المسألة المصرية وتعديل الدستور

والحقيقة الثابتة التي لا نقاش فيها هي أن الديمقراطية لا تولد من رحم النظم الفاشية، وإنما من رحم الثورات!

 

لا أعتبر محاولات عبد الفتاح السيسي تعديل الدستور أمرا غريبا على مصر، فمنذ حركة الضباط الأحرار 1952م وبعدها تحولت مصر من النظام الملكي للنظام الجمهوري عام 1953.
ومنذ هذه اللحظة لم تشهد مصر انتخابات رئاسية ديمقراطية بالمعنى المعروف في الدول الديمقراطية الحقيقية، وكانت الانتخابات تتم تحت مسمى الممارسة الديمقراطية بأشكال مشوهة أو بالتعبير المصري ديمقراطية مرقعة، وهو ما يفسر التعديلات الانتقائية التي تتم بشكل مبالغ منذ عام 1952م على الدستور المصري ليتلاءم مع أسلوب احتكار الرئيس للحكم أو بمعنى أدق احتكار نظام واحد للحكم
.

الحقيقة أن النية مبيتة للتحايل على مبدأ تداول السلطة منذ بداية النظام الجمهوري في مصر وهو ما انعكس على أول دستور مصري بعد تحول نظام الحكم في مصر من الملكية للجمهورية عام 1956م إذ جاء في نص المادة 121: “يرشح مجلس الأمة بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه رئيس الجمهورية ويعرض الترشيح على المواطنين لاستفتائهم فيه ويعتبر المرشح رئيساً للجمهورية بحصوله على الأغلبية المطلقة لعدد من أعضاء أصواتهم في الاستفتاء فإن لم يحصل المرشح علي هذه الأغلبية رشح المجلس غيره ويتبع في شأنه الطريقة ذاتها”.

المجموعة العسكرية التي قادت تغير نظام الحكم في مصر كانت تدرك منذ اللحظة الأولي أن هناك تناقضا أساسيا بينها وبين الجماهير، أو تحديدا تناقضا بين الحكم العسكري الفوقي والحكم الشعبي المدني؛ لهذا وضعت مبدأ تداول السلطة واختيار الحاكم تحت قيود صارمة تضمن وضع الشعب في موقع المحكوم أمام النظام الحاكم واستبعاد فكرة الشراكة الشعبية في الحكم، إلا من خلال مشاهد تمثيلية لإضفاء شرعية شكلية على الحكم.

دساتير تابعة

التعريف التقليدي للدستور هو: “القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة (بسيطة أم مركبة) ونظام الحكم (ملكي أم جمهوري) وشكل الحكومة (رئاسية أم برلمانية) وينظم السلطات العامة فيها من حيث التكوين والاختصاص والعلاقات التي بين السلطات وحدود كل سلطة والواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات ويضع الضمانات لها تجاه السلطة” ..
ومن هنا فإن كل القوانين تصبح خاضعة لمعايير دستورية، وتكون القوانين والقرارات غير شرعية إذا ما خالفت القواعد الدستورية المنصوص عليها في الدستور ..
ولهذا فالدستور يخضع في كتابته لتمثيل دقيق لكل فئات المجتمع، ويتم تحصينه ضد أي تلاعب أو تغيير إلا في الظروف الطارئة والضرورية، ويتم ذلك بنفس الحرص الذي تم اتباعه عند كتابة الدستور وبمبررات يقبلها الشعب ويقتنع بها مثل الحروب أو الكوارث، أو بهدف إضفاء مبادئ تعلي من شأن المواطن وتحميه ..
ولهذا فعدد المرات التي يتم فيها تعديل الدستور أو تغيره تعكس الحالة الديمقراطية في أي بلد وتطورها أو تدهورها عبر الأزمان المختلفة، فإذا رصدنا على سبيل المثال أن الدستور الأمريكي الذي تم كتابته عام 1791م لم يتم استبداله حتى الآن بدستور جديد، وما طرأ عليه من تعديلات بلغت 27 تعديلا خلال 225 عاما آخرها كان عام 1992م ..
التعديل الذي سبقه كان عام 1972 أي قبل عشرين عاما من التعديل الأخير، والمهم أنها كلها تعديلات تتعلق بالمواطنة وحماية الأرض والضمانات الديمقراطية، وليس بها أي تعديل يتعلق بإطلاق صلاحيات الحاكم بلا سقف أو بتعديل المدد المحددة للرئاسة
.

وفي مصر صدر أول دستور عام 1879م وخلال 128 عاما تغير 10 مرات بدساتير جديدة مع ملاحظة أن هذه الأعوام شهدت تغيرات جذرية في نظم الحكم وشهدت فترات استعمارية طويلة وشهدت الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية ..
وكلها كانت أحداثا أثرت على الحالة الديمقراطية في مصر التي لم تكن مستقلة وكانت طوال الوقت تحت تهديد شبح الأحكام العرفية من مستعمر أجنبي، بينما في الفترة ما بين 2011 و2018 أي عبر 7 سنوات فقط شهدت مصر تغيرات للدستور بشكل كامل ثلاث مرات، مما يطرح الكثير من التساؤلات حول مدى جدية تعامل النظام الحاكم مع الدستور واحترامه والالتزام به، أو اعتباره أداة طيعة يتم التلاعب بها لخدمة النظام العسكري الحاكم
.

والحقيقة المؤكدة أن النظام الجمهوري في مصر ولد مبتسرا منذ إعلان الجمهورية والإطاحة على يد العسكر، وهو ما استمر طوال الدساتير المتعاقبة على مصر حتى عام 2005 عندما اضطر حسني مبارك تحت الضغوط الدولية إلى تعديل الدستور ليصبح انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع المباشر، وأجرى أول انتخابات رئاسية تنافس معه فيها مرشحون آخرون وانتهت لصالحه بأغلبية كبيرة ..
والحقيقة أن هذا التعديل كان تعديلا شكليا لمجاراة الضغوط والمتغيرات الدولية، وتم إجراء الانتخابات تحت إشراف الدولة والنظام الحاكم الذي كان متحكما بشكل كامل في كافة آليات التصويت ويعتمد على سيطرته بأساليب كثيرة على مقدرات معظم الكتلة التصويتية، وهو ما يطلق عليها الديمقراطية الشكلية، وظل المحتوى واحدا سواء بالاستفتاء على رئيس الجمهورية أو بالانتخابات بالاقتراع المباشر
.

 يناير وعودة الروح

الشاهد أن أي ممارسة ديمقراطية تكون الإرادة الشعبية الحقيقية خارج حساباتها هي ممارسات شكلية وترسيخ للفاشية والديكتاتورية ..
وعندما قامت ثورة 25 يناير 2011 وانتهت بخلع حسني مبارك من الحكم أدرك العسكر أن هناك تغيرا من المؤكد أنه سيؤدي إلى تفعيل الإرادة الشعبية، وانتهاء حقبة الحكم العسكري والانتقال إلى الحكم المدني، وهو ما جعلهم يلجؤون إلى مؤامرة استندت على خبراتهم المخابراتية وتشرذم القوى المدنية وقلة خبراتها لتقويض أول حكم مدني وحصاره والتخلص منه بعد أقل من عام من توليه الحكم والقضاء تماما على فكرة تنافس المدنيين على الحكم واستلقاء العسكريين مرة أخرى على مقعد الحكم وسيطرتهم بشكل أكثر عنفا ووضوحا من الفترات السابقة ..
، وهذا أمر يحتاج لتفاصيل وحديث آخر، ما يهمنا الآن التأكيد على أن النظام الفاشي العسكري العائد ازداد حرصه على كسر أي قيم ومبادئ تتعلق بأي أفكار ومبادئ تدور حول الديمقراطية وتبادل السلطة والحريات والعدالة الاجتماعية
.

الخطط والبدائل

ورغم فشل النظام العسكري العائد في تحقيق أي نتائج إيجابية طوال سنوات حكمه فيما يتعلق بالتنمية ومواجهة الأزمات الاقتصادية وتدهورت البلاد بشكل غير مسبوق خلال فترة حكمه، إلا أنه ظل حريصا بشكل مدروس ومخطط على الاستمرار في الحكم وقطع أي طريق على عودة الحكم المدني، وذلك بعدة تدابير وإجراءات أمنية ومجتمعية وحصار لأي قوى سياسية أو شخصيات معارضة ..
إلا أن أهمها المباراة الدائرة الآن حول تعديل الدستور لمرة رابعة لضمان استمرار الرئيس الحالي في الحكم وتجاوز المدة المنصوص عليها في الدستور، وإلغاء أي ضمانات فيما يخص العدالة الانتقالية، وهو ما يشير إلى أن النظام العسكري الحاكم لا يسعى لضمان استمرار الحاكم الحالي فقط، وإنما ضمان عدم وصول أي حاكم إلى كرسي الحكم عبر اقتراع مباشر حقيقي وبإرادة شعبية حقيقية ليظل الحكم يحمل شكلا ديمقراطيا وهميا ومحتوى فاشيا عسكريا
.

والتجارب التاريخية تؤكد هذا المعني فلم تمنع الإرادة الشعبية عبر الصناديق الانتخابية العسكر في شيلي 1973م من الإطاحة بالرئيس المنتخب سيلفادور الليندي وقتله، ولم تحمه إرادة الصندوق بل وقف عاريا أمام الفاشية العسكرية دون غطاء ثوري شعبي معتمدا على نتائج الصناديق الانتخابية في ظل حكم عسكري لا تكسر شوكته ولا تهذب مطامعه وتضعه في إطاره الصحيح سوى إرادة الجماهير الثورية، وهو تقريبا ما حدث مع ثورة 2011 في مصر التي توهمت إمكانية نقل السلطة إلى الحكم المدني من تحت مظلة المجلس العسكري.

والحقيقة الثابتة التي لا نقاش فيها هي أن الديمقراطية لا تولد من رحم النظم الفاشية، وإنما من رحم الثورات.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة