بطاقة التموين وبطاقة الاقتراع

 

 

عقب عودته من الولايات المتحدة وبعد 3 أيام فقط من دعوة للتظاهر في مصر نجحت في بعض المناطق خاصة الصعيد وقمعت في مناطق أخرى كالقاهرة والإسكندرية والسويس الخ غرد المشير عبد الفتاح السيسي من مكتبه في قصر الاتحادية على حسابيه الشخصيين في فيس بوك وتويتر معلنا (وعلى طريقة الرئيس التونسي الأسبق زين العابديين ببن علي) “أنه يتفهم موقف المواطنين الذين تأثروا سلباً ببعض إجراءات تنقية البطاقات التموينية وحذف بعض المستحقين منها ، وأنه يتابع بنفسه هذه الإجراءات، وأن الحكومة ملتزمة تماماً بإتخاذ ما يلزم للحفاظ على حقوق المواطنين البسطاء…”

النائب حمادة

لا يمكن الجزم بأن السيسي فهم فعلا أنات وعذابات المصريين المكتوين بإجراءاته الاقتصادية، ومن ثم فإنه يسعى (بجد) لتخفيف تلك الالام، ولكن المؤكد أن هذا الإعلان (حتى لو كان وهميا أو شكليا وهو الأرجح) هو وليد انتفاضة شعبية عبرت عن نفسها خلال جمعتين سابقتين، كان جمهورها الأكبر من عامة المصريين “المطحونين” وغير المنتمين لأحزاب أو حركات أو تيارات سياسية، وقد اعترف النائب العام الجديد (حمادة) في بيانه قبل عدة أيام بأن معظم المعتقلين على خلفية التظاهرات الأخيرة هم بالفعل “من عوام الشعب، وأن بعضهم تحركوا بدوافع اقتصادية”، وهذا لا يلغي وجود مطالب سياسية رفعها المتظاهرون أيضا  على رأسها اسقاط النظام أو على الأقل رأس النظام عبد الفتاح السيسي وهو المطلب الذي وحد المصريين على اختلاف تياراتهم السياسسية والفكرية والفئوية.

لم يمض يومان على تغريدة السيسي حتى شرعت أذرعه التنفيذية والتشريعية والإعلامية في إعداد حزمة من الإصلاحات حتى لو كانت شكلية في المجالات الاقتصادية والسياسية والإعلامية، كان أبرزها الإعلان عن إعادة بطاقة التموين (التي تتضمن سلعا مدعمة) لعدد 1.8 مليون مواطن دفعة واحدة وعلى أمل إعادتها لأعداد أخرى بعد أن تستوفي إجراءات الطعن على حذفها، واستمرار صرف الخبز المدعم لمن تم حذفهم، والتبشير بثبيت سعر البنزين لثلاثة أشهر رغم ربطه بالسوق العالمي، وفي مجال الإصلاح السياسي وعود هلامية أعلنها رئيس البرلمان علي عبد العال (الذي وللمفارقة شبه السيسي بهتلر، ووصف هذا الأخير بأنه لم يكن شرا محضا، بل إنه صاحب مشاريع البنية التحتية العظيمة في ألمانيا)، وتدور الإصلاحات الموعودة حول توسيع هامش العمل السياسي قليلا ليتسع لفريق 30 يونيو فقط (لا تشمل المنتمين لثورة يناير أو الإخوان وحلفائهم) وهو ما قد ينطبق أيضا على المجال الإعلامي الذي تدور التوقعات بشأنه حول إعادة بعض الشخصيات الإعلامية التي أبعدت عن الشاشات خلال الفترة الماضية للظهور مجددا لتمثيل دور الانفتاح الإعلامي، ولكن على الأرجح ستكون كل تلك الوعود مثل الحمل الكاذب، وهدفها هو فقط امتصاص موجة الغضب الشعبي الحالية التي انفجرت في وجه السيسي ونظامه، ثم تعود ريما لعادتها القديمة مالم تجد شعبا يواجهها.

المضطر

لم يقدم السيسي على هذه الإجراءات حتى لو كانت شكلية عن طيب خاطر، ولا عن فهم حقيقي لمعاناة الشعب، ولا عن “حنو” مفتقد لطالما وعد به المصريين، ولكنه إضطر إليها اضطرارا تحت وطأة الحراك الجماهيري الذي فاجأه، وأقض مضجعه، وأثبت له أن روح الثورة والكرامة والعزة لم تمت في نفوس المصريين، وأنهم حين تتاح لهم الفرصة للتعبير عن رأيهم دون تعرضهم للقتل أوالإعتقال فإنهم سيخرجون بالملايين في كل ربوع مصر، وربما يدرك السيسي الآن هذه الحقيقة بعد أن تحولت شوارع القاهرة والمدن الكبرى بتعليمات منه ومن رجاله إلى ثكنات عسكرية لمواجهة دعوات التظاهر، وبعد ان تكدست معسكرات الأمن المركزي بآلاف المعتقلين الجدد خلال أسبوعين فقط.

مهما كانت خطوات السيسي لترضية الشعب الغاضب قليلة أو شكلية فالمؤكد أنها ثمرة ذاك الحراك الشعبي، وليس شيئا غيره، وهذه التضحيات لن تذهب سدى، بل سيضطر النظام لتقديم تنازلات جزئية تتناسب طرديا مع قوة الحراك واستمراريته وصولا إلى تحقيق معظم أو كل مطالب الشعب السياسية والإقتصادية على شاكلة ما يجري في السودان والجزائر، حيث بدا الحراك في السودان في 19 ديسمبر 2018، وظل نظام البشير يقدم تنازلات تلو التنازلات حتى تمت الإطاحة به شخصيا في 11 إبريل 2019، وبعدها توافقت قوى الحرية والتغيير مع المجلس العسكري على خارطة طريق للمرحلة الانتقالية لمدة 3 سنوات تمهيدا لحكم مدني كامل ( بغض النظر عن ملاحظاتنا على ذلك الاتفاق)، كما أن الحراك الجزائري نجح في الحصول على مكاسب تدريجية بدأت بإجبار الرئيس بوتفليقة على سحب ترشحه للعهدة الخامسة، وظل الحراك رافعا المزيد من المطالب التي حققها تباعا ومنها إقالة ومحاكمة كبار مساعدي بوتفليقة ورموز عهده، وصولا إلى تشكيل لجنة مستقلة لإجراء انتخابات رئاسية حرة بنهاية العام.

من أجل الحرية

لم تكن الموجة الجديدة لانتفاضة الشعب المصري التي انطلقت في 20 سبتمبر وتواصلت في 27 سبتمبر، وحتى مطلع أكتوبر من أجل بطاقة التموين فقط، ولكنها كانت أيضا من أجل بطاقة الاقتراع ( والمقصود هنا الحرية) ، فالحرية هي التي تأتي بالخبز وبقية السلع بكرامة، وبعزة نفس باعتبارها حقوق واجبة وليست”إحسانا” حكوميا على الشعب وفقا لتصريحات وزير تموين السيسي، والذين نجحوا اليوم بحراكهم في استعادة بطاقات التموين المسحوبة منهم سيتمكنون غدا من استعادة بطاقات الاقتراع الحر المسحوبة منهم أيضا..

حين يدرك الشعب أن حراكا بسيطا جرى خلال جمعتين فقط أثمر هذه النتائج فإن هذا ينبغي أن يشجعه على مواصلة حراكه وضغوطه لنيل بقية حقوقه، وعلى رأسها الخلاص من هذا الكابوس الجاسم على صدره، وتحرير إرادته بشكل كامل ليختار من يحكمه، ويحاسب هذا الحاكم على سياساته، ويدفعه لاختيار السياسات الأنسب للوطن والمواطن، ومواجهة هدر المال العام والتنازل عن أرض الوطن وثرواته ومياهه، ويومها نكون أمام مصر جديدة لطالما حلمنا بها، دولة مدنية ديمقراطية حديثة، دولة العدل والقانون، دولة الكرامة والحرية، “ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا”.

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه