“جميل مردم” الذي ظهر مع عبد الناصر والقوتلي في شرفة إعلان الوحدة

 

“جميل مردم” واحد من أبرز رجال الحركة الوطنية السورية في عهدي الكفاح السري والعلني ثم في عهد الحكم الوطني الديموقراطي وحتى عصر الانقلابات العسكرية التي دفعته للابتعاد الذكي عن شرعنتها أو الاعتراف بها، ولهذا عاش مستريح الضمير مرهوب الجانب وإن كان بعيدا عن وطنه لكنه اتخذ مصر مستقرا لا مهجرا، وهو أبرز الساسة السوريين علاقة بمصر في عهد ثورة 1952 وقبل إعلان الوحدة حتى إنه وقف في الشرفة مع الرئيسين جمال عبد الناصر وشكري القوتلي في الاحتفال بإعلان الوحدة بين سوريا ومصر في 22 فبراير 1958.

وصفه خلفه في رياسة الوزارة الأستاذ معروف الدواليبي بأنه كان “حركة دائبة في دمشق لا يغني عنه أحد في الأجواء السياسية” ومع هذا فقد نفى نفسه نفيا اختياريا لأنه كان صاحب فكر مستقيم دفعه لأن يترك سوريا عندما طغت عليها مضاعفات الانقلابات العسكرية وآثر أن يعيش بعيدا عن وطنه، حتى إنه توفي في القاهرة.

النشأة والتكوين

كان جميل مردم بك (1893 ـ 1960) واحدا من طليعة السياسيين السوريين الذين نجحوا في تحقيق استقلال سوريا والحفاظ على شخصيتها، ولد في العام الذي ولد فيه صنوه في الكفاح سعد الله الجابري 1893 -1947 وتوفي في العام الذي توفي فيه زعيمهما هاشم الأتاسي الذي امتد به العمر (1875- 1960) وكانت في جميل مردم صفات من صفات كليهما جمعت بينه وبينهما وجعلته بمثابة الوسط الهندسي بين الرجلين.

عاش جميل مردم بك حياة حافلة بالمجد منذ مولده فقد كان والده عبد القادر مردم قاضيا في محكمة الاستئناف، ومن الجدير بالذكر هنا أن والد هاشم الأتاسي كان مفتي حمص وأن والد سعد الله الجابري كان مفتي حلب وأن والد حسني الزعيم كان مُفتيا في الجيش العثماني

أما أسرة مردم نفسها فتُعدٌ في طليعة الأسر الدمشقية إذ يرجع نسبها إلى الوزير الكبير لا لا مصطفى باشا قائد الجيوش التركية وفاتح قبرص والذي كان مُتزوجا من السيدة فاطمة خاتون حفيدة السلطان الغوري، ومن الجدير بالذكر أيضا أن مؤلف النشيد القومي السوري هو الشاعر عدنان مردم 1917-1998 وأن هناك كتابا لتميم مردم بك يؤرخ لأجيال هذه العائلة على مدى خمسة قرون منذ عام 1500.

بدأ جميل مردم بك كفاحه السياسي مبكرا فقد شاركه أقرانه حين كان لا يزال في دمشق (1911)، في تأسيس جمعية سرية مُستهدفة لتحرير سوريا والأرض العربية من الهيمنة الأجنبية.

وفي باريس درس جميل مردم بك دراستين متوازيتين نجح فيهما معا فقد كانت دراسته للعلوم الزراعية بناء على رغبة أهله وتخطيطهم، وكانت دراسته للعلوم السياسية تحقيقا لطموحه.

  وفي باريس اشترك جميل مردم بك  مع سبعة آخرين من الشباب العربي الناهض في تأسيس  “الجمعية العربية الفتاة” ثم شارك  في توحيد الدعوة إلى تأسيس المؤتمر العربي العام 1913 وأصبح أمينه العام المساعد وأصدر هذا المؤتمر توصيات بُلٌغت للسفير العثماني في باريس وللدول الأوربية وبسبب مشاركته في هذا المؤتمر حوكم أمام المحكمة العليا التي شكلها جمال باشا حاكم سوريا (1916) برئاسته هو نفسه وحكمت بالإعدام على مجموعة من رموز العمل السياسي، و قد حُكم على جميل مردم بك غيابيا، فترك باريس وتوجه إلى الجاليات العربية في أمريكا اللاتينية ليدعم قضية استقلال وطنه العربي.

في فرساي

ولما توجه الملك فيصل ملك سوريا إلى مؤتمر الصلح في فيرساي انضم جميل مردم بك إليه، وعاد معه على نفس الباخرة إلى دمشق في 3 مايو 1919 وأصبح من مستشاري الملك فيصل الأول وعُيٌن معاونا لوزير الخارجية عبد الرحمن الشهبندر وزير الخارجية في حكومة الرئيس هاشم الأتاسي.

ومن الجدير بالذكر من دون استباق للحوادث التاريخية التي سترد في سياقها أن جميل مردم بك بدأ حياته الحزبية فيما بعد مرتبطا بحزب الشعب الذي رأسه عبد الرحمن الشهبندر ثم تحول إلى حزب الكتلة الذي كان يرأسه هاشم الأتاسي ثم كان من الذين اتهموا باغتيال الشهبندر لكن المحكمة برأته.

انضم جميل مردم بك إلى الثورة السورية التي أعقبت إعلان الانتداب الفرنسي على سوريا (1920) فلما حوصر جبل الدروز تمكن جميل مردم بك من الهرب إلى حيفا لكن السلطات البريطانية سلمته للفرنسيين الذين نفوه إلى جزيرة إرواد الواقعة في البحر المتوسط بالقرب من طرطوس على الساحل السوري.

في 1923 عينت السلطة الفرنسية الجنرال ويغان ليكون مندوبا ساميا في سوريا خلفا للجنرال غورو الذي تولى فرض الانتداب الفرنسي على سوريا بقسوة ، وقد أصدر هذا المندوب السامي الجديد في يونيو 1923 عفوا عن الوطنيين الذين كانوا خارج البلاد السورية وعن سلطان باشا الأطرش وعن المعتقلين في جزيرة إرواد ، ومنح حكومة دمشق وحلب الحق في انتخابات تمثيلية في أكتوبر 1923، وبناء عل هذا أسس عبد الرحمن الشهبندر أول الأحزاب السورية (1924) وانضم إليه عدد من الزعماء الذين أصبحوا بعد ذلك زعماء في حزب الكتلة الذي أصبح يُمثل الأغلبية، وكان من هؤلاء جميل مردم بك وفارس الخوري، كما كان من مؤسسي الحزب لطفي الحفار وحسن الحكيم ونزيه المؤيد العظم. وقد أُقيم حفل إعلان الحزب في 5 يونيو 1925 وانتخب الشهبندر رئيسا وفارس الخوري نائبا للرئيس، كما أعلن عن افتتاح فروع للحزب في حمص وحماة وحلب واللاذقية.

 ولما تشكلت الكتلة الوطنية (1928) ترك جميل مردم بك حزب الشعب وانضم إليها وأصبح أمين السر فيها وفاز في انتخابات 1928، وأصبح بعد أربعة أعوام وزيرا للمالية (1932 و1933)، وكانت استقالته مُشرٌفة له إذ إنه اعترض على اقتراح بإسقاط جميع ديون الدولة عن المدينين، وكان بعض النواب من هؤلاء المدينين.

زيارة للنحاس

يُذكر له بأنه زار الزعيم مصطفى النحاس باشا في القاهرة في ذروة تعسف حكومة انقلاب إسماعيل صدقي باشا (1932) وكان برفقته نائب حماة الدكتور توفيق الشيشكلي.

وبعد عامين كان جميل مردم بك هو الزعيم العربي الذي تولى الصلح بين السعودية واليمن  في 1934 بعد أن تطور النزاع بين حكامهما إلى الحرب المعروفة، وقد تمكن من عقد معاهدة صداقة وتعاون بين الجانبين.

في 1936 تعرض جميل مردم بك للاعتقال بسبب قيام التُجٌار بالإضراب الشامل ردا على تلكؤ الفرنسيين في تنفيذ تعهداتهم، كما قبض عليه بسبب خطبة نارية ألقاها في مقبرة الباب الصغير بعد تشييع جنازة أحد الشهداء.  ثم كان عضوا في وفد التفاوض مع فرنسا (1936) الذي توصل لعقد معاهدة 9 سبتمبر 1936، ومن الجدير بالذكر أن وفد المفاوضات السوري ضم مع هاشم الأتاسي كلا من فارس الخوري وجميل مردم وسعد الله الجابري.

 انتهى الأمر بإجراء الانتخابات وكان جميل مردم بك على رأس قائمة الكتلة التي فازت في دائرة دمشق والغوطتين.

 ولما استقر الوضع بفوز الكتلة برئاسة هاشم الأتاسي بالأغلبية البرلمانية في 1936 وأصبح هاشم الأتاسي رئيسا للجمهورية، وفارس الخوري رئيسا لمجلس النواب  عُهد إلى جميل مردم بك برئاسة الوزراء فكان أول رئيس وزراء في العهد الأول من عهود رئاسة هاشم الأتاسي للجمهورية السورية (من الجدير بالذكر أن سعد الله الجابري كان هو أول رؤساء الوزارة في عهد الرئيس شكري القوتلي في 1943 ) وقد ظل جميل مردم بك في هذا المنصب ما بين 21 ديسمبر 1936 وحتى 18 فبراير 1939 حيث  شكل وزارتيه الأولى والثانية (كان تشكيله للثانية في 26 يوليو 1938 ) وقد  استقال احتجاجا على تباطؤ فرنسا في الوفاء بتعهداتها لسوريا ، وخلفه لطفي الحفار، وقد عاصر عهده في رئاسته للوزارة عهدي  النحاس باشا ومحمد محمود باشا.

زار جميل مردم بك فرنسا ثلاث مرات في العامين التاليين لتوقيع معاهدة 1936 والتقى بكثيرمن قادتها، كما زار تركيا والتقى بأتاتورك للتباحث في قضية لواء الإسكندرونة

أيام الأزمة

كانت أصعب الأزمات السياسية التي واجهته هي اتهامه في 1940 بالمشاركة في اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشهبندر فاضطر إلى الهرب إلى العراق وبقي خارج سوريا حتى صدر الحكم بتبرئته هو ورفاقه الزعماء ممن حاولت سلطات الغرب تشويه صورتهم بالباطل.

يذكر أن جميل مردم بك زار مصر مع فارس الخوري (1942)

في 1943 وعقب فوز الكتلة بالانتخابات وتولي شكري القوتلي رئاسة الجمهورية للمرة الأولى شكٌل سعد الله الجابري الوزارة وأصبح جميل مردم بك نائبا ثانيا لرئيس الوزراء ووزيرا للخارجية، فلما شكل فارس الخوري الوزارة خلفا لسعد الله الجابري (في أكتوبر 1944) تولى جميل مردم بك وزارتي الخارجية والدفاع والاقتصاد الوطني، ثم وزارة الخارجية والدفاع في وزارة فارس الخوري الثانية، وكان هو رئيس الوزراء بالنيابة في أثناء حضور فارس الخوري لمؤتمر سان فرانسيسكو المؤسس للأمم المتحدة.

قام جميل مردم بك بمهام بروتوكولية وتأسيسية الطابع فاختير وزيرا مفوضا في مصر (أكتوبر 1945) ليتولى تأسيس السفارة السورية وقام بالمهمة ذاتها (نوفمبر 1945) في السعودية.

وعلى نحو ما كان جميل مردم بك  قد شكل وزارتين متتاليتين في عهد هاشم الأتاسي الأول فإنه تولى  رئاسة الوزارة ثلاث مرات متتالية في عهد رئاسة شكري القوتلي ما بين 29 ديسمبر  1946و1 ديسمبر 1948  وهي  وزاراته الثالثة والرابعة  والخامسة  فيما يوازي عهد النقراشي باشا في رئاسة وزراء مصر  (تشكلت وزارته الثالثة في 29 ديسمبر  1946 و تشكلت زارته الرابعة في أكتوبر 1947و تشكلت الخامسة في أغسطس  1948 ) وقد جاء شغله لرئاسة  وزاراته الثلاث ما بين وزارتين رأسهما خالد العظم أي أن خالد العظم كان سلفه كما كان خلفه أيضا ، وفي هذه الوزارات   جمع جميل مردم بين وزارتي الداخلية والصحة والإسعاف العام مع الرئاسة ثم جمع  وزارة الخارجية مع الرياسة كما تولى وزارة الدفاع بنفسه منذ مايو 1948 عندما نشبت حرب فلسطين.

في عهد وزارته الثالثة تعدل قانون الانتخاب فأصبح مباشرا أي على درجة واحدة بدلا من درجتين (7 يوليو 1947) وأجريت انتخابات 1947 وأقرٌ المجلس الجديد التعديل الذي سمح بتمديد الرئاسة لفترة ثانية وكان هذا التعديل كما هو معروف من أجل تمكين الرئيس شكري القوتلي من الاستمرار.

وقد شهدت وزارته الرابعة (المشكلة في أكتوبر 1947) اندلاع مظاهر الاحتجاجات العربية العارمة على قرار تقسيم فلسطين وفي هذه الاحتجاجات قُتل أربعة من الشيوعيين وهوجمت سفارات أمريكا وبلجيكا والمركز الثقافي السوفيتي والحزب الشيوعي واستقال كثيرون من ضباط الجيش السوري لينضموا إلى جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي الذي اتخذ من دمشق مقرا لقيادته، واحتجت بريطانيا لدى سوريا على غارات المتطوعين العرب!!

وفي عهده دخل الجيش السوري فلسطين بعد يومين من إعلان قيام دولة إسرائيل لكن الصهاينة تصدوا للهجوم السوري في وادي الأردن.

 بعد توقف العمليات العسكرية بدأ الحديث في سوريا عن الفساد الذي صاحب المجهود الحربي وأعمال جمع التبرعات لفلسطين مما كان إرهاصا بما حدث في مصر بعدها من لغط حول ما سمي بالأسلحة الفاسدة، ومع هذا كله شكل جميل مردم بك وزارته الخامسة في أغسطس 1948 لكن التظاهرات والإضرابات والمواجهات الدموية تصاعدت فاستقال في ديسمبر 1948 وغادر سوريا إلى مصر

مع فلسطين

أسندت إلى  جميل مردم بك رئاسة لجنة فلسطين التي شكلتها جامعة الدول العربية وكان رأي جميل مردم بك في موضوع فلسطين سبب كل معاناته في الحياة وفي أدبيات السياسة العربية بعد ذلك ، إذ كان بحكم خبرته السياسية الدولية ميٌالا إلى قبول قرار التقسيم، وقد صرٌح بهذا ولم يكتم رأيه، وكانت له وجهة نظره بالطبع ،  ونحن نعرف أن الكتابات اللاحقة التي تناولت تطور قضية فلسطين في نهاية الأربعينيات  استسهلت المضي في اتجاه توجيه الاتهام بالخيانة إلى كل سياسي أبدى رأيه  المقترح للقبول بقرار التقسيم وإعلان دولة فلسطين منذ ذلك الحين ، وكان جميل مردم بك بالطبع في مقدمة هؤلاء بحكم مناصبه وقدرته على إبداء الرأي ومع أن دوره السياسي كان قد انتهى، ولم يعد إلى الحديث في مثل هذه الجزئيات،  فإن اسمه لا يزال يُستدعي من آن لآخر في  حديث من يؤثرون أن يلقوا باللوم على كل سياسي ذي اقتراح أو رأي فيجعلونه ممن فرطوا في فلسطين أو من ضيعوا فلسطين.

استقر جميل مردم بك في القاهرة مع توالى الانقلابات العسكرية على سوريا، وفي بداية 1954 ومع استقالة الشيشكلي وبداية ما عرف بالربيع الديموقراطي في سوريا حاولت بعض القوى السياسية في مصر إقناع جميل مردم بك بالعودة إلى سوريا والترشح لرئاسة الجمهورية لكنه اعتذر واقترح عليهم أن يدعموا عودة الرئيس شكري القوتلي لتكون عودة للشرعية،

وفي سبتمبر 1954 أصدر جميل مردم بك بيانا في القاهرة أعلن فيه انسحابه تماما من الحياة السياسية، وقد التزم بوعده.

توفي جميل مردم بك في 30 مارس 1960 ونُقل جثمانه إلى سوريا.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة