يمت للأسرة العلوية بصلة قرابة.

تعلىمه و تفوقه القانوني المبكر

تلقى عبد الخالق ثروت باشا تعليمه في مدرسة عابدين الابتدائية، ثم التحق بالمدرسة التوفيقية، ثم كان أول الناجحين في ليسانس الحقوق (1893) في الدفعة التي تخرج فيها أيضا الزعيم محمد بك فريد رئيس الحزب الوطني، وعين الاثنان في قلم قضايا الدائرة السنية .

انتقل عبد الخالق ثروت باشا إلي وزارة الحقانية ، حيث شغل وظيفة سكرتير للمستر سكوت (1841- 1904) المستشار الإنجليزي لوزارة الحقانية. واستمر عبد الخالق ثروت باشا كذلك في عهد المستر مكلريث المستشار القضائي الذي خلف المستر سكوت . ولما عين في وظيفة قضائية بقي يؤدي مهام منصب السكرتير.

انتقل عبد الخالق ثروت باشا مستشارا للجنة المراقبة القضائية، ولما أنشئت محكمة الأحداث انتدب قاضيا لها مع الاحتفاظ بوظيفته في لجنة المراقبة القضائية، ثم عين وكيلا لمحكمة قنا مع بقائه في لجنة المراقبة. وبقي شاغلا لمنصب السكرتير القضائي بها، ثم اختير مستشاراً بمحكمة الاستئناف الأهلية..

رحلته مع المناصب السياسية

اختير عبد الخالق ثروت باشا مديرا (محافظا) لأسيوط ١٩٠٧- ١٩٠٨ بادئا بهذا سلسلة من مناصبه في الإدارة العليا، ثم سرعان ما عاد إلى المناصب القضائية حين عين نائبا عموميا في سن مبكرة ١٩٠٨ وحتى ١٩١٤ حيث أصبح وزيرا.

عمل عبد الخالق ثروت باشا وزيراً لأول مرة حين رأس رشدي باشا الوزارة، وقد بلغ من متانة علاقتهما أنه تولي وزارة الحقانية طيلة وزارات رشدي باشا الأربع (15 أبريل 1914 ـ 22 أبريل 1919)

  • الأولي (١٥ إبريل ١٩١٤-١٩ ديسمبر ١٩١٤)
  • والثانية (١٩ ديسمبر ١٩١٤-٩ أكتوبر ١٩١٧)
  • والثالثة (١٠ أكتوبر ١٩١٧-٩ إبريل ١٩١٩)
  • والرابعة (٩إبريل ١٩١٩-٢٢ إبريل ١٩١٩)

ومن الجدير بالذكر أن سلفيه المباشرين في منصب وزير الحقانية كانا هما سعد زغلول باشا وحسين رشدي باشا .

لم يشترك عبد الخالق ثروت باشا في الوزارات الإدارية الثلاث المشهورة (مايو 1919 ـ مارس 1921) التي تولت الحكم رغم ثورة الشعب (ثورة 1919).

عودته الأولى إلى الحكم

لما شكلت وزارة الثقة برئاسة عدلي باشا في مارس 1921 أصبح وزيراً للداخلية فيها (١٦ مارس ١٩٢١-٢٤ ديسمبر ١٩٢١)، بينما عمل إسماعيل صدقي باشا في هذه الوزارة كوزير مالية، على حين قبل حسين رشدي باشا نفسه أن يتولي منصب نائب رئيس الوزراء ليكتمل بهذا تعاون هؤلاء الأربعة المتميزين من سياسيينا الكبار.

ثم كان من حظ عبد الخالق ثروت باشا أن يتولى رئاسة الوزارة التالية (1 مارس 1922 ـ 29 نوفمبر 1929)، وهي أولى وزارات عهد الملكية، وقد احتفظ فيها بوزارتي الداخلية والخارجية لنفسه، هو بمثابة أول رؤساء الوزارة في عهد الملكية كما كان أيضا  بمثابة أول وزير للخارجية بعد عودة هذه الوزارة إلى الوجود  في البنيان الوزاري المصري ، وهو الذي تولي إعادة تأسيسها.

 وهكذا فإن عبد الخالق ثروت باشا تميز حتى الآن بتولي ثلاث وزارات مهمة على التوالي: الحقانية والداخلية والخارجية، في وزارات رشدي، وعدلي، وعبد الخالق ثروت باشا نفسه!!

عودته الثانية والأخيرة للحكم

بقي عبد الخالق ثروت باشا بعيدا عن المناصب الوزارية حتى حدث الائتلاف بين الأحزاب وشكل عدلي باشا يكن وزارته الثانية و قبل عبد الخالق ثروت باشا أن يعمل تحت رئاسة عدلي في هذه الوزارة،  وأن يتولى وزارة الخارجية في وزارة عدلي يكن الثانية (٧ يونيه ١٩٢٦-٢١ إبريل ١٩٢٧)

وقدم استقالته إثر رفض مجلس النواب لنتائج مفاوضاته مع تشمبرلين.

و على نحو ما خلف عبد الخالق ثروت باشا زميله عدلي في وزارته الأولي ، فإنه خلفه أيضا في وزارته الثانية، وهذا من أطرف ما يمكن، لكنه كان أمراً طبيعياً في ظل الاتفاق بين توجهات الرجلين، وقد شكل عبد الخالق ثروت باشا وزارته الثانية التي استمرت قرابة عام (25 أبريل 1927 ـ 16 مارس 1928) والتي في أثناء حكمها توفي سعد باشا زغلول باشا وقد احتفظ لنفسه طوال عهدها بوزارة الداخلية.

هكذا يمكن أن نلاحظ أن عبد الخالق ثروت باشا لم يعمل وزيراً إلا للحقانية والداخلية والخارجية، مع أنه عمل في ثماني وزارات، منها اثنتان رأسهما هو، واثنتان رأسهما عدلي يكن باشا، وأربع رأسهما رشدي باشا، وكان آخر عهد عبد الخالق ثروت باشا بالمناصب الوزارية هو مارس 1928 حيث خلفه مصطفي النحاس باشا.

ومن العجيب والطريف أن الملك فؤاد لم يكن يحب عبد الخالق ثروت باشا حتى قيل إنه كان على استعداد للتعاون مع مصطفي النحاس باشا أكثر من استعداده للتعاون مع عبد الخالق ثروت باشا، وقد روي كريم ثابت في مذكراته ما يؤكد أن الملك فؤاد لم يكن يحب عبد الخالق ثروت باشا، ولولا ذلك لاستمر، لكنه على كل حال توفي في 1928 فكان بوفاته أسرع إلى البعد عن الحكم من رئيسه و زميله عدلي باشا يكن، الذي تميز عنه بأنه عاد ليتولى رئاسة الوزارة للمرة الثالثة في 1929 فيما بين وزارتي محمد محمود الأولي، ومصطفي النحاس الثانية.

قيمته التاريخية

يرى المؤرخون أن  قمة نجاحاته السياسية تتمثل في  انتزاعه ما عرف بتصريح ٢٨ من فبراير عام ١٩٢٢ من انجلترا وبموجبه اعترفت بمصر دولة مستقلة ذات سيادة مع تحفظات أربعة (إعلان ١٥ مارس ١٩٢٢)، وتغير لقب الملك فؤاد من السلطان إلى الملك،

إنجازات  وزارتيه

يري بعض المؤرخين فضلا كبيرا لعبد الخالق ثروت باشا على الحياة السياسية والتشريعية في مصر، فإليه يرجع الفضل في وضع قانون الانتخاب وتوفير الاعتماد المالي بمبلغ 50 ألف جنيه لإنشاء مقر للبرلمان. و إليه يرجع الفضل أيضا في تعديل قانون تحقيق الجنايات ، كما أن قانون العقوبات حظي بتعديلات مهمة على يديه، كما تغيرت بعض لوائح المحاكم المختلطة.

وفي عهد وزارته الغيت وظائف المستشارين الإنجليز في الوزارات الحكومية، باستثناء مستشاري المالية والحقانية، وقصر مهمة كليهما على إبداء الرأي والمشورة.

وفي عهد وزارته أوقف حضور المستشار المالي الإنجليزي جلسات مجلس الوزراء

وعلى يديه تحققت تباشير الاستقلال فأصبح الموظفون الأجانب تابعين تماما  لسلطة الوزير المصري، وأخذ في إحلال المصريين محل الأجانب في الجهاز الإداري للدولة

وفي عهد وزارته الأولى الغيت الأحكام العسكرية (ما يناظر قانون الطوارئ و الأحكام العرفية )

كذلك فقد أصدرت وزارته الأولي القانون الخاص بالأسرة الملكية ونظامها، كما أصدرت قانوناً بتصفية ممتلكات الخديو عباس حلمي. ومع هذا فإنه يروي أن حسن صبري ذكر للملك فؤاد أن الخديو عباس حدثه عن ولاء عبد الخالق ثروت باشا له  فكانت هذه الدسيسة سببا في خروج عبد الخالق ثروت باشامن الوزارة  

وفي عهد وزارته الثانية صدر قانون الجمعيات التعاونية (1927) الذي جعل التعاون شبه حكومي، بل إنه رخص لوزارة المالية باعتماد ربع مليون جنيه لتسليف (إقراض) الجمعيات التعاونية الزراعية.

وفي وزارته الثانية صدر قانون إعادة تنظيم الجامعة المصرية، وتم إدراج مبلغ 70 ألف جنيه لإنشاء مبانيها، كما منحت الحكومة نادي الاتحاد السكندري حوالي 4 أفدنة ونصف فدان لإنشاء النادي، وأنشئ كوبري دمياط على النيل، ونفق شبرا الجديد، ووُسع شارع الأزهر، وشارع الجيش، وبهذا فإن المنطقة الشرقية القديمة (الوسطى الآن) من القاهرة تدين له بالفضل في تطويرها الذي لا يزال بمثابة أكبر خطوة تمت في هذه المنطقة.

أعضاء  وزارته  الأولى

ضمت وزارته  الأولى التي عاشت تسعة أشهر ما بين   ١ مارس ١٩٢٢ و ٢٩ نوفمبر ١٩٢٢  

  • إسماعيل صدقي باشا    وزيراً للمالية
  • جعفر والي وزيراً للأوقاف
  • محمد شكري   وزيراً للزراعة
  • حسين واصف   وزيراً للأشغال العمومية
  • إبراهيم فتحي    وزيراً للحربية والبحرية
  • مصطفى ماهر  وزيراً للمعارف العمومية
  • مصطفى فتحي  وزيراً للحقانية
  • واصف سميكة   وزيراً للمواصلات  
  • بينما كان هو نفسه رئيساً للوزارة ووزيراً للداخلية والخارجية.

برنامج وزارته الأولى التي هي أول وزارات  المملكة المصرية

وهذه هي عبارات ثروت باشا في كتابه المطول للملك فؤاد ، وهي الرسالة المعبرة عن توجهاته السياسية التي كان يعد بالعمل من أجلها حين كلف بتشكيل وزارته الأولى في مارس ١٩٢٢

يا صاحب العظمة :

” لم يكن لزملائى ولي ، ونحن نشاطر الأمة أمانيها فى الاستقلال ، إلا أن نقر الوفد الرسمي الذي تولى المفاوضات لعقد اتفاق مع بريطانيا العظمى على ما فعل ، فلم يكن يسعنا أن نتولى أعباء الحكم ما دامت المبادئ التي تسترشد بها الحكومة البريطانية فى سياستها نحو مصر هي تلك التى كانت تظهر من مشروع 10 نوفمبر من العام الماضى ومن المذكرة التفسيرية التي تلته . فإن تولى الحكم فى ظل مثل ههذي المبادئ قد يكون فيه معنى القبول بها .

غير أن الكتاب الذى رفعه فخامة المندوب السامي البريطاني الى عظمتكم وتصريح الحكومة البريطانية في البرلمان قد أحدث تغييراً كبيراً ، فأصبح من الممكن أن تتألف هذه الوزارة ، إذ إنها ترى أن الشعور القومي أصاب توصية من هاتين الوثيقتين ، لا من ناحية الاعتراف باستقلال مصر حالا وقبل أى اتفاق فحسب ، بل ولأن المفاوضات المقبلة ستكون حرة غير مقيده بأي تعهد سابق .

أما وقد جزنا هذا الدور بخير ، فلم يبق على مصر الا أن تثبت لبريطانيا العظمى أن ليس بها فى سبيل حماية مصالحها من حاجة للتشدد فى طلب ضمانات قد يكون فيها مساس باستقلالنا ، وأن خير الضمانات في هذا الصدد وأجلها أثراً هى حسن نية مصر ومصلحتها فى حفظ العهود .

على أن الوزارة ترى أنه لكي تكون جهود البلاد فى سبيل تحقيق كامل أمانيها بحيث تؤتي جميع ثمارها يجب أن يؤلف بين عمل الحكومة وعمل هيئة تنوب عن الأمة ، وأن تسعى الهيئتان متساندتين لأغراض متحدة .

” ولذلك فإن الوزارة عملاً بأوامر عظمتكم ستأخذ فى الحال فى إعداد مشروع دستور طبقاً لمبادئ القانون العام الحديث ، وسيقرر هذا الدستور مبدأ المسؤوليه الوزارية ويكون بذلك للهيئة النيابية حق الإشراف على العمل السياسى المقبل .

” وغنى عن البيان أن إنفاذ هذا الدستور يقتضى إلغاء الأحكام العرفية وأنه على أى حال يجب أن تجرى الانتخابات فى أحوال عادية وفى ظل نظام تمنع معه جميع التدابير الاستثنائية ، وقد سلمت بهذا الوثيقتان اللتان أبلغتا أخيراً الى عظمتكم ، وستتخذ الوزارة بلا إمهال ما يدعو اليه الأمر فى ذلك من التدابير ، كما أنها ستبذل جهدها إعتماداً على حسن موقف الأمة فى الحصول على الرجوع فيما اتخذ من التدابير المقيدة للحرية عملاً بالأحكام العرفية .

” هذا وأن إعادة منصب وزير الخارجية سيعين على العمل لتحقيق التمثيل السياسى والقنصلى لمصر فى الخارج .

” ونظراً لأن النظام الإدارى الحالى لا يتفق مع النظام السياسى الجديد ومع الأنظمة الديموقراطية التى ستمنحها البلاد ، فإن الوزارة قد اعتزمت أن تتولى الأمر بنفسها وبلا شريك فى الحكم الذى ستتحمل كل مسؤوليته أمام الهيئة النيابية المصرية ، وسيكون رائدها فى إدارة شئون الأمة توجهها الى المصلحة القومية دون غيرها .

” والوزارة موقنة بأن أكبر عامل لنجاح مصر فى تسوية المسائل التى بقى حلها ، وأقوى حجة تستعين بها فى تأييد وجهة نظرها هو أن تقبل على هذا الدور الجديد متحدة الكلمة متفائلة القلوب ، وأن تأخذ بدواعى النظام وتلتزم جانب الحكمة .

” والوزارة تحيي العصر الجديد الذي كان لعظمتكم أجل أثر فى طلوعه على الأمه بفضل ما بذلته عظمتكم من المساعي الوطنيه العالية ، وهي واثقة أنها ستلقى من لدن عظمتكم كل تأييد فى عمل الغد ، وأنها لترجو أن يجيء مكملا لجهود البلاد ، وإني لا أزال لعظمتكم العبد الخاضع المطيع والخادم المخلص الأمين ،

عبد الخالق ثروت باشا

القاهرة فى 2 رجب سنة 1340 هـ  ( أول مارس سنة 1922 )

إعادة تأسيسه للدبلوماسية المصرية

بدأ عبد الخالق ثروت باشا بعد تصريح ٢٨ فبراير عام ١٩٢٢، في تصريف أعمال الوزارة  مستعينا بسيف الله باشا يسري  وكيل الوزارة و  فؤاد بك سليم  مديرها العام ، وقد صدر أول “قرار بتقسيم وتنظيم إدارات وزارة الخارجية” في ٤ أغسطس عام ١٩٢٣، واستمر العمل في الوزارة الجديدة يجري على نفس النسق السابق، حين كانت “نظارة خارجية” قبل إعلان الحماية البريطانية على البلاد في ديسمبر عام ١٩١٤، ثم تحولت إلى إدارة من إدارات دار المندوب السامي البريطاني في القاهرة في ظل هذه الحماية، التي استمرت حتى إعلان استقلال البلاد عام ١٩٢٢.

ظلت اختصاصات “الوزارة” تنحصر بالأساس فيما كانت منحصرة فيه في عهد “النظارة”، في الجانب السياسي بالتعامل مع الامتيازات الأجنبية وصندوق الدين والمحاكم المختلطة وقناة السويس، وفي الجانب التجاري بعقد الاتفاقات التجارية والاشتراك في المعارض والأسواق، وأخيرا فيما يتصل بالأجانب في مصر كانت وزارة الخارجية هي المسؤولة عن التعامل مع معتمدي ووكلاء الدول الأجنبية، بالإضافة إلى تصريف الشئون الخاصة بالمؤسسات من منشآت خيرية وجمعيات أجنبية ومدارس وإرساليات.

تشكيل وزارته الثانية

عبد الخالق ثروت باشا   وزيراً للداخلية

جعفر والي باشا وزيراً للحربية والبحرية

 أحمد زكي أبو السعود باشا       وزيراً للحقانية

 محمد فتح الله بركات باشا        وزيراً للزراعة

مرقص حنا باشا          وزيراً للخارجية

 محمد نجيب الغرابلي باشا        وزيراً للأوقاف

على الشمسي باشا        وزيراً للمعارف العمومية

 أحمد محمد خشبه باشا    وزيراً للمواصلات

 عثمان محرم باشا        وزيراً للأشغال العمومية ـ

محمد محمود باشا        وزيراً للمالية ،

  ٢٤ شوال سنة ١٣٤٥ (٢٦ إبريل سنة ١٩٢٧ )  

كتاب استقالة وزارة ١٩٢٨ من عبد الخالق ثروت باشا إلى الملك فؤاد الأول:

مولاي

 أتقدم لسدتكم الكريمة ملتمسا إقالتي نظرا لحالتي الصحية التي تضطرني إلى تجنب الإجهاد عملا بمشورة الأطباء، وإني أشكر لجلالتكم ما أوليتموني على الدوام من جليل الرعاية وشملتموني به من العطف والتأييد. ولا زلت لذات جلالتكم العلية المخلص الوفي، ولعرشكم المفدى الخادم الأمين.”

عبد الخالق ثروت باشا

 القاهرة في ٤ مارس سنة ١٩٢٨.

رد الملك  فؤاد الأول بقبول استقالة وزارة عبد الخالق ثروت باشا :

أمر ملكي رقم ١٣ لسنة ١٩٢٨

  عزيزي عبد الخالق ثروت باشا،

 إن ما أعربتم عنه بكتابكم المرفوع إلينا في ٤ مارس سنة ١٩٢٨ من التماس إقالتكم من مهمة الحكم مراعاة لحالتكم الصحية كان من بواعث الأسف لدينا ، وقد أصدرنا أمرنا هذا لدولتكم، مقدرين خالص ولائكم، وشاكرين لكم ولحضرات الوزراء زملائكم ما بذلتم من جهود في القيام بأعباء مناصبكم ، ونسأل الله أن يمن على دولتكم بأوفر الصحة.” صدر بسراي عابدين في ٢٤ رمضان سنة ١٣٤٦

فؤاد

 ١٦مارس سنة ١٩٢٨.

المقارنة بينه وبين صنوه إسماعيل صدقي باشا

أحب أن أقول إنني لست من الذين يرجحون أنه كان بإمكان عبد الخالق ثروت باشا لو امتد به العمر أن يضيف إلي ما أنجزه بالفعل، على نحو ما توحي به عبارات الدكتور هيكل باشا أو عبارات الدكتور طه حسين باشا ، بل ربما كان من الطبيعي جدا أن يختفي مع أقرانه الحقيقيين الذين يكبرونه في السن من طبقة عدلي ورشدي ، ومع هذا فربما يعترض علي القارئ بسرعة بأن إسماعيل صدقي باشا الذي هو تال  لعبد الخالق ثروت باشا بعامين في المولد و بعام واحد في التخرج من كلية الحقوق والذي اختير لتولي  الوزارة مع عبد الخالق ثروت باشا في نفس اليوم، قد استمر فاعلاً في المناصب الوزارية حتي نهاية 1946، وفي الحياة السياسية المصرية حتى وفاته في 1950 ، وهذا حق، لكني أمتلك التفسير الواضح لهذا الفارق في شخصيتي الرجلين.

كان إسماعيل صدقي باشا أكثر قدرة على التحمل من عبد الخالق ثروت باشا، وربما أجدني مضطرا إلى استخدام لغة الفيزيقيا للتفريق بينهما، فأقول وهي أنه بالرغم من أن عبد الخالق ثروت باشا كان أصلب من إسماعيل إسماعيل صدقي باشا فإن إسماعيل صدقي باشا، كان أقوي من عبد الخالق ثروت باشا بكثير، والدلائل عندي (بل عند القراء) على هذا كثيرة.

ومن العجيب أن هذا الفارق كان واضحا جدا على مستوي المُخرجات بنفس القدر الذي كان واضحا فيه على مستوي المدخلات، وبقدر ما أسهمت عوامل كثيرة في رسم هذا الفارق بين هاتين الشخصيتين العظيمتين، فإن سلوك ومنهج الرجلين في السياسة قد أبان بكل وضوح عن هذا الفارق الجوهري والدقيق.

 من زاوية أخرى فقد كان عبد الخالق ثروت باشا رجل قانون و قضاء في الوقت الذي  كان إسماعيل إسماعيل صدقي باشا رجل إدارة واقتصاد ، وقد اتضح هذا من المنصبين المهمين جدا اللذين وصلا إليهما بكفاءتهما في مرحلة مبكرة من حياتهما، فقد أصبح إسماعيل صدقي باشا مسؤولا عن المجلس البلدي لمدينة الإسكندرية، على حين أصبح عبد الخالق ثروت باشا نائبا عاما، وحين دخلا الوزارة تأكد هذا المعني بطريقة بارزة، فقد أصبح عبد الخالق ثروت باشا وزيرا للحقانية طيلة وزارات رشدي الأربع، على حين تولي إسماعيل صدقي باشا وزارتي  الزراعة والأوقاف

من زاوية ثالثة فقد كان إسماعيل صدقي باشا من ناحية أخري صاحب قدرة فائقة في الشئون المالية والاقتصادية، سواء على مستوى الوزارة والتشريع أو المجلس البلدي أو على المستوى العام أو على مستوى الممارسة في الشركات نفسها، ولم تكن كفاءات عبد الخالق ثروت باشاا لمتميزة في هذا الشأن قادرة على التفوق على كفاءة إسماعيل صدقي باشا، فقد استغرقت القضايا السياسية بكفاءة عبد الخالق ثروت باشا وإخلاصه. وعلى حين وجد إسماعيل صدقي باشا الفرصة أمامه لخوض المعترك الاقتصادي، بل إن عدلي وعبد الخالق ثروت باشا وجدا نفسيهما (على التوالي) في وزارتيهما الأولي تركا وزارة المالية لإسماعيل صدقي باشا.

من زاوية رابعة فقد كانت قدرة عبد الخالق ثروت باشا على معالجة الجانب الفكري في القضايا السياسية والخارجية تفوق قدرات إسماعيل صدقي باشا بمراحل، ويكفي هنا أن تذكر المثل الواضح جدا على كفاءة عبد الخالق ثروت باشا وذكائه الرهيب فإنه في 1922 (أي قبل أربعة وعشرين عاما من موقف مماثل وقفه إسماعيل صدقي باشا في ١٩٤٦) نجح في أن يحصل في نهاية مفاوضاته مع الإنجليز على تصريح من جانب واحد بالاعتراف باستقلال مصر مع التحفظات الأربعة.. وفي المقابل فإن إسماعيل صدقي باشا لم ينجح في الوصول إلى مثل هذا الحل الذكي رغم تمتعه بقدرات تفاوضية عالية، ورغم مكانته الرفيعة التي كان قد وصل إليها بين ساسة العالم كله (على الأقل بحكم الأقدمية).

والحق أن نجاح عبد الخالق ثروت باشا، وتميزه عن إسماعيل صدقي باشا كان كفيلا لإسماعيل صدقي باشا (لو توفر مثله أو قدر كبير منه) بأن ينهي على يديه وجود القوات البريطانية على أرض مصر في 1946 بدلا من 1956، متجاوزا بذلك كل مشكلات مصر في 1948 و1951 و1952 و1954، وربما كان هذا الدور بمثابة الدور الوحيد الذي كان يمكن تحقيقه على يد عبد الخالق ثروت باشا لو امتد به العمر.. لكن حتى لو امتد بعبد الخالق ثروت باشا العمر فإنه لم يكن ليتحمل العمل مع ملك كالملك فاروق (وهو الذي لم يكن يحظى بتحمل الملك فؤاد له، فما بالك بفاروق؟)، ولا مع رؤساء ديوان من قبيل أحمد حسنين باشا ، ولا مع زعماء أحزاب من الموجودين في الأربعينيات، والسبب في هذا هو ما ألمحنا إليه من أن عبد الخالق ثروت باشا كان أصلب من إسماعيل صدقي باشا بينما كان إسماعيل صدقي باشا  أقوي منه.

مثاليته

كان عبد الخالق ثروت باشا أمتن أخلاقاً من نظرائه المعاصرين، وكانت هذه المتانة واضحة بصورة بارزة في أخلاقه الشخصية وأخلاقه البروتوكولية على حد سواء، وكان ميالا كما نعرف إلى حسم الأمور وإحقاق الحق والتزام القانون والحفاظ على النظام، وكان في التزامه بهذه الأخلاق مثاليا، ونحن نعرف أن السياسة لا ترحب بهذه الصلابة الخلقية ولا بأصحابها إلا لفترة قصيرة، في المقابل كان إسماعيل صدقي باشا يتيح الفرصة للاستثناءات والتوفيقات والحلول الوسطى وللخطوات على مرحلتين، وكانت قدرته واضحة في اصطناع دستور جديد وتشكيل برلمان جديد وإنشاء حزب جديد، ولم يكن عبد الخالق ثروت باشا في المقابل ليفكر في أية خطوة من هذه الخطوات فضلا عن أن يخطوها.

لابد الآن أن ننتقل من الحديث عن عبد الخالق ثروت باشا من منظور المقارنة بينه وبين إسماعيل صدقي باشا، لنتحدث عن عبد الخالق ثروت باشابعيدا عن المقارنة.

قدراته الخطابية و الشعبية

كانت قدرات عبد الخالق ثروت باشا البيانية والخطابية هي التي قدمته لمواقع الصدارة وهو واحد من الذين اكتشفهم سعد زغلول باشا فقد سمعه يتحدث في افتتاح الجامعة فكان تعقيب سعد الحاسم كعادته  : “إن خطابه أحسن الخطب تلاوة وإلقاء ومعنى وعبارة”.

وعلى الرغم مما قد يبدو من ابتعاد عبد الخالق ثروت باشا عن الشعبية فقد كان له منها نصيب تاريخي تمثل في  توليه  منصب رئيس النادي الأهلي في الفترة من 1916- 1924.

والحق أنه كان لعبد الخالق ثروت باشا نشاط اجتماعي بارز ، وشارك في مجلس إدارة الجمعية الخيرية الإسلامية ، وفي تأسيس الجامعة المصرية

 إعجاب رواد الأدب به

كان عبد الخالق ثروت باشا واحدًا من مؤسسي أول مجلة مصرية للقانون.

شارك عبد الخالق ثروت باشا في تمويل طباعة كتاب ” المخصص” وهو من كتب التراث النادرة ، وقد بدأت طباعته بمطبعة بولاق عام 1898، وتمت الطباعة سنة 1903 أي استغرقت طباعته خمس سنوات.  كما أنه أشار على دار الكتب المصرية بطبع كتاب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ، ومن الطريف أنه أدرك هذه الأهمية مما لاحظه من اهتمام الأوربيين بذلك الكتاب .

نعرف أن للدكتور محمد حسين هيكل كتابا مهما بعنوان «تراجم غربية وشرقية» ومن بين السياسيين المصريين الذين عاصرهم هيكل باشا فإنه لم يفرد ترجمة كاملة إلا لعبد الخالق ثروت باشا ، مع أنه رثا محمد محمود باشا في وسط مذكراته بفقرة رائعة، وقد فعل نفس الشيء مع عبد الخالق ثروت باشا ، لكنه أفرد له أيضا ترجمة كبيرة حافلة بالحب والتقدير .

كذلك كان عبد الخالق ثروت باشا من الذين حظوا بإعجاب الدكتور طه حسين فقد كانت له عليه أفضال مبكرة، وقد قال عنه طه حسين ضمن ما قال: ” كان عظيم مصر، رجاحة حلم، ونفاذ بصيرة، وذكاء فؤاد، وسعة حيلة وتفوقا في السياسة “

وقال أيضا :  “إن صوته العذب مرآة لنفسه العذبة. وأشهد.. لقد كانت الخصومة السياسية تشتد بينه وبين البعض حتى تنتهي إلى أقصاها. ولكنه يحفظ لهؤلاء الناس في ناحية من قلبه مودة كريمة خالصة”.

وقد سجل  الدكتور طه حسين نفسه  امتنانه لعبد الخالق ثروت باشا في الإهداء الذي قدم به د. طه حسين في كتابه في الشعر الجاهلي  حيث قال :

إلى حضرة صاحب الدولة  عبد الخالق ثروت باشا

سيدي صاحب الدولة: كنتُ قبل اليوم أكتبُ في السياسة، وكنتُ أجد في ذكرك والإشادة بفضلك، راحة نفس تحب الحق، ورضا ضمير يحب الوفاء. وقد انصرفتُ عن السياسة وفرغتُ للجامعة وإذا أنا أراك في مجلسها كما كنتُ أراك من قبل، قويّ الروح، ذكي القلب، بعيد النظر، موفقا في تأييد المصالح العلمية توفيقك في تأييد المصالح السياسية. فهل تأذن لي أن أقدم إليك هذا الكتاب مع التحية الخالصة والإجلال العظيم

وقد وقع  الدكتورطه حسين هذا الإهداء في  22 مارس سنة 1926 .

وفي تاريخنا المكتوب كثير من الوقائع التي تظهر مهارات عبد الخالق ثروت باشا وقدراته ومنها قصة طريفة أوردها الأستاذ فكري أباظة في كتابه «حواديت فكري أباظة» عن مناورة ممتعة نفذها الزعماء الثلاثة: سعد وعدلي وعبد الخالق ثروت باشا على حساب النائب «الوطني» الشاب فكري أباظة

قصة إنقاذه لصديقه حافظ عفيفي باشا من الاتهام بقتل بطرس غالي باشا

نعرف أن بطرس بطرس غالي الكبير قتل  في فبراير 1910 حين كان رئيسا للوزراء،  وكان عبد الخالق ثروت نائبا عاما وقت وقوع جريمة الاعتداء ، بل إنه شهد الاعتداء،  وهو الذي تولٌي التحقيق في القضية واستطاع ثروت باشا الذي أصبح كما نعرف رئيسا للوزراء ووزيرا للخارجية و بجُهد غير عادي أن يُنقذ وزير خارجية لاحقا من أن يشمله الاتهام بالقتل وهذا الوزير المُنقَذ (بفتح القاف) هو حافظ عفيفي وزير الخارجية ورئيس الديوان الملكي بعد ذلك (1886 ـ 1961)، وقد لخصت هذه القصة تحت العنوان الموحي :  وزير خارجية أنقذ وزيرا للخارجية من الاتهام بقتل وزير خارجية !

والحقيقة أن هذه القصة تمثل غاية الأهمية لفهم معاني الوطنية في تاريخنا، فالمعاني المُستخلصة منها كثيرة، وتدُلنا على مدى تغلغل الروح الوطنية في ذلك الجيل، كما تدُلٌنا على قُدرة النائب العام على صياغة الاتهام وتكييفه وخدمة الوطن من خلال هذا التكييف الدقيق والصياغة الذكية.

من ناحية أخري فإن القصة تدُلنا على مدى تأصٌل فكرة التعاون مع البوليس ضد الشُبٌان الوطنيين، وأنه كان هناك من ذوي النفوس الضعيفة من يجدون اللذة في مُمارسة هذا التبليغ عن الوطنيين وتوسيع دائرة الاشتباه فيهم.. وربما يجعلنا هذا أن نستطرد في ذكر حقيقة مُهمة وهي أن الخيط في قضية اغتيال أمين عثمان بدأ أيضا من خلال تبليغ من نصطلحُ على تسميتهم الآن من باب الدعابة بالمواطنين الشُرفاء.

فضل الأستاذ محمود كامل في رواية القصة

أما صاحب الفضل في تسجيل هذه القصة فهو محام عظيم وكاتب قصة عظيم وهو الأستاذ محمود كامل الذي استطاع أن يُقدٌمها على النحو الذي لم يترك لنا فيه أي فضل في روايتها ولا ربطها ولا تفسيرها ولا التعقيب عليها.

” كان موقفه المجيد (الحديث عن عبد الخالق ثروت باشا ) من الدكتور حافظ عفيفي (الذي أصبح فما بعد وزيرا للخارجية في وزارة ثروت نفسه)، فقد كان حافظ عفيفي قد اتهم في مقتل بطرس غالى، إذ كان بمثابة الصديق الصدوق للورداني قاتل بطرس غالى، كما أنه كان عضوا في الجمعية السرية التي ينتمي إليها الورداني، وفضلا عن هذا فإنه كان على صلة وثيقة بالورداني في الساعات أو الأيام التي سبقت مصرع بطرس غالى ، ثم شاءت الظروف أن يمثل عبدالخالق ثروت الاتهام في قضية مقتل بطرس غالي التي اتهم فيها عدد من أعضاء هذا الحزب، فلم يشأ أن يقحم الحزب في القضية، بل قصر اتهامه في المتهمين كأفراد، دون التركيز على حزبهم»، وهذا الموقف غير مشهور، لكن الدكتور محمود كامل في مذكراته «يوميات محام» سجله بالتفصيل على النحو التالي:

«علمت اليوم شيئا كان خافيا عني.. هو أنه قد حامت حوله عامئذ (أي في ذلك العام ) شبهات الاتهام في قتل بطرس غالي باشا رئيس الوزراء، ورغم أنني قرأت معظم ما كتب عن هذه القضية من تحقيقات ومرافعات، ونشرت عنه «تحقيقا» في سلسلة كنت أكتبها منذ بضعة أعوام بعنوان «أشهر القضايا المصرية».. إلا أنني لم أجد في كل ما قرأت ما اتصل بي (علمه) اليوم من أن حافظ عفيفي يذكر للمرحوم عبد الخالق ثروت باشا رئيس الوزراء الأسبق فضلا لا ينساه له، لعله من أقوي الأسباب التي دعمت الصلة بين الاثنين على امتداد الأعوام الأخيرة، خاصة بعد خروج حافظ عفيفي من الوفد المصري مع بعض أعضاء ذلك الوفد واشتراكهم في إنشاء حزب الأحرار الدستوريين وتأييد عبد الخالق ثروت في جهوده لإصدار تصريح 28 فبراير 1922وإصدار الدستور المصري عام 1923. وإن ذكر حافظ عفيفي لفضل عبد الخالق ثروت يعود إلي موقف ثروت عندما كان نائبا عاما، وكان حافظ عفيفي حديث التخرج من مدرسة طب قصر العيني، ومن أعضاء الحزب الوطني الشبان».

«وفي 20 من فبراير عام 1910 أطلق إبراهيم الورداني الصيدلي وأمين لجنة الحزب الوطني بالعباسية الرصاص على بطرس غالي باشا رئيس الوزراء، فقبض عليه واعترف توا، وأكد أنه مسؤول وحده دون شريك له عن القتل، وتبين أن بطرس غالي باشا غادر مكتبه ومعه حسين رشدي باشا أحد الوزراء (كان وزير الخارجية) وعبد الخالق ثروت النائب العام وفتحي زغلول باشا وكيل وزارة الحقانية (العدل)».

«ولما وصل رئيس الوزراء إلى نهاية السلم حيث كانت تنتظره عربته التي هم َّبركوبها، أطلق عليه الورداني رصاصتين، فلما التفت إليه أفرغ أربع رصاصات أخرى».

«وثبت من التحقيق أن المتهم في الحادية والعشرين من العمر أتم دراسة الصيدلة في سويسرا وإنجلترا، وأنه اتصل هناك ببعض الجمعيات الثورية، من بينها جمعية كان ينتمي إليها قاتل لورد كيرزون الوزير البريطاني، وقد عاد إلي مصر في نهاية عام 1909 وفتح صيدلية بجوار قسم بوليس عابدين، وبدأ نشاطه بالاتصال بأوساط العمال فأسس نقابة لعمال الصناعات اليدوية ببولاق واختير هو وكيلا لها، كما أسس جمعية أخرى باسم «جمعية التضامن الأخوي » قيل إن نظامها يقضي بأنه يجب على مَنْ يرغب في الانضمام لها أن يكتب وصيته قبل قبوله في عضويتها».

«كما ثبت في التحقيق أنه برر جريمته بأنه يذكر لبطرس باشا رئاسته للمحكمة المخصوصة التي أصدرت حكما بإعدام أربعة من المتهمين في قضية دنشواي شنقا في نفس قري دنشواى. وموقفه من مشروع مد أجل امتياز قناة السويس».

«وقد انتقل الخديو عباس حلمي الثاني ـ دون انتظار الحرس ـ إلى المستشفى الذي نقل إليه المجني عليه ودخل غرفته وقبله والدموع تنهمر من عينيه، ثم بقي الخديوي إلى جانبه نحو ثلث الساعة، ولما انصرف أقبل الأمير حسين كامل ـ سلطان مصر بعدئذ ـ وشجع بطرس باشا، ولما شيعت الجنازة رسميا حمل بساط الرحمة سعد زغلول باشا، وحسين رشدي باشا، وإسماعيل سري باشا، وعبد الخالق ثروت باشا».

«وقد تولت التحقيق ـ في بادئ الأمر ثلاث هيئات ـ الأولى مكونة من ناظري «الداخلية» و«الحقانية» و «حكمدار» القاهرة، والثانية برئاسة «مأمور الضبط» بمحافظ القاهرة وتولت دراسة الأوراق التي ضبطت في منزل الورداني ، والثالثة برئاسة مدير «الضبط» بوزارة الداخلية، ولعله يقابل الآن منصب مدير الأمن العام ، وتولت سؤال مَنْ وردت أسماؤهم في تلك الأوراق. وقد بلغ عدد من سئلوا في هذه التحقيقات نحو ستين شخصا صدرت الأوامر ليلا إلى جميع المحافظات بسؤالهم، ولما تقدم التحقيق صدرت الأوامر بالقبض على بعض أعضاء «جمعية التضامن الأخوي» الذين قويت ضدهم الشبهات، لكن إبراهيم الورداني أصر على إنكار أية صلة لهم بالحادث، وأن اعترف بوجود تلك الجمعية».

طبيب من “المواطنين الشرفاء” ينشر وشاية في صحيفة “الوطن”

و يستطرد الدكتور محمود كامل راويا ما يمكن التعبير عنه بلغة أيامنا التي نعيشها الآن من أن زميلا لحافظ عفيفي هو الذي وشى به على صفحات الجريدة المسماة بالوطن مما لم يكن من الممكن معه أن يهمل النائب العام موضوع التبليغ :

«ولم يرد في كل تلك التحقيقات لا على لسان المتهم ولا على لسان أحد من المتهمين الآخرين أو الشهود ذكر لحافظ عفيفي.. لكن في تلك الأثناء وقبل صدور قرار الاتهام، نشرت صحيفة «الوطن» مقالا لطبيب ذكر أنه زامل حافظ عفيفي في مدرسة الطب، وكان وثيق الصلة به بعد تخرجهما، وأنه يعلم أن لحافظ عفيفي صلة بمقتل بطرس غالى، ودعا النائب العام في ذلك المقال إلى الاهتمام بالأمر وأبدى استعداده لتقديم ما لديه من معلومات تؤيد ذلك الاتهام».

«وكان طبيعيا أن يُستدعي حافظ عفيفي للتحقيق بعد أن نشر ذلك الاتهام الموجه إليه علنا في صحيفة واسعة الانتشار، وكان قد تردد عقب نشر مقال صحيفة «الوطن» أن حافظ عفيفي ـ إلى جانب عضويته في الحزب الوطني مع إبراهيم الورداني ـ فإنهما عضوان في نادي المدارس العليا، وأنهما كثيرا ما سمعا يتناقشان في الشئون الوطنية العامة. بل إنه في الليلة السابقة على يوم 20 فبراير ـ أي يوم الحادث ـ ظل حافظ عفيفي يتحادث مع إبراهيم الورداني في ردهة نادي المدارس العليا إلى ما بعد منتصف الليل، وكان الحديث من الأهمية إلى حد أنهما نسيا أن نظام النادي يقضي بإغلاق أبوابه عند منتصف الليل، ويبدو أن خدم النادي تهيبوا من أن ينبهوهما إلى أن تبينا أن النادي قد خلا من أعضائه.. ومما تردد أيضا أن الورداني طلب أن يزوره حافظ عفيفي في السجن، وأنه طلب إليه في تلك الزيارة أن يهتم بأمر صيدلية الورداني بعابدين».

«وقد تولي عبد الخالق ثروت باشا النائب العام بنفسه سؤال حافظ عفيفي، الذي جاء بادي الاضطراب.. وشعر النائب العام بذلك فأكد له أنه رغم فظاعة الحادث فإن غرضه الوحيد هو الوصول إلي الحقيقة. وأضاف لكي يبعث الطمأنينة إلي نفس الطبيب الشاب «لن يصيب الأبرياء سوء، لكن المجرم وشركاءه سيلقون جزاءهم. ولم يكتف بذلك، بل أكد له أنه استدعاه كشاهد وطلب منه حلف اليمين، وأن يصارحه بما دار من حديث بينه وبين الورداني في نادي المدارس العليا، وبغير ذلك مما يعرفه عن الورداني».

«وكان لعبد الخالق ثروت صلة سابقة بحافظ عفيفي منذ كان طالبا بمدرسة الطب عام 1904، وتوجه مع نفر من زملائه طلبة المدرسة القضائية وعرضوا عليه أن يعينهم على إنشاء ناد للمدارس العليا خريجين وطلبة، فرحب ثروت بهم وعرض أن تجتمع اللجنة التحضيرية لمشروع النادي في بيته بشارع القاصد، بل إنه أعد بنفسه مشروع قانون النادي، وقبل أن يكون عضوا بمجلس إدارة النادي بعد افتتاحه».

وكان من المعروف أن غالبية أعضائه من أعضاء الحزب الوطني، ومن أنصار زعيمه مصطفى كامل. وقد ظل  ذلك النادي العتيد الذي لعب دورا مهما في تاريخ مصر الحديث حتى أصدرت السلطة العسكرية قرارها بإغلاقه عام 1944، عقب إعلان الحرب العالمية، أحس حافظ عفيفي ـ بعد أن هدأ روعه ـ أنه أمام  رجل لا ينشد إلا تحقيق العدل، وظل ذلك الإحساس بالإعجاب والتقدير وعرفان الجميل يلازمه حتى لقي عبدالخالق ثروت ربه».

صداقة عبد الخالق ثروت باشا  بمصطفى كامل باشا

تطرق الأستاذ محمود كامل بحديث عن علاقة الود والصداقة التي ربطت عبد الخالق ثروت باشا بالزعيم مصطفى كامل باشا :

«قبل إعداد هذه اليوميات تفضل الأستاذ أحمد ثروت القاضي بالمحاكم المختلطة والسفير السابق وابن المرحوم عبدالخالق ثروت، باطلاع المؤلف (أي أستاذنا محمود كامل ) على خطاب مرسل  من الزعيم مصطفى كامل في أثناء إقامته في إحدى القري الجبلية الفرنسية للعلاج إلى «أخيه الأعز» عبدالخالق ثروت، يهديه فيه أطيب تحية وأجمل سلام ويبشره بأن صحته على ما يرام، وهو خطاب موجه قبل حادث مقتل بطرس غالي بسنوات عديدة، مما يدل على صلة الصداقة التي كانت تربط بين الرجلين قبل أن يتولى عبدالخالق ثروت منصب النائب العام وإلى وفاة الزعيم مصطفي كامل مؤسس الحزب الوطني” .

وفاته

توفي عبد الخالق ثرت باشا فجأة في باريس في 22 سبتمبر 1928، ونقل جثمانه إلي مصر ودفن بها في احتفال رسمي. وكان قد سبقه إلى الوفاة في نفس العام اثنان من رؤساء الوزراء السابقين عليه هما حسين رشدي باشا ومحمد سعيد باشا وكلاهما من مواليد 1863 (كانا يكبرانه في السن بعشر سنوات).

وبوفاته المبكرة  لم يتح له أن يتولى رئاسات من قبيل رئاسة مجلس الشيوخ فقد توفي في سبتمبر من العام ١٩٢٨ الذي ظل فيه رئيسا للوزراء فيه حتى شهر مارس .

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة