مقالات

التدمير بالقروض يفوق التدمير بالقنابل!

التجربة المصرية مع القروض مريرة، فهي السبب الذي فتح الطريق لاحتلال الإنجليز لمصر؛ بدأت مع سعيد ابن محمد علي الذي ضحك عليه ديليسبس وانتزع منه الموافقة على حفر قناة السويس.

 

فتح الأبواب أمام الاقتراض الخارجي والمحلي أقصر طريق لتخريب أي دولة، ويفوق التدمير بالقروض التدمير بالقنابل، لأن القروض ترهن كل شيء في الدولة للدائنين، وتفتح الباب للتدخل الخارجي، ووضع الدولة تحت الوصاية، وتصفيتها وبيع أصولها لانتزاع مستحقات الدائنين الأجانب.

في آخر احصائية صدرت في يونيو/حزيران الماضي بلغ حجم ديون مصر الخارجية 92.6 مليار دولار، بما يعادل 37% من الناتج المحلي الإجمالي، وقد حددت الحكومة المصرية سقف الاقتراض الخارجي للسنة المالية 2018-2019 عند 16.733 مليار دولار.

وارتفع حجم الدين الخارجي لمصر مؤخراً إلى 110 مليارات دولار، بناءً على حديث وزير المالية محمد معيط، مع أعضاء لجنة الشؤون التشريعية في مجلس النواب المصري.

أما بالنسبة للدين العام المحلي فقد تضخم بشكل مفزع إذ بلغ حسب البنك المركزي في يونيو الماضي نحو 3.694 تريليون جنيه، بما يمثل 83.3% من الناتج المحلي الإجمالي، أي إن الرقم الإجمالي للديون الخارجية والمحلية تجاوز حجم الناتج القومي الإجمالي.

ما نراه الآن في مصر استنساخ لتجربة الخديوي إسماعيل، فالسلطة تقترض من دول العالم بكل أريحية ولا نعلم أين تنفق كل هذه المليارات؟ ولا يوجد برلمان مستقل يحاسب، ولا يوجد إعلام حر يكشف ويناقش ويحقق.

لا نعلم حجم القروض إلا من إعلانات البنك المركزي الخاصة بالقروض التي حان وقت سدادها، وهي أقل بكثير من الحجم الحقيقي، لأنها لا تتضمن كل القروض المتعاقد عليها، إذ يتم الاتفاق على القروض بشكل سري ويتم اخفاء الاتفاقات والتعاقدات، ولا ترسل للبرلمان ولا تنشر في الجريدة الرسمية.

تدليل الأثرياء وسحق الفقراء

لم يستفد الشعب من هذه القروض، فالدولة تخلت عن واجبها تجاه المواطنين وسلمت إدارة الاقتصاد لصندوق النقد الدولي الذي يلغي أي دعم يوفر الحد الأدني لحياة المصريين، والمفارقة أن الحكومة التي تنكل بغالبية المصريين في زمن القحط والانهيار الاقتصادي تنفق بسخاء على مشروعات للأثرياء والمترفين، وتبدد القروض في بناء مدن جديدة ليس لها أي ضرورة ولا أهمية.

السلطة الحالية لا تفكر في الشعب، وسياستها عنصرية تخدم طبقة ضيقة جدا ومحور نشاطها بناء مدن استثمارية تخص الأثرياء والأجانب، فالقروض موجهة لبناء العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة والمنصورة الجديدة وجبل الجلالة وغيرها التي لا يقل سعر أقل وحدة سكنية بها عن مليون جنيه، أي ليست للمصريين.

حتى القطار الكهربائي الذي سيتم الشروع في تنفيذه بتكلفة 1.5 مليار دولار يخدم الخط العمراني للمترفين الممتد إلى العين السخنة، والمفارقة أن شبكة السكك الحديدية التي تربط كل أنحاء مصر كانت تحتاج إلى 10 مليارات جنيه فقط لميكنتها ومنع تصادم القطارات ولكن هذا الطلب تم رفضه!

تمويل هذه المشروعات الصحراوية يعتمد على مصدرين أساسيين: الأول، عائد بيع الشركات والمصانع والأراضي، والثاني الاقتراض من الخارج والداخل حيث تتعاقد الحكومة مع الدول لتشغيل شركاتها وتوظيف رعاياها، مثل الصين وفرنسا وألمانيا بقروض ضخمة.

والأكثر غرابة هو تحويل هذا السلوك التخريبي إلى عمل إيجابي يدعو للفخر ويحتفلون بإنجازات استفزازية ليس لها قيمة، مثل بناء أكبر برج في الشرق الأوسط، وأكبر نهر أخضر وأكبر مسجد وأكبر كنيسة، وأكبر أوبرا وأكبر ملاهي، وأكبر مدينة سياحية في جبل الجلالة!

التجربة التاريخية مع القروض

التجربة المصرية مع القروض مريرة، فهي السبب الذي فتح الطريق لاحتلال الإنجليز لمصر؛ بدأت مع سعيد ابن محمد علي الذي ضحك عليه ديليسبس وانتزع منه الموافقة على حفر قناة السويس بالمخالفة لرأي والده الذي رفض الفكرة حتى لا تكون مثل مضيق البوسفور سببا في تكالب القوى الأوربية على مصر، وهذا ما حدث بعد ذلك.

وبعد وفاة سعيد استلم إسماعيل حكم مصر والإيرادات أكبر من المصروفات رغم القروض التي أخذها سلفه سعيد، ولكنه خضع لغواية روتشيلد والمرابين الدوليين واقترض بلا حساب حتى تعثر وعجز عن السداد ورهن كل شيء وباع أسهم قناة السويس، فأدخل مصر في دوامة لم تفق منها حتى الآن.

 أغرق الخديوي إسماعيل البلد في القروض للإنفاق على بناء القصور، والحفل الأسطوري لافتتاح قناة السويس، وتشييد الأوبرا، ورغبته في تحويل قلب القاهرة إلى قطعة من أوربا ففتح الباب أمام الدائنين الأوربيين للسيطرة على مصر.

اتسم عصر إسماعيل بالإسراف والبذخ وظل يقترض حتى عجز عن السداد فخضع للأجانب الذين وضعوا أيديهم على إيرادات الدولة فكان صندوق الدين ثم الرقابة الثنائية الإنجليزية والفرنسية على مالية مصر، ثم تأليف لجنة تحقيق دولية وتعيين وزيرين أوربيين، في الحكومة المصرية ..
ووصل التدخل إلى النقطة الأخيرة وهي إعلان الإفلاس لبيع الأصول، وعندما فكر إسماعيل في الاستعانة بالحركة الوطنية والأعيان تم عزله وتوليه ابنه توفيق وبعدها دخل الإنجليز مصر.

لعبة القروض المكررة، هي أن تقترض حتى تعجز عن السداد، فتقترض المزيد لسداد القروض وفوائدها، فتتدخل الدول الكبرى لضمان حقوق الدائنين، وتنتهي سيادة الدولة حيث تضطر السلطة الغارقة إلى تسليم الاقتصاد لممثلي هذه الدول، ويكون الضحية في كل الحالات هو المواطن الذي يتحمل فاتورة الإدارة الفاشلة.

النتيجة الطبيعية للقروض في الوقت الحالي أن كل دولة ستأخذ المشروعات التي شاركت في تنفيذها، فالألمان سيأخذون محطات الكهرباء، والأمريكيون سيأخذون مرفق المياة، والإنجليز شركات البترول والسكة الحديد والفرنسيون سيأخذون المترو.

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة