مقالات

“سيد قطب” و”الددو”.. بين علماء “المملكة” قديما وحاضرًا

 

 

أثارت الكلمات التي قالها وزير الشئون الدينية في بلاد الحرمين عبد اللطيف آل الشيخ في مناقشة رسالة علمية حول الأستاذ الشهيد بإذن الله سيد قطب، والعلامة محمد الحسن الدَّدَوْ، ردود أفعال واسعة: رفضا لما قال، وسخرية منه، وإهانة له في بعض الأحيان، ناعين الحال الذي وصلت إليه بلاد الحرمين في ظل السياسات الجديدة التي تنكرت لتاريخ سابق، وانفتحت على حفلات الرقص الجماعي والغناء الجماعي، وإلغاء ولاية الحسبة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، واعتقال العلماء المعتدلين الربانيين، وغير ذلك من إجراءات غيرت وجه بلاد الحرمين، حتى صار لسان حال المسلمين في هذه الديار قول الشاعر:

ما للمنازل أصبحت لا أهلها *** أهلي ولا جيرانها جيراني

تطاول عبد اللطيف آل الشيخ على قطب والددو

 قال الوزير المذكور ألفاظا فاحشة وصف بها العلّامة محمد الحسن الدَّدَو، فوصفه بلفظ (الشخ) بدل (الشيخ)، وينكر إطلاق لقب (الأستاذ) على صاحب الظلال، الشهيد سيّد قطب، وينعته بأنه “إرهابي كبير”! وبأنه “أستاذ في البدعة، وخبيث ومخبث، ورث للأمة شرا مستطيرا وفرق الكلمة وفتن الناس، وأهلُ البدع لا يلقبون بألقاب مثل ألقاب الأسوياء والأخيا”ر، كما نعى على الباحث وصفه لسيد قطب بأنه “صاحب ذوق أدبي رفيع”، فقال للباحث – فض الله فاه!-: “لو كان عبدالحليم حافظ أو فريد الأطرش أو أم كلثوم نمررها، لكن هذا لا، والله ما عنده ذوق ولا شيء”. والباحث لا يملك شيئا من القول لهذا الوزير المأزور سوى أن يقول: “أبشر معالي الشيخ”! هكذا أصبحت قاعات البحث العلمي في “العهد الجديد” يُهاجَم فيها العلماء ويوصفون بأوصاف لا يقولها البلطجية في الشوارع، ويُروَّجُ لشخصيات الفن والطرب التي كان ذكرها يعد بدعة أو كفرا في عهد قريب!

وأنا في هذه العجالة أبين للقارئ إنصافا للإمامين الكبيرين والعالمين الجليلين.. ماذا كان يمثل سيد قطب والشيخ محمد الحسن الددو لبلاد الحرمين عند العلماء الحقيقيين لا الزائفين المزيفين المسارعين في هوى الحكام و”مشروعاتهم” المشبوهة، التي تريد سلخ الأمة من عقيدتها وشريعتها، وتستقبل قبلة الصهاينة في تطبيع مفضوح ومشكوف.

وزارة المعارف بـ “السعودية” تحتفي بكتب سيد قطب

كان السلطات في المملكة قديما تنشر كتب الأستاذ سيد قطب، وعلى رأسها كتابه الذي أثار ويثير جدلا، وينسب له زورًا التكفير والتفجير، وهو كتاب “معالم في الطريق”، له طبعات مختلفة في بلاد الحرمين، منها طبعة طبعتها “وزارة المعارف – المكتبات المدرسية” الطبعة الشرعية السادسة 1399هـ – 1979م، وهي موجودة على الإنترنت، كما أن هناك طبعة لهذا الكتاب خاصة بالجيش السعودي، مكتوب عليها الحرس الوطني، كما نشرت وزارة المعارف في بلاد الحرمين كتابا بعنوان: “الجهاد في سبيل الله” لثلاثة من الأعلام، هم: سيد قطب وحسن البنا وأبي الأعلى المودودي، وذلك عام 1401هـ – 1981م. فما الذي حدث الآن، وجعل سيد قطب إرهابيا؟!

بكر أبوزيد يشيد بسيد قطب ضد المدخلي

ومن المواقف المهمة التي تدل على احتفاء علماء “المملكة” بسيد قطب ما عرف عن كتاب بعنوان: “أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره” ألفه ربيع بن هادي المدخلي – زعيم المدخلية الذين يعتبرون “ولاة الأمر” المصدر الأول والأخير للتشريع – وبعدما ألفه رفعه للعلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبوزيد – المسمى في المملكة ابن القيم الثاني، وأحد أبرز علماء بلاد الحرمين – ليكتب له مقدمة، فماذا حدث؟!

أرسل له العلامة بكر أبوزيد خطابا طويلا ردا على طلبه تقديما للكتاب قال في مقدمة خطابه: “فضيلة الأخ الشيخ ربيع بن هادي المدخلي .. الموقر، السلام عيكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد، فأشير إلى رغبتكم قراءة الكتاب المرفق “أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره”.. هل من ملاحظات عليه ثم هذه الملاحظات هل تقضي على هذا المشروع فيطوى ولا يروى، أم هي مما يمكن تعديلها فيترشح الكتاب بعد الطبع والنشر ويكون ذخيرة لكم في الأخرى، بصيرة لمن شاء الله من عباده في الدنيا، لهذا أبدي ما يلي..

1 – نظرت في أول صفحة من فهرس الموضوعات فوجدتها عناوين قد جمعت في سيد قطب رحمه الله، أصول الكفر والإلحاد والزندقة، القول بوحدة الوجود، القول بخلق القرآن، يجوز لغير الله أن يشرع، غلوه في تعظيم صفات الله تعالى، لا يقبل الأحاديث المتواترة، يشكك في أمور العقيدة التي يجب الجزم بها، يكفر المجتمعات.. إلى أخر تلك العناوين التي تقشعر منها جلود المؤمنين.. وأسفت على أحوال علماء المسلمين في الأقطار الذين لم ينبهوا على هذه الموبقات.. وكيف الجمع بين هذا وبين انتشار كتبه في الآفاق انتشار الشمس، وعامتهم يستفيدون منها، حتى أنت في بعض ما كتبت، عند هذا أخذت بالمطابقة بين العنوان والموضوع، فوجدت الخبر يكذبه الخبر، ونهايتها بالجملة عناوين استفزازية تجذب القارئ العادي، إلى الوقيعة في سيد رحمه الله، وإني أكره لي ولكم ولكل مسلم مواطن الإثم والجناح، وإن من الغبن الفاحش إهداء الإنسان حسناته إلى من يعتقد بغضه وعداوته.

2 – نظرت فوجدت هذا الكتاب يـفـتـقـد: أصـول البحث العلمي، الحيـدة العلمية، منهـج النقد، أمانـة النقل والعلم، عـدم هضم الحق. أما أدب الحوار وسموالأسلوب ورصانة العرض فلا تمت إلى الكتاب بهاجس، وإليك الدليل”. وذكر الشيخ بكر خمسة أدلة دامغة على ما قال، أحيلُ القارئ إليها في الشبكة العنكبوتية لعدم سماح مساحة المقال بالمزيد.

لكن الشيخ بكر أبوزيد في آخر مقاله قال كلمة بليغة لربيع المدخلي بعدما أورد ست ملحوظات أخرى على الكتاب المذكور، قال له في رسالته: “هذا ما بدا إلي حسب رغبتكم، وأعتذر عن تأخر الجواب، لأنني من قبل ليس لي عناية بقراءة كتب هذا الرجل وإن تداولها الناس، لكن هول ما ذكرتم دفعني إلى قراءات متعددة في عامة كتبه، فوجدت في كتبه خيرًا كثيرًا وإيمانًا مشرفًا وحقًا أبلج، وتشريحًا فاضحًا لمخططات العداء للإسلام، على عثرات في سياقاته واسترسال بعبرات ليته لم يفه بها، وكثير منها ينقضها قوله الحق في مكان أخر والكمال عزيز، والرجل كان أديبًا نقادة، ثم اتجه إلى خدمة الإسلام من خلال القرآن العظيم والسنة المشرفة، والسيرة النبوية العطرة، فكان ما كان من مواقف في قضايا عصره، وأصر على موقفه في سبيل الله تعالى، وكشف عن سالفته، وطلب منه أن يسطر بقلمه كلمات اعتذار وقال كلمته الإيمانية المشهورة، إن أصبعًا أرفعه للشهادة لن أكتب به كلمة تضارها… أوكلمة نحوذلك، فالواجب على الجميع … الدعاء له بالمغفرة … والاستفادة من علمه، وبيان ما تحققنا خطأه فيه، وأن خطأه لا يوجب حرماننا من علمه ولا هجر كتبه.. اعتبر رعاك الله حاله بحال أسلاف مضوا أمثال أبي إسماعيل الهروي والجيلاني كيف دافع عنهما شيخ الإسلام ابن تيمية مع ما لديهما من الطوا م لأن الأصل في مسلكهما نصرة الإسلام والسنة، وانظر منازل السائرين للهروي رحمه الله تعالى، ترى عجائب لا يمكن قبولها ومع ذلك فابن القيم رحمه الله يعتذر عنه أشد الاعتذار ولا يجرمه فيها، وذلك في شرحه مدارج السالكين، وقد بسطت في كتاب “تصنيف الناس بين الظن واليقين” ما تيسر لي من قواعد ضابطة في ذلك.. وفي الختام فأني أنصح فضيلة الأخ في الله بالعدول عن طبع هذا الكتاب “أضواء إسلامية” وأنه لا يجوز نشره ولا طبعه لما فيه من التحامل الشديد والتدريب القوي لشباب الأمة على الوقيعة في العلماء، وتشذيبهم، والحط من أقدارهم والانصراف عن فضائلهم”. انتهى كلام الشيخ بكر أبوزيد، رحمه الله تعالى.

العلامة ابن باز يحضر دروس الددو بعد ظهور الحقيقة

أما الشيخ العلامة محمد الحسن الددو فيعرفه القاصي والداني بعلمه الراسخ وموسوعيته التي لا يعرف لها نظير في عصرنا، وحفظه المتقن للقرآن الكريم وكتب السنة، وتفننه في العلوم الشرعية والعقلية، وقد عاش في بلاد الحرمين، ولن أطيل القول في بيان علم الشيخ ومداه فلست أهلا لذلك لكنني أروي موقفًأ هنا بينه وبين العلامة ابن باز، كما رواها عنه الشيخ د. علي بن حمزة العمري – فك الله أسره – وذكرها الشيخ الددو بنفسه في فيديوهات كثيرة موجودة على اليوتيوب.

قال العلامة محمد الحسن الددو: “كل ما هنالك أنني كنت أشرح صحيح البخاري بمسجد جامعة الإمام محمد بن سعود درسا يحضره بعض الأساتذة والطلاب وكان المسجد يمتلئ وقت الدرس لحضور بعض طلاب العلم من الرياض والقصيم والزلفي وكانت الجامعة تسجل الدرس وتبيع أشرطته وكان فيها إذ ذاك بعض الشباب الذين لديهم تعصب وكان أحد المشايخ إذ ذاك بالمدينة وقد كتب ما كتب من تكفير سيد قطب وكنت أستقبل الأسئلة في نهاية الدرس يقرؤها فضيلة القاضي محمد الخنين فجاء فيها سؤال عن كفر سيد فرددت على السؤال ردا مفصلا وكان مما قلت فيه أنه لوقال بخلق القرآن صراحة لما كان لنا تكفيره لأن الإمام أحمد لم يكفر المأمون ومن كان حوله من علماء الجهمية القائلين بخلق القرآن بل كان يدعوللخليفة ويحلله إلخ ما قلت في الجواب فشغب به أولئك الشباب فجاءوا يجادلون في هذا الأمر وذكروا أن سماحة الشيخ ابن باز كفر بشرا المريسي فذكرت أنا أن الذهبي أعلم من الشيخ ابن باز وأنه ختم ترجمة بشر بقوله (ولكن أبى الله أن يكون من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وصلى الخمس إلى القبلة وزكى وصام وحج البيت الحرام كمن لم يفعل شيئا من ذلك ونعوذ بالله من البدعة وأهلها) فنقل أولئك الشباب الكلام على غير وجهه إلى سماحة الشيخ ومنهم من شهد علي أني أقول بخلق القرآن وكتبوا ذلك للشيخ فأرسل الشيخ كتابا إلى معالي مدير الجامعة الشيخ عبد الله التركي يأمره فيه بتوقيف دروسي وتسفيري إلى بلادي فأرسل إلي الشيخ التركي وكان على علم بما حصل فأمرني بمراجعة سماحة الشيخ فرتب الموعد كاتبه الشيخ صالح الحكمي فحضرت إلى مكتب الشيخ بدار الإفتاء في الموعد وكان مع الشيخ كتابه ومنهم الموسى والحكمي والشويعر وغيرهم وكانوا يعرفونني فعرفوا الشيخ بي فقال لقد ساءنا ما سمعنا عنك فاستأذنته في الحديث فأذن لي فذكرت بعض ما لدي باختصار وكان مخالفا لما يرى الشيخ فشكل لجنة من الإفتاء فيها فضيلة الشيخ بكر وفضيلة الشيخ عبد الله بن غديان وشيخان كريمان آخران فناقشوني في الأمر تفصيلا فذكرت لهم كلام شيخ الإسلام في المسألة من الفتاوي بالجزء والصفحة فأحضروها وقرئت ثم ذكرت لهم ما نقل صاحب كشاف القناع عن الموفق من أن داعية الجهمية المجتهد لا يكفر فاستغربوا هذا النقل وأحضروا كشاف القناع وفتحوا عن أحكام المرتد فذكرت أن الكلام ليس في هذا الموضع وإنما هوفيمن تقبل شهادته ومن ترد فقرأنا الكلام في الكتاب فاستغربوه كثيرا وكنت كلما ذكرت كلاما من كتاب أحضروه ككلام الشافعي في الأم وكلام ابن تيمية في الرسائل الماردينية وكلام الذهبي في السير وكلام عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغير ذلك وفي الأخير طلبوا أن أكتب ملخصا في الموضوع لعرضه على سماحة الشيخ فكتبته في بضع عشرة صفحة وسلمته للشيخ بكر وكان لي به اختصاص فكنت من القلائل الذين يسهرون معه في بيته الكريم وبعد اتصل بي مكتب الشيخ فذكروا أن سماحته سيحضر درسي في مسجد الجامعة وفعلا حضر الشيخ بتواضعه وخلقه وأدبه وأبوته وتولى ختم الدرس وقدم النصيحة للطلاب والأساتذة وكانت لي بعد ذلك خصوصية عنده رحمه الله وجميع مشايخنا وجمعنا بهم في الفردوس الأعلى”. انتهى كلام الشيخ الددو.

الحكم الشرعي للوزير هو التعزير والإقالة من منصبه

هذا هو سيد قطب ومحمد الحسن الددو في عيون علماء المملكة، وإذا كان موقف ابن باز والددو يظهر علم الددو فإنه من وجه آخر يظهر علم ابن باز وتواضعه ورجوعه للحق متى تبين وحسن خلقه وطيب نفسه، وبقي أن أختم الكلام بالحكم الشرعي للصفات التي قالها عبد اللطيف آل الشيخ والألفاظ الفاحشة التي تلفظ بها في قاعة بحث علمي شريف، ولن أذكر هنا آراء المذاهب الأربعة، وإنما سأقتصر على حكمه الشرعي في الفقه الحنبلي فقط المعمول به في بلاد الحرمين، والذي يقضي بتعزير من قال ذلك، ومن ثم عزله.

قال الشيخ إبراهيم بن ضويان في كتابه: “منار السبيل في شرح الدليل على مذهب الإمام أحمد بن حنبل”: “ومن الألفاظ الموجبة للتعزير قوله لغيره: يا كافر يا فاسق يا فاجر يا شقي يا كلب يا حمار يا تيس يا رافضي يا خبيث يا كذاب يا خائن يا عدو الله يا شارب الخمر يا مخنث. نص عليه”. 2/263. دار الكتب العلمية.

وقال الزركشي في شرح مختصر الخرقي في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل: “سئل على رضي الله عنه عن قول الرجل للرجل: يا فاسق يا خبيث، قال: هن فواحش فيهن تعزير”. 3/154. دار الكتب العلمية.

هذا هو حكم الفقه الحنبلي في الفحش الذي قاله هذا الوزير المذكور، فهل تطبق السلطات في “المملكة” شرع الله على المذهب المتعبد به فيها، أم أنها قد ثارت على العقيدة والفقه في إطار “الرؤية التجديدية الصائبة، والنظرة التحديثية الثاقبة” على يد الشاب الطموح المًحدَّث الملهَم”!

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة