الديمقراطية بين تونس ومصر وإسرائيل

ففي الانتخابات الحالية يقدم التونسيون درساً عربياً فريداً من نوعه في الاختيار حيث يُسقطون كل المترشحين من الدولة العميقة والأحزاب والتيارات الرئيسية التي عادة ما يخرج منها الرؤساء

 

من إعلان نفسه رئيساً في ( 25 يوليو 1957)، إلى انتخابات لم ينافسه فيها أحد في (8 نوفمبر 1958)، أصبح الحبيب بورقيبة رئيساً لتونس، ثم نصّب نفسه رئيساً مدى الحياة حتى انقلب عليه زين العابدين بن علي (7 نوفمبر 1987)، ثم صار الأخير رئيساً في انتخابات شكلية، واستبد بالحكم لنفسه مثل سابقه، حتى انقلب الشعب عليه في ثورة الياسمين، وقد تُوفي في منفاه بالسعودية الخميس 20 سبتمبر الماضي.

 وجاء الشعب بالمناضل المنصف المرزوقي رئيساً في نهاية عام (2011) إذ اختارته الجمعية الوطنية التأسيسية المنتخبة ليكون أول رئيس بعد الثورة، ثم اختار الشعب الباجي قائد السبسي للرئاسة في انتخابات تنافسية حرة في عام (2014)، وقد مات يوم 25 يوليو الماضي، وفي الانتخابات الرئاسية المبكرة الشهر الماضي يتفوق قيس سعيد ونبيل القروي على (22) مرشحاً آخرين، ويصلان لجولة الإعادة، وسيكون واحد منهما الرئيس الثالث المنتخب خلال (8) أعوام، بينما شهدت تونس رئيسين اثنين فقط طوال (54) عاماً منذ استقلالها، كان نصيب بورقيبة منها ما يقرب من (31) عاماً، وبن علي (23) عاماً وعدة أشهر.

الانتخابات .. بين تونس ومصر

خلال هذه العقود الخمسة التي احتكر الرئاسة فيها مستبدان كبيران، كان يمكن أن يتولى المنصب الرفيع في تونس رؤساء كثر في التداول الحر للسلطة، وربما لم يكن بورقيبة ظل ثلاثة عقود حاكماً، رغم دوره الوطني في تحرير البلاد من الاستعمار، وربما لم يكن بن علي جلس في مقعد القيادة من الأصل ..

 ففي الانتخابات الحالية يقدم التونسيون درساً عربياً فريداً من نوعه في الاختيار إذ يُسقطون كل المترشحين من الدولة العميقة والأحزاب والتيارات الرئيسية التي عادة ما يخرج منها الرؤساء والنواب والقيادات المحلية، ويضعون ثقتهم في شخصيتين عابرتين لم يكن متوقعاً – وفق الذهنية العربية التي لم تتمرن على الانتخابات ومفاجآتها – أن يحتلا موقعاً متقدماً في ترتيب الحصول على أعلى الأصوات في قائمة المترشحين.

 إنها واحدة من خصائص الديمقراطية وهي ألاّ يعلم أحد من سيفوز فيها، وأكثر ما يمكن الوصول إليه هو ترجيح ارتفاع أسهم هذا المرشح أو ذاك حسب استطلاعات محايدة ومنهجية للرأي، وإذا فقدت الانتخابات هذه الخاصية بأن يعرف الناس مسبقاً الفائز فليست ديمقراطية، إنما ديكوراً للديمقراطية، كأن يكون هناك مترشحاً أساسياً، ويتم تهيئة الأجواء كلها له، والاتيان بمترشح شكلي ليمنح العملية مظهراً انتخابياً فقط، كما حدث في انتخابات الرئاسة بمصر( 2018)، وقبلها إلى حد ما في (2014)، بعكس انتخابات (2012) التي تتفرد في تاريخ الاقتراعات الرئاسية المصرية باعتبارها العملية الديمقراطية التنافسية التي لم يعرف أحد نتيجتها لا في جولتها الأولى، أو الثانية حتى عد آخر صوت في الجولتين.

أشد غرائب السياسة في تاريخ العرب

في تونس، أفرزت ديمقراطيتها الانتخابية مفاجآت متتالية، بأن يكون المعارض والحقوقي اليساري المنصف المرزوقي أول رئيس لها بعد الثورة، وأول رئيس منتخب بحرية في تاريخ البلاد..

 ثم تلاه رئيساً طاعناً في السن من الحرس القديم الذي عمل مع بورقيبة، ورضي الجميع باختيار الشعب طالما توفرت أركان الانتخابات الحرة ليكون الرئيس الثاني بعد الثورة..

 وفي التجربة الثالثة الحالية يصل إدهاش الاختيار مدىً غير مسبوق بوضع الشعب ثقته في أستاذ القانون قيس سعيد، ورجل الأعمال والإعلام نبيل القروي المحبوس منذ أسابيع..

 وهذه النادرة يجب أن تُسجل في موسوعة (غينيس) باعتبارها من أشد الغرائب السياسية في تاريخ العرب، فالمعتاد في مثل هذه الحالات أن المترشح المحبوس يفر الناس منه، ويكون محكوماً عليه بالهزيمة المؤكدة إذا كان ينافس على مقعد مجلس محلي قرية فما بالنا إذا كان ينافس على الرئاسة.

ومن مفاجآت الديمقراطية التونسية أيضاً أن يخرج المرزوقي من الجولة الأولى، ومعه الشخصيات الكبيرة، مرشح النهضة عبدالفتاح مورو، ورئيس الوزراء يوسف الشاهد، ووزير الدفاع  عبدالكريم الزبيدي.

2012 وما تلاها .. فوارق كبيرة

مصر سبقت تونس في إفرازات الديمقراطية الخارجة عن السياق في(2012) بأن فاز في الجولة الأولى مرشحين لم يكونا متوقعين هما: محمد مرسي مرشح الإخوان، وأحمد شفيق مرشح النظام القديم، ثم يفوز الأول على الثاني بفارق ضئيل من الأصوات، وينهزم المرشحون الذين كانت الحسابات تمنحهم أرجحية، عبدالمنعم أبوالفتوح، وعمرو موسى، وحمدين صباحي.

في الاستحقاقين التاليين كان معروفاً مسبقاً من هو الفائز(السيسي)، وكان النقاش يدور فقط حول النسبة التي سيحصل عليها، فلم تكن هناك انتخابات بالمعنى التنافسي التي يترشح فيها كل من أراد، ويتساوى الجميع في الفرص،  ويفوز من يختاره الشعب.

ولهذا، فإنه بما يحدث طوال (8) سنوات، تعزز تونس مسارها الديمقراطي، وتؤكد تجاوزها المعادلة التقليدية الحاكمة للصراع على السلطة بين دولة قديمة ومنظومة أمنية وعسكرية وبين إسلاميين، وهو صراع تقليدي معطل للإصلاح السياسي والديمقراطي، ومصر نموذجاً في هذا التعطيل رغم أن الشعار الأساسي لثورة يناير هو الحرية وإعلاء شأن الإرادة الشعبية.

 تونس واحة للديمقراطية

والمسار التونسي يعني أنها دخلت حزام البلدان الحرة الديمقراطية، وباتت الواحة العربية الوحيدة للديمقراطية لتكسر القاعدة الثابتة التي يروجها الإسرائيليون والنخب الغربية بأن كيان الاحتلال هو واحة الديمقراطية بلا منافس في صحراء عربية قاحلة.

في تونس، نمت شجرة خضراء في الصحراء العربية القاحلة، ومن المحزن أن نبتة صغيرة كانت بزغت في هذه الصحراء في مصر لتجاور الشجرة التونسية لتأسيس حديقة عربية غناء تقضي تدريجياً على قيظ هذه الصحراء وتحولها إلى بساتين من الحكم الديمقراطي الرشيد في بلد عربي بعد آخر، لكن تم قطع ما كان أثمر منها وارتفع فوق الأرض، إنما المطمئن أن الجذر لا يزال مدفوناً في الأرض ينتظر ماء الحياة ليعود إلى الإزهار مرة أخرى باستعادة المسار الديمقراطي الذي يجب أن يُحدث هذه المرة القطيعة الحاسمة مع الاستبداد.

الديمقراطية وتفوق إسرائيل

إسرائيل الدولة اللقيطة التي قامت عام 1948 على احتلال أرض فلسطين شيدت نظام حكم ديمقراطي منذ يومها الأول، وليس الدعم الأمريكي والأوربي والسوفيتي فقط الذي حصلت عليه فور إعلانها، ولا يزال مستمراً، هو من يجعلها تتفوق على كل الدول العربية وتهزمهم عسكرياً، إنما الحكم الديمقراطي عبر انتخابات حرة منتظمة لم تتعثر يوماً، ولم تتعرض للإلغاء لحدوث انقلاب عسكري، أو ثورة شعبية، لإسقاط حاكم ديكتاتور.

إسرائيل تختار حكامها بنزاهة، نعم ديمقراطيتها فيها شبهات عنصرية، لكن كل الناخبين بمن فيهم الفلسطينيين من عرب 48 يتمتعون بالحق في تشكيل قوائم انتخابية والتصويت، ولو اعتبرناها ديمقراطية ناقصة، فإن أي بلد عربي لا يشهد تجربة مثلها، والحالة الوحيدة في الانتظام والالتزام الديمقراطي وفق المعايير العالمية تشهدها تونس وحدها.

 الصهيوني المتغير .. والعربي المستبد

انتخابات الكنيست الأخيرة تحمل رقم 22 خلال 71 عاماً هي عمر كيان الاحتلال، بمعدل انتخابات كل 3 سنوات وشهرين، وهذا يعني انتخاب رئيس حكومة جديد، أو تجديد الثقة في رئيس الحكومة المترشح كل ثلاث سنوات فقط.

وأطول فترة حكم لسياسي إسرائيلي حتى الآن هو نتنياهو بـ 13 عاماً متفوقاً على ديفيد بن غوريون أول رؤساء حكومات الكيان، وبالمقابل نجد المستبدين العرب يقبضون على الحكم لعقود طويلة بالحديد والنار، وطريق التغيير العربي ليس الصندوق لأنه إما ملغي، أو مزيف، أو مؤقت، وبالتالي لا يكون التغيير إلا بوسائل القوة أو الثورة، لهذا تموج المنطقة كلها بالاحتقان والغليان والفوران والهبات الشعبية، ويتولد عن ذلك غياب الاستقرار والفوضى والتدهور الاقتصادي وتُسأل عنه الأنظمة المتجبرة، وليس الشعوب المقهوة.

في المقارنة بين إسرائيل وصراعاتها الداخلية في السياسة والحكم وتداول السلطة في الإطار الديمقراطي السلمي، وبين البلدان العربية وموت السياسة فيها، والاستبداد، والقمع وتجريم الصوت الآخر والفساد والفقر وانتهاك الحقوق الإنسانية سنقف مجدداً على واحدة من الأسباب الرئيسية للنكبة العربية التاريخية.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه