“معرض التجمع” ونظرية أفلاطون في الفصل العنصري!

يأتي قرار النقل في إطار سياسات التمييز الطبقي التي بدأ يمارسها النظام المصري بشكل قاسي منذ بداية الألفية الجديدة بإنشاء تجمعات سكنية فاخرة وبأسعار مرتفعة بعيدا عن القاهرة

 

هذا العام لن يذهب عشاق معرض الكتاب إلى أرض المعارض بمدينة نصر، وكذا لن يذهب أهل سور الأزبكية لأنهم قرروا عدم عرض كتبهم في المعرض.

فقد اتخذ القائمون على المعرض قرارا بنقل معرض الكتاب الدولي إلى التجمع الخامس ورفع سعر التذكرة من جنية مصري واحد إلى ثلاث جنيهات.
ربما هذا الأمر غير مهم لقارئ لا يزال يتمسك بشراء كتب بأسعار مناسبة.
وفوجئ باعة الكتب في سور الأزبكية بارتفاع أسعار الإيجارات في المكان الجديد (التجمع أصبح الحتة الطرية في مصر حسب مقولة شاعر صديق يسكن هناك) وبالتالي قرر أصحاب محلات سور الأزبكية عدم عرض كتبهم هناك.

المعرض الدائم

وسور الأزبكية هو معرض الكتاب الدائم، وأحد أهم منافذ البيع للطبقة الوسطى في مصر رغم تلاشي هذه الطبقة منذ قرار تعويم الجنية المصري مقابل الدولار في نوفمبر ٢٠١٦.. 
كذا انخفاض قوته الشرائية إلى أكثر من ٦٠٪ من قيمته فقد انخفض سعر الجنيه من ٦.٧٥ إلى ١٨ جنيها في مقابل الدولار، وكذا الارتفاع المتزايد في أسعار السلع الضرورية وغير الضرورية نتيجة سياسة رفع الدعم التي ينتهجها النظام في مصر وكذلك نظرية “شخلل عشان تعدي”..

والواقع التالي ارتفاع أسعار الكتاب إلى أرقام عالية، وكذا إحجام عدد كبير من الأسر المتوسطة عن الشراء والذهاب إلى المعرض والذي كان بمثابة مهرجان ثقافي للطبقة المتوسطة..

التمييز الطبقي

يأتي قرار النقل في إطار سياسات التمييز الطبقي التي بدأ يمارسها النظام المصري بشكل قاسٍ منذ بداية الألفية الجديدة بإنشاء تجمعات سكنية فاخرة وبأسعار مرتفعة بعيدا عن القاهرة، 
فأصبحت لأصحاب الدخول المرتفعة في السنوات العشر الأخيرة من عهد المخلوع مبارك ..
وأحيطت التجمعات ( الكمبوندات ) بأسوار عالية وبوابات حديدية وحرس علي البوابات، ولا يسمح لأحد بالدخول إلا مالكا أو زائرا ..
واستمر الحال من الريف الأوربي والنخيل، وحي الأشجار إلى القاهرة الجديدة والرحاب  وصولا إلى التجمع الخامس، وأخيرا العاصمة الإدارية الجديدة،  حيث وصلت اسعار الوحدات السكنية في مشروع العاصمة الجديدة إلى ٣٠ مليون جنيه للفيلا وأقل سعر فيها للمتر ١١ الف جنيه ..

وفي الوقت الذي لا يزيد الحد الأدنى للأجور عن ١٢٠٠ جنيه بما يعادل ٦٥  دولارا .. وكل هذا يؤكد نظرية الفصل والتمييز الطبقي، ويأتي قرار نقل المعرض ليؤكد هذه النظرية لأصحاب السلطة لمصر.
 

ولكن ما علاقة هذا بنظرية أفلاطون في البناء، 

يقول الدكتور خالد عزب في كتابه المهم عن السياسة والعمارة في التاريخ تحت عنوان: (مقر الحكم في مصر.. السياسية والعمارة): “كان من المتوقع أن يتأثر الإسكندر أشهر تلاميذ أرسطو بأستاذه صاحب المدينة الفاضلة من خلال أثينا التي جمعت بين العمل والمشاركة الشعبية والتي تتطلب وقت فراغ حسب قول أرسطو: إن المدينة يجب أن تكون على نحو يمنح سكانها من العيش مع الاستمتاع بوقت الفراغ باعتدال وحرية” …

لكن الإسكندر الأكبر حين شيد ٧٠ مدينة أطلق عليها اسم الإسكندرية، ولم يتبق منها غير الإسكندرية المصرية اتبع في تخطيطها صورة أقرب لمدنية أفلاطون وليس أرسطو، وهي النظرية التي تقوم على نظرية الفصل والتمييز الطبقي والعرقي.

رغبة السلطة

كانت مدينة أفلاطون المثالية بمثابة المطلق الهندسي قوامها: مواطن لكل قطعة أرض، وثلاث طبقات من الناس تتعلم وتعيش منفصلة ومقسمة إلى 12 قسما لكل منها إلهه ومعبده، ويمتد كل بيت منها كالسور، وتتخذ المدينة هيئة المسكن الواحد كل ما فيها منتظم وموحد ( لاحظ نموذج البناء الحديث في مصر) ..
ونشأت تلك الرؤية من إعجاب أفلاطون بالانضباط والتنظيم العسكري الأسبرطي ..

وأدى تماشي التخطيط العمراني للإسكندرية مع هذه النظرية الأفلاطونية إلى أنها أصبحت المثل الأعلى لحاكم سيطر على العالم، ويريد أن يظهر اتساع سلطاته وانتظامه ونموذجا لقائد أجنبي يخشى التهديد المحتمل! من جانب أحياء وطنية تحميها شوارع ضيقة..

لقد عكست الإسكندرية رغبة السلطة في السيطرة عليها بل وزرعت الإبهار والرهبة في نفوس زائريها..

هل تشابهت في ذهنك هذه الملامح بملامح مصرية حديثة مثل نقل سكان مثلث ماسبيرو إلى أماكن بعيدة عن وسط المدينة أو إعادة تخطيطه على النحو الذي ظهر في التخطيط الجديد المقترح ..
أم جال بخاطرك فلسفة إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، وأمثلة كأضخم مسجد، وأعلى برج وأضخم كنيسة وأكبر وزارة دفاع.. وأضخم مبنى لبرلمان.. أم تحويل جزيرة الوراق إلى منتجع كبير وسط النيل، وهو المشروع الذي يقاومه أهالي الجزيرة حتى الآن بكل بسالة ومقاومة..

ربما ولكن تعالوا نستكمل رحلة البطالمة مع الإسكندرية والتي صورها الروائي اليوناني أخيل تاتيوس فيقول: “كان يستحيل عليّ أن أحدد حجم المكان وجماله.. المدينة نفسها أم سكانها؛ فالمدينة أكبر من قارة وسكانها يفوقون الأمة عددا”..

لقد نجح البطالمة في جعل الإسكندرية مبهرة وتكونت من ثلاثة أحياء أساسية هي الحي اليوناني ويقع على الساحل .. الحي المصري الوطني في الغرب، والحي اليهودي في الشرق، وكانت هذه الأحياء مدنا قائمة بذاتها وهو ما يكرس العنصرية الرومانية ضد المصريين من خلال العزل المديني (سور عازل مثلا).

افتقاد التلقائية

فالنظرية الأفلاطونية في بناء الإسكندرية تعكس فلسفة السلطة في الحضارة الهلينسية  التي تفتقد التفاعل الإنساني والتلقائية لخضوعها لفكرة النظام الصارم والقوة المتنامية، واستعيض في الإسكندرية المدينة ذات الفخامة والابهار المطلقين عن البشر بالصروح وعن الإحساس بالفن بالمتاحف، وعن الشعراء بالقصور ..
حيث تحولت المدينة إلى عمل فني وتحول الناس من فاعلين إلى متفرجين مشغولين لا ينته بصرهم عن التأمل في كل شيء .. وسعي الحكام إلى هذا فجعلوا على سبيل المثال مواكبهم حدثا ينتظره الناس بشغف لمشاهدته ( مثل مواكب الرؤساء في الوقت الحالي من حيث عدد السيارات وخلافه وصولا للسجادة الحمراء ) ..
مثل هذه المواكب تعكس فلسفة السلطة المطلقة والاستبداد فحسب أخيل تاتيوس: أن النظم الديمقراطية تضن بإنفاق المال علي الأغراض العامة لأن مواطنيها يشعرون بأن المال مالهم ..أما الملوك والطغاة فيبسطون أيديهم كل البسط لأنهم يدسونها بحرية في جيوب الغير .

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه