مقالات

تراجع الموارد الأجنبية لمصر رغم تعويم الجنيه

لا يعبر الإعلام الاقتصادي عن حقيقة الأوضاع الاقتصادية، فعندما حدث تراجع حاد في مؤشرات البورصة عقب مظاهرات العشرين من سبتمبر/أيلول، لم تجرؤ صحيفة اقتصادية على ذكر المظاهرات

                         

فرق كبير بين الخطاب الإعلامى الرسمى المصرى حول إدعاء تحسن الأوضاع الاقتصادية، استنادا الى بعض الشهادات الأجنبية، وبين الواقع الصعب الذي يعيشه المصريون والذي دفعهم للتظاهر، ما دفع النظام الى تهدئة خطواته التقشفية، ومحاولة التقرب للبسطاء من خلال عدد من القرارات الاقتصادية الجماهيرية عقب تلك التظاهرات.

وتكشف بيانات البنك المركزى المصرى نفسه الخاصة بميزان المدفوعات خلال العام المالي الأخير 2018/2019، أي خلال الفترة من بداية يوليو/تموز 2018 الى نهاية يونيو/حزيران من العام الحالي، عن حقيقة الأوضاع الصعبة التى يمر بها الاقتصاد المصري حتى الآن، رغم ادعاءات الرسميين من وزراء المجموعة الإقتصادية ومحافظ البنك المركزي عن تحسن الأوضاع.

فها هى بيانات البنك المركزى تشير الى تراجع إيرادات العملات الأجنبية من كافة الموارد: التصدير والسياحة والاستثمار الأجنبى والتحويلات والمعونات والقروض والخدمات المتنوعة، لتصل الى أقل من مئة مليار دولار، مقابل 110 مليارات دولار بالعام المالي الأسبق، رغم تضمن موارد العام المالى الأخير أكثر من عشرة مليارات من الدولارات من القروض والودائع الخارجية، و5 مليارات دولار أخرى قروضا في صورة سندات خارجية.

وهاهى البيانات التفصيلية لموارد العملات الأجنبية، تكشف عن تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 1.8 مليار دولار، وانخفاض الاستثمار الأجنبي غير المباشر فى صورة مشتريات أدوات دين وملكية مصرية بنحو 8 مليارات دولار رغم الفوائد العالية لتلك الديون وضمان وزارة المالية لها، وهو ما يكشف عن حقيقة وضع المناخ الاستثماري غير الجاذب.

    نقص تحويلات المصريين بالخارج

بل ونقص تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنحو 1.5 مليار دولار، وامتد الانخفاض الى الصادرات السلعية غير البترولية والى خدمات النقل التى يتم تقديمها بالموانئ المصرية.

وكانت النتيجة حدوث عجز بالميزان الكلى للمدفوعات، بقيمة 102.5 مليون دولار، وهو رقم لا يعبر عن الحقيقة بشكل كامل، حيث يتم احتساب حصيلة بعض الموارد غير المتعلقة بأداء الاقتصاء المصرى مثل القروض البالغة 10.4 مليار دولار ومبيعات السندات الخارجيةالبالغة أكثر من 5 مليار دولار، ليصل العجز الحقيقى بتجنبيها الى 15.6 مليار دولار في عام مالي واحد.

وهو العجز الذي يتم تعويضه من خلال المزيد من الاقتراض الخارجي، رغم بلوغ قيمة القروض الخارجية 106 مليارات دولار في مارس/آذار الماضي، وهو الرقم الذي ازداد في الوقت الحالي، لكن سياسة الإفصاح غير الشفافة للبنك المركزى المصري، تتأخر فى الإعلان عن مؤشرات الدين الخارجى لشهور عديدة، بينما أعلنت قيمة الاحتياطى من العملات الأجنبية لشهر سبتمبر/أيلول الماضي، فى اليوم الأول من شهر أكتوبر/تشرين الأول الحالي!

ومثلما تعلن فى بعض الشهور عن زيادات ملموسة فى قيمة تحويلات المصريين بالخارج لإعطاء انطباع عن اتجاهها الى النمو، بينما كشفت بيانات العام المالى الأخير عن تراجعها بنحو 1.5 مليار دولار!

وكما تفادى البنك المركزي إعلان قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر الخارج من مصر خلال العام المالى الأخير، والذي زادت معدلاته فى ضوء مجريات الاستفتاء على تعديل الدستور المصرى فى أبريل/نيسان الماضي، ويتوقع زيادة كميته بعد اندلاع المظاهرات المناهضة للنظام المصرى فى العشرين من سبتمبر/أيلول الماضي.

   الجنيه يتحسن رغم التظاهرات!

ومن الطبيعى أن يقول البعض طالما الأمر كذلك فلماذا يستمر الجنيه المصرى فى التحسن أمام الدولار الأمريكي، حتى اقترب من 16.20 جنيه للدولار مؤخرا؟ إنها سياسة البنك المركزى المصرى للتأثير فى تحديد سعر الصرف وعدم تركه حرا لعوامل العرض والطلب كما يفترض أن يكون.

ولقد ظهر العديد من الشواهد على التدخل مؤخرا، ففي شهر أغسطس/آب الماضى اتجهت تعاملات الأجانب فى أذون الخزانة المصرية إلى الخروج، حتى بلغ الانخفاض فى قيمة مشترياتهم لتلك الأذون خلال الشهر 1.6 مليار دولار، ورغم ذلك استمر صعود الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي.

وخلال شهر أغسطس/آب الماضى تلقت مصر الدفعة الأخيرة من قرض صندوق النقد الدولى البالغة  ملياري دولار، وفى ضوء ما يتم إعلانه من وجود وفرة في العملات الأجنبية كان من الطبيعى أن تزيد أرصدة الاحتياطى من العملات الأجنبية البالغة 44.9 مليار دولار في شهر يوليو/تموز، بتلك القيمة خلال شهر أغسطس/آب. بينما ما حدث هو زيادة الاحتياطى بنحو 52 مليون دولار فقط فى أغسطس/آب.

 بل لقد تبين أن تلك الزيادة جاءت من ارتفاع رصيد الذهب ضمن الاحتياطيات بنحو 265 مليون دولار، بينما انخفضت أرصدة العملات الأجنبية بنحو 135 مليون دولار خلال أغسطس/آب بالمقارنة بيوليو/تموز، رغم وصول المليارى دولار القادمة من صندوق النقد الدولى خلال الشهر.

وبينما أثرت التظاهرات المصرية فى بلوغ السعر الآجل لسعر صرف الجنيه أمام الدولار لمدة 12 شهرا بالخارج نحو 18.30 جنيه، إذا بالبنك المركزى يستمر فى سياسة صعود الجنيه أمام الدولار في السوق المحلية خلال نفس الفترة.

    الصادرات أقل من 11 عاما مضت

كذلك لا يعبر الإعلام الاقتصادي عن حقيقة الأوضاع الاقتصادية، فعندما حدث تراجع حاد بمؤشرات البورصة عقب مظاهرات العشرين من سبتمبر/أيلول، لم تجرؤ صحيفة اقتصادية على ذكر المظاهرات كأحد أسباب التراجع للبورصة ضمن ما ذكرته وقتها من أسباب.

وهكذا نجد الإعلام الاقتصادى يتغنى بارتفاع الصادرات السلعية بسبب زيادة الصادرات البترولية، ويتحاشى أن يذكر أن العجز التجارى السلعى قد زاد، بسبب زيادة الواردات بأكثر من 3 مليارات دولار رغم كل الإجراءات التى اتخذها البنك المركزى ووزارتا التجارة والمالية لخفض الواردات.

وقد وصلت قيمة الصادرات السلعية إلى 28.5 مليار دولار في العام المالى الأخير، رغم ما تم ترويجه عند تحرير أسعار الصرف من إسهام التحرير في تحقيق طفرة في الصادرات، بينما قيمة الصادرات المصرية كانت قد تخطت 29 مليار دولار عام 2007/2008 أى قبل 11 عاما. وأشاد الإعلام الرسمى بزيادة الصادرات البترولية – التى يتم شراء معظمها في الداخل – إلى 11.6 مليار دولار، بينما تخطت الصادرات البترولية  12 مليار دولار في سنة ولاية الرئيس محمد مرسي.

بل إن حصيلة خدمات النقل بخلاف قناة السويس والتى بلغت 2.9 مليار دولار في العام المالى الأخير، كانت قد بلغت 4.2 مليار دولار في سنة ولاية الرئيس محمد مرسي.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة