في مئوية ميلاده (الشيخ إمام عيسى .. صوت الاحتجاج والتمرد)

الشيخ إمام عيسى وأحمد فؤاد نجم

ما بين مئوية جمال عبد الناصر يناير/كانون الثاني، ومئوية أنور السادات ديسمبر/كانون الأول ٢٠١٨ مرت مئوية الشيخ إمام عيسى الملحن صوت الفقراء والثوار في يوليو/تموز ٢٠١٨ بلا احتفالية.

صوت الفقراء والثوار

ما بين مئوية جمال عبدالناصر يناير/كانون الثاني، ومئوية أنور السادات ديسمبر/كانون الأول ٢٠١٨ مرت مئوية الشيخ إمام عيسى الملحن صوت الفقراء والثوار في يوليو/تموز  ٢٠١٨ بلا احتفالية.

وبينما حشدت القوي الناصرية في مصر والوطن العربي لفعاليات متعددة علي مدار العام المئوي لعبد الناصر، احتفلت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بمئوية السادات بتمثال إسرائيلي وجائزة ترامبية وكلمة للرئيس المصري ..
وفي زحام الحدثين تاهت مئوية صوت الاحتجاج الوطني في عهد الرئيسين السابقين الشيخ الملحن الكفيف إمام عيسي. 

ربما كانت هذا التوهان تعبيرا عن توهان جمهور الشيخ في زحام القهر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يمر به جمهوره من العمال والفلاحين والطلبة الذي طالما غنى لهم ومعهم: 
سيد قصورك على المداين  (المدائن)
من كدنا وعرق إيدينا 
والخمارات جنب المصانع 
والسجن مطرح الجنينة 
وقل نومنا في المضاجع 
أدي إحنا نمنا ما اكتفينا 
عمال وفلاحين وطلبة 
دقت ساعتنا وابتدينا 

صوت الآلام

لقد أوجع هذا الجمهور بقسوة في السنوات الأخيرة، فنسي شيخه المغني وصوت الآلام الذي عبر عنها خلال نصف قرن ..
ولا عجب أن تشاهد في عام المئوية، فرح لبناني والعروسان والمعازيم ينشدون: 

“اتجمعوا العشاق في سجن القلعة 
اتجمعوا العشاق في باب النصر” 
ويأتيك حفلا فنيا في تونس والمطربة صوفيا صادق تشدو أيضا 
شيد قصورك على المداين

وعلى استحياء في مصر حاولت فرقة شبابية أن تحيى مئوية شيخنا الموسيقي المجدد في إحدي البيوت الثقافية .. إجمالا غابت الاحتفالية التي تليق بما قدم إمام عيسى للمصريين والثوار في كل مكان، وهو المغني الذي صار عنوانا للاحتجاج وصوتا للثوار منذ ظهوره على الساحة الفنية والسياسية في أعقاب هزيمة يونيو 1967.

وقال الكاتب الصحفي الناصري محمد عودة عن ظاهرة الشيخ إمام والشاعر أحمد فؤاد نجم: 
“كأنهما انبثقا فجأة من قلب مصر المكلوم وروحها الجريحة ومن كل المرارة المكظومة وقدما بلسما لجرح بدا أنه لن يندمل”؟ 

وُلد الشيخ في الثاني من يوليو/تموز ١٩١٨، وحفظ القران الكريم صغيرا، وأُصيب في عينيه؛ فصار كفيفا فلقب بالشيخ، وعشق الموسيقى وإن لم تتح له فرصة دراستها. 
وصار يغني التواشيح العربية والأغاني الكلاسيكية في رحلة البحث عن ذاته الموسيقية في كلمات جديدة وألحان مختلفة حتى كان اللقاء مع شاعر العامية أحمد فؤاد نجم ..

 

اللقاء الأول بين عيسى ونجم

وعن لقائهما الأول يقول نجم: 
“كان اللقاء الأول في حوش قدم عن طريق صديق مشترك هو سعد الموجي .. هناك تعرفت بشيخ ضرير يحتضن عودا قديما، وسرعان ما راحت أنامله تداعب أوتار العود، وانساب النغم حلوا واضحا يصل إلى القلب مباشره حالما يبارح الأوتار، وغنى إمام لمشايخ الملحنين وجهابذة الطرب”. 

وحينما سأل “نجم” الشيخ إمام، لماذا لا تلحن كلمات جديدة؟، رد عليه مش لاقي كلام، فقال نجم: أنا عندي كلام، فأجابه: هات الكلام ..  ويبدو أن كلام الأغنية لم يرق للشيخ.

وفي مره أخرى بينما كان نجم يقول مقطعا من قصيدة لسعد الموجي، فوجئ بالشيخ إمام يلحن المقطع قبل أن يكمل نجم قصيدته ..
وخلال خمس دقائق -حسب كلام نجم- كانت الأغنية الأولى بين الثنائي الذي قدم المئات من الأغاني والألحان.

ورغم أن إمام تعامل مع شعراء آخرين إلا أن مشواره الأهم كان مع أحمد فؤاد نجم .. 
كان المشوار الذي يعبر عن مصر الأخرى التي لا تراها على الشاشات أو في جرائد الصباح. 
تفجرت أعمال الثنائي مع الهزيمة في يونيو/حزيران 1967، وصار إمام صوت كل القوى الحالمة بالمستقبل والنصر والمعبر عن جموع الشعب المصري ..
فكتب نجم ولحن إمام:  
هم مين واحنا مين 
احنا الأرض حطبها ونارها 
احنا الجيش اللي يحررها 
احنا الشهداء في كل مدارها 
منكسرين أو منتصرين 
حظر فزر شغل مخك 
شوف مين فين بيحكم مين 

كان جمهور إمام هو جزء من الأغنية واللحن، فهو صوت من الجمهور ..
يقول المفكر المصري فؤاد زكريا عن ألحان الشيخ وأدائه:
“إنه مزيج من الإنشاد والدعوة والخطابة وصيحات الحماس والإعجاب وهمسات الاستنكار وغمزات اللوم والتقريع .. إنه يترك فيك إحساسا بأنه يدعوك إلى شيء ولا يكتف بإمتاعك فنيا”. 

أما علاقته بالجمهور فيقول عنها:
“هذا الفنان قدرته غريبة على جذب الجمهور إليه، وإشراكهم  معه في الأداء لا يكاد ينتهي مقطعا أو اثنين في أية أغنية حتى نجد الجمهور قد اشترك معه وكأنه يعرف الأغنية من زمن طويل”. 
يبدو ما يقوله فؤاد زكريا جليا في أغنية ( حاحا ) 
ناح النواح والنواحة 
على بقرة حاحا النطاحة 
والبقرة حلوب 
حاحا 
تحلب قنطار 
حاحا 
لكن مسلوب 
حاحا 
من أهل الدار 
حاحا 

 

إمام ونجم على أكبر مسارح فرنسا

لقد صار الشيخ إمام علامة مميزة في تاريخ الثوار في مصر، والوطن العربي، وقدم حفلات في كل بلاد العالم، ولعل أبرز ما قدمه كان في فرنسا وهناك غنى إمام ونجم على أكبر مسارح فرنسا: 

فاليري جيسكار ديستان 
والست بتاعه كمان 
هيجيب الديب من ديله 
ويشبع كل جعان 
يا سلالم يا جدعان 
ع الناس الجنتلمان 
دا احنا ها نتمنجه واصل 
وها تبقى العيشة جنان 
والتليفزيون ها يلون 
والجميعات تتكون 
والعربيات ها تمون 
بدل البنزين برفان 
وده كله بفضل صديقي 
فاليري جيسكار ديستان 

وفي هذا اللحن تبدو عبقرية إمام في التلحين، وكيف أنه يلحن كل كلمة ويعطي لكل كلمة لحنها. 
 
وفي هذا السياق يقول المفكر حسن حنفي: 
“ألحان إمام ليست عادية تقليدية بل هي ألحان شعبية أصيلة تكون الأصالة بقدر ما يرتبط اللحن بالأرض والتراث ..بساطة اللحن وطبيعته وصدقه وعدم التكلف وافتعال؛ فهو يعطي كل كلمة لحنها، وكل لحن أداء فهو ينعي جيفارا كما تنعي نساؤنا الأموات ويباسط مع ابن البلد ( يا عم روق ) ..

وإذا دخل الروم وانكسر الباب أطال الشيخ إمام في ( رايحين في النوم ) باللحن الأساسي لا يتغير بتغيير أوجه الأداء بل في كل مرة يؤدي اللحن نفسه بأداء جديد كأن الإنسان يسمعه لأول مره”.

ظاهرة فنية مستمرة باستمرار الظلم

يظل الشيخ إمام في وجدان الشعوب ويبقى ظاهرة فنية مستمرة باستمرار الظلم والقهر والاستبداد والاحتكار .. باستمرار الطلبة والعمال والفلاحين والباحثين عن الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة .. لذا لا تستغرب أن تجد غدا أو بعد غد؛ 
دعوة احتجاجية بعنوان عمل من أعمال إمام: 
والجدع جدع 
والجبان جبان 
بينا يا جدع ينزل الميدان 

أو تسمع جماعة طلابية أو شبابيه تغني: 
كل ما تهل البشاير 
من يناير كل عام 
يدخل النور الزنازين 
يطرد الخوف والظلام. 
ملحوظه: يُفضل قراءة المقال وأنت تستمع لأغاني مولانا الشيخ إمام عيسى!

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه