مفهومُ “النُّخبَة” بيَن الهُلاميّة والاستعلاء

ما يزالُ مفهوم النّخبة من أكثر المفاهيم ضبابيّةً في ظلّ فوضى المصطلحات الذي يستبدّ بالواقع الإنسانيّ رغم أنّه من أكثرها شيوعًا وتداولًا في الحياة السياسيّة والفكريّة والثّقافيّة.

ومّما يميّز هذا المفهوم تعقيده وتشابكه واستبداده بحيث يفرض نفسه بقوّة في المحافل كلّها رغم ما يعلق به من إشكالات على مرّ فترات تطوره وتدرّجه الزّمني.

إضافة إلى ذلك كلّه فإنّ ما يميّزه أنّه مفهوم لصيقٌ بالمجتمعات على اختلافِها، ممّا يدلّ على أنَّ وجود النّخبة من حيثُ الأصل فطرةٌ إنسانيّة وحاجةٌ بشريّة وضرورةٌ حياتيّة.
وقبلَ الإطلالةِ على مفهوم النُّخبة وما رافقه من إشكالات لا بدّ من التوقُّف مع المعنى اللّغوي لكلمة النُّخبة وجمعُها النُّخَب، حيث إنَّ المدلول اللّغوي عادةً يمثّل المنطلق للمدلول الاصطلاحيّ القضايا المعرفيّة.

كلمة نخبة في اللغة مشتقة من الجذر “ن خ ب” بمعنى اختار واصطفى، فالنّخبة هم خيار النّاس وصفوتُهم، والانتخاب هو الاختيار والاصطفاء؛ فقد جاء في معجم مقاييس اللّغة لابن فارس: “النُّخْبَةُ: خِيَارُ الشَّيء .. وهوَ مُنتَخَبٌ أَي مُخْتَارٌ” 

وجاء في لسان العرب لابن منظور: “نخب: انتخب الشيء: اختاره، والنخبة: ما اختاره منه، ونُخْبة القوم ونخَبَتهم : خيارهم .. والانتخاب: الاختيار والانتقاء، ومنه النخبة؛ وهم الجماعة تختار من الرجال”.

 

  “السَّراة” النّخبة عند العرب الأولى

كانت العربُ في الجاهليّة تعبّرُ عن النُّخبة بلفظ السَّراة، وكان السَّراةُ في تلافيف الوعي القبليّ هم الحرز الواقي من الفوضى، وقد عبّر الشّاعر اليمنيّ الجاهليّ صلاءة بن عمرو بن مالك الملقّب بالأفوه الأزديّ عن ذلك بقولِه في داليّتِه التي تفيضُ جمالًا وحكمة:
وَالبَيتُ لا يُبتَنـــى إِلّا لــــَهُ عَمـــــَدٌ 
وَلا عِمـــادَ إِذا لـَم تُـــرسَ أَوتـــــــادُ

لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم   
وَلا سَـــراةَ إِذا جُهّــالُهُـــم ســـادوا

تُلفى الأُمورُ بِأَهلِ الرُشدِ ما صَلَحَت        
فَإِن تَـوَلَّــوا فَبِالأَشــــــرارِ تَنقــــادُ

إِذا تَوَلّــى سَـــــراةُ القَــــومِ أَمـرَهُمُ 
نَما عَلى ذاك أَمــرُ القَومِ فَــازدادوا

كَيفَ الرَشادُ إِذا ما كُنتَ في نَفَــــرٍ
لَهُــــــم عَنِ الرُشـــــدِ أَغـلالٌ وَأَقيادُ

فالنّخبة هنا هي مجموعةٌ من أهل الرّشد يقودون النّاس في المجتمع الذي يراه “الأفوه الأودي” فوضى دونهم، فهم ضرورة للاستقرار وضرورة للتنظيم وضرورةٌ للبناء الذي يحتاجهُم أعمدةً وأوتادًا.

غير أنّ الإشكال هنا يكمن في الخلاف في المعنى اللُّغوي الذي يلقي بظلاله على المفهوم، فالسَّراةُ في لغة العرب هم الأشرافُ والنّخبة كذلك، غير أنَّ الأصل في النّخبة هو الاختيار والانتخاب بينما السَّراة لا اختيار فيها، فالنُّخبة عند العرب في الجاهليّة لم تكن تخضع لمعايير بنائيّة محدّدة واضحة ولا لاختيارٍ بآليّة معيّنة.

    “أهل الحلّ والعقد” النُّخبة في الفقه الاسلاميّ 

وأهل الحلّ والعقد وإن كان مصطلحًا ‏متعلّقًا بالنّخبة السّياسيّة في التراث الإسلامي غير أنّه مع تمدّد الأيّام غدا دالًّا على النّخبة بمفهومها الفكري والثّقافي أيضًا.
ومصطلح أهل الحلّ والعقد لم يُذكر في النّصوص الشرعيَّة من كتابٍ أو سنَّة ولم يكن معهوداً في عصر الصّحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
 وإنَّما هو مصطلح اجتهاديٌّ شاعَ على ألسنة الفقهاء وفي عباراتِهم ليترسَّخ بعد ذلك في عمق التراث السياسي الإسلامي. 
وتكمن الإشكاليّة فيه انّه بقي مفهومًا هلاميًّا غير واضح المعالم، وغير محدّد الآليّات سواء في الاختيار أو العمل.
وإنَّ الحديثَ عن أهل الحلّ والعقد يحتاج تفصيلًا في مواضع أخرى، غير أنَّ المهمّ هنا هو أنَّ هذا المفهوم الذي كان عنوانًا للنّخبةِ وما زال بقيَ غير واضح المعالم شائكًا في تعقيداته.
على أنَّ هناكَ مصطلحًا آخر كان يطلق في تلكم المرحلة على النّخبة هو “الخاصّة”؛ هذا المصطلح الذي كان أوسع من مصطلح أهل الحلّ والعقد ممّا تسبب بكونه أكثر هلاميّة منه، بحيث يدخل فيه أهل السياسة والعلم والفكر والمهن والفنّ، وهو دلالةٌ على المقرّبين من الشّخصيّات السّياسيّة أو العلميّة الرئيسة في الدّولة والمجتمع.
ومن المهمّ في هذا الإطار التنويه إلى أنَّ مجتمع ما قبل الإسلام أي مجتمع القبيلة عند العرب وكذلك الدّولة الإسلاميّة في صورتها الأولى يعتمدُ وجود النُّخبة الواحدة، بينما كان الانتقال من النُّخبة الواحدة إلى النُّخب المتعدّدة متأخرًا نسبيًّا. 

 النّخبة مفهومًا في القرن العشرين

إنَّ المفكّر الفرنسي سان سيمون المتوفّى سنة 1760 يعدّ من أوائل من وضع الخطوط الرّئيسة لتحليل مفهوم النّخبة من خلال تحليل المجتمع الفرنسي. 
 ويوضّح سيمون بأنَّ مفهوم النّخب يشمل كلّ النّخب العلميّة والمهنيّة والفكريّة في المجتمع، ويشدّد على أهميتها وضرورة وجودها.
غير أنّ مفهوم النّخبة برز بشكل واضحٍ وقويّ في ثلاثينيّات القرن الماضي، لا سيما في بريطانيا والولايات المتّحدة. 
وقد عرّف دينكن ميشيل النّخبة في معجم علم الاجتماع بأنّها: “جماعةٌ من الأشخاص يتم الاعتراف بعظَمة تأثيرهم وسيطرتهم في شؤون المجتمع حيث تشكل هذه الجماعة “أقليّة حاكمة” يمكن تمييزها عن الطبقة المحكومة، وفقًا لمعيار القوة والسّلطة بدلالة تمتّعها بسلطان القوة والنفوذ والتأثير في المجتمع أكثر مما تتمتع به الطبقة المحكومة فيه، وذلك بسبب ما تمتلكه هذه الأقلية من مميّزات القوّة والخبرة في ممارسة السّلطة والتّنظيم داخل المجتمع الأمر الذي يؤهّلها لقيادته.
أمَّا المفّكر الأمريكي روبرت داهيل فإنّه يعرّف النُّخبة بأنها: “مجموعةٌ من الأفراد الذين يشـكّلون أقليّـة وتسـودُ تفضيلاتهم عند حدوث اختلاف التّفضيلات المتعلقة بالقضـايا الأساسـية فـي المجتمع”.
عند تتبُّع عموم التعريفات المعاصرة لمفهوم النُّخبة نجدُها تتحدّث عن طبقة من أفراد المجتمع لها تأثيرُها الكبير في الحياة السّياسيّة والدّينيّة والفكريّة والاجتماعيّة والثّقافيّة للدّولة والمجتمع.

•    النُّخَب .. إخضاعٌ وطبقيّة

وهذه النُّخب على اختلافِ مراحلها الزمانيّة وتوزّعاتها المكانيّة هي التي ترسم للمجتمع توجّهاته المختلفة بطريقةٍ تبدو ناعمةً ومكسوّةً بالشّرعيّات المختلفة في الظّاهر غير أنّها مستبدّة وغير متسامحة في حقيقة الأمر.
فهي تُخضع المجتمع لتوجّهاتها هي، بما تملكه من نفوذ معنويّ وماديّ وامتيازات تتيح لها التأثير الواسع، وهذا يجعل المجتمعات العريضة تنطبع بطابع النّخب وتوجّهاتها.
فمفهوم النُّخبة يضفي على هذه الجهات شرعيّة التأثير ويزرع الموثوقيّة على الرّغم من هلاميّة هذا المفهوم الذي ينتج عنه هلاميّة هذه الشريحة المؤثّرة.
كما إنَّ مفهوم النّخبة يقسم المجتمع إلى أقليّة مؤثّرة وأكثريّة خاضعة لهذا التأثير، ولئن كانت هذه هي طبيعة الحياة وفطرة المجتمعات، لكن ما ليس طبيعيًّا هو عدم وضوح هويّة هذه الأقليّة وهلاميّتها.
كما أنَّ هذا المفهوم إن لم يتمّ ضبطه فإنّه سيؤدّي إلى حالةٍ من الطبقيّة المضرّة بالمجتمع بخلاف المقصود من وجودها التّخصصي النّافع.
فهناكَ فرقٌ كبيرٌ بين النّخب التي تشكّل أقليّة مؤثّرةً في المجتمع من باب الشّعور التّخصصي والمسؤوليّة في التّغيير، وبين النّخب التي تشطر المجتمع إلى قسمين تستعلي فيه الأقليّة على الأكثريّة، وتطلق عليها فيه النّخب على ذاتها ألقابًا راقيةً بينما تطلق على الأكثريّة ألقابًا وأوصافًا تُشعرهم بالدّونيّة.
ومن ذلك أن تسمّي النُّخب نفسها “العلماء” أو “الخواص” أو “رجال الدّين” أو “أهل الحلّ والعقد” أو “الأعيان” أو “النّبلاء” أو “علية القوم” أو “أهل البلاط” 
 بينما تسمّي الأكثريّة “العوام” أو “الدّهماء” أو “الرّعاع” أو “البروليتاريا” أو “العبيد” أو “الغوغاء”
فهذه الطّريقة تنمّ عن استعلاءْ على الأكثريّة وازدراء لها، ممّا يعمّق الشّرخ بين الفريقين، ويجعل العلاقة التي ينبغي أن تكون علاقةً إيجابيّةً تكامليّةً علاقةً تشوبها المشاعر السلبيّة والبغضاء الدّفينة التي تورث مع الأيّام كفر الأكثريّة بهذه النُّخب على اختلافها.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه