قصة ” القومية للأسمنت”!

قبل أن نتحدث عن قصة ” القومية للأسمنت بالتفاصيل، لابد أن نربط بين إغلاقها وافتتاح مجمع الأسمنت الذى افتتحه السيسي في بنى سويف الشهر الماضي

 

مؤخراً أوصى المكتب الاستشاري بمصر المكلف بإجراء دراسة حول الشركة القومية للأسمنت، بعدم جدوى استمرار تشغيل الشركة ووجوب إغلاقها وتصفيتها! وذلك بعد مهلة منحها هشام توفيق، وزير قطاع الأعمال، لـ “القابضة الكيماوية” للانتهاء من هذه الدراسة في غضون ثلاثة أشهر.

ولمن لا يعلم فإن القومية للأسمنت يتربص بها النظام الحالي، منذ انقلابه، لإغلاقها وتصفيتها، وظهر هذا جليا في كلام الدكتور سيد الطيب، رئيس قسم هندسة المناجم والبترول بكلية الهندسة جامعة القاهرة، ورئيس فريق إعداد الدراسة، فقد قال كمن على رأسه “بطحة” نه ” لم يحدث أن طلب منا وزير أو رئيس قابضة البحث عن وسيلة لتصفية (القومية للأسمنت) ومن يردد ذلك كاذب ومدع، لأن المركز من أعرق الجهات العلمية الهندسية في الشرق الأوسط، وفريق العمل من المشهود لهم بالكفاءة “. ومن الذي شكك فيكم يا محترم؟

ولم يكتف الطيب بهذا بل أكد أنه طبقا للقانون كان من المفترض إغلاق الشركة بعد هذه الخسائر الكبيرة، ولكن لم يتم ذلك مراعاة للبعد الاجتماعي رغم البحث عن بصيص أمل- حسب قوله – وهو ما ردده أيضا محمد حسنين رضوان، رئيس القومية للأسمنت، من أنه كان يجب تصفية الشركة منذ العام 2013 وفقا للقانون، بسبب تعدي الخسائر نصف رأس المال، حيث بلغت نحو 136 مليون جنيه، ولكن الجمعيات العامة المتعاقبة ارتأت استمرارها مراعاة للبعد الاجتماعي للعاملين. وكأن مراعاة البعد الاجتماعي للعاملين تعنى تشريدهم حاليا؛ من دون حساب لإدارة الشركة الفاشلة التي أوصلتها لهذه الحالة المزرية!

منظومة الفساد والفشل

ولأن الفشل له ناسه كما يقولون؛ فقد أكدت الدراسة أن أداء محجر الشركة متدن جدا، حيث لم يطور منذ 1956، ويواجه تحديات كبيرة، كما يفتقد لأية خرائط أو قياس، والسؤال هنا ومن منعكم من التطوير خلال تلك السنوات التي تجاوزت  60 عاما؟ ومما يؤكد منظومة الفساد والغش والتدليس – لأن مال الدولة مال سائب كما يقولون – أن المخزون الحالي لم يعد  يكفي أكثر من عام ونصف العام، رغم أنه تم التعاقد على محجر جديد في 2017، على مساحة 500 فدان، واكتشفوا أنه أسوأ من القديم بسبب غياب الدراسة، ولهذا فإن إصلاح المحجر يتكلف 60 مليون يورو!

وللأسف ختم الطيب دراسته بهذه الجملة الكارثية: إن القومية للأسمنت ماتت منذ تم الاستعانة بمشغل أجنبي من دون وضع خطة استراتيجية، ومكاسبها في السابق كانت وهمية بسبب الدعم، مؤكدا أن التعويم كشف عورات شركات كثيرة.

إذن قبل أن نتحدث عن قصة ” القومية للأسمنت بالتفاصيل، لابد أن نربط بين إغلاقها، وافتتاح مجمع الأسمنت الذى افتتحه السيسي في بنى سويف الشهر الماضي، وهو تابع لجهاز الخدمة الوطنية بالقوات المسلحة، حيث قال السيسي نصا ” متوسط مرتبات مصنع القومية للأسمنت الذى يخسر من 12 – 14 ألف جنيه شهرياً للعامل الواحد، والعمال يريدون حوافز، فمن الطبيعي أن يتوقف عن العمل!”.  وبغض النظر عن حديثه عن المرتبات التي لم تصل لهذه المبالغ الكبيرة، وعدم صحته، خاصة بالنسبة للعمال تحديدا، فإنك تشعربأن هناك نية مبيتة لإغلاق الشركة وبيعها، رغم أنها آخر شركة للأسمنت تابعة للدولة، وبدلا من تطويرها وايجاد حل لمشاكل التشغيل والإنتاج، كان الحل من وجهة نظر الجنرال افتتاح مجمع جديد يتكلف مئات الملايين، وإغلاق أكبر شركة للأسمنت تملكها الدولة، وذلك لحساب النظام الحاكم.

ومن المنطقي أن نتساءل: كيف لمصنع أسمنت أن يخسر مع أن انتاجه عليه طلب كبير لن يتوقف؟ وهل كان السبب فعلا أموال المرتبات التى يتقاضاها العمال؟ وللإجابة على هذا السؤال وغيره لابد أن نرجع للوراء قليلا، لنعرف كيف بدأ المصنع في الخسارة، وما هي المعوقات الذي واجهته منذ افتتاحه وحتى الآن؟

آخر شركة أسمنت حكومية

في البداية تأسست الشركة القومية للأسمنت في عهد عبد الناصر سنة 1956، وهى آخر شركة أسمنت تملكها الدولة بعد ما تمت خصخصة جميع الشركات في عهد مبارك، وأغلبها اشتراها مستثمرون أجانب من المكسيك وإنجلترا وفرنسا وإيطاليا، والشركة كانت تحقق أرباحا حتى 2012، وأول خسارة بدأت تحققها كانت في عام 2013 حيث خسرت الشركة وقتها 138 مليون جنيه.

البيان الرسمي لوزارة قطاع الأعمال عن الشركة قال “إن الوزارة رصدت مخالفات جسيمة للإدارات السابقة للشركة أهمها: إسناد التشغيل والصيانة لشركة أجنبية على الرغم من توفر الخبرة المحلية بما يكلف الشركة نحو 360 مليون جنيه سنويًا، بالإضافة إلى القصور الواضح فى عقد تطوير خطوط الإنتاج والذى لم يحدد المعايير والاشتراطات والالتزامات للاستشاري والمقاول، ما أدى إلى عدم تنفيذ التطوير بالشكل المطلوب، بل وإلى ارتفاع استهلاك الغاز بصورة كبيرة، وقد أحالت الشركة فى 4/3/2018 تلك المخالفات إلى النيابة العامة للتحقيق”، وهذا يعنى أن الأزمة ببساطة كانت أزمة إدارة وذلك بنص تصريحاتهم، والمفاجأة هنا أن الشركة المنفذة للتطوير – المقاول – المتهم وفق بيان الوزارة، الذى وقع العقد كممثل للشركة هو نفسه وزير قطاع الأعمال السابق “خالد بدوي” الذي ظل في منصبه ولم يغادره سوى منذ ثلاثة شهور، وقتها كان هو مدير القطاع المالي بالشركة صاحبة التطوير، شركة “أسيك” للتصنيع والمشروعات الصناعية، وهى شركة تابعة لمجموعة “القلعة” المملوكة لرجل الأعمال أحمد هيكل وشركاه!

مشاكل الشركة

الشركة القومية للأسمنت عندها مشكلتان رئيسيتان هما سبب الخسائر: أولاً مشاكل أسعار الطاقة بعد ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي بينما كل منافسيها مثل “لافارج” الفرنسية و”العربية” للأسمنت و”أسمنت سيناء” وغيرها تحولت لاستخدام الفحم الأرخص ثمنا والملوث جدا للبيئة، وثانياً مشاكل تخلفها التكنولوجي لعدم الاستثمار في تطوير الأفران والآلات، أما عن خطة التطوير فمن المفروض أنها كانت تنتهي في خلال 6 شهور، لكنها استمرت لحوالي 36 شهرا! وكانت الأفران تحت الصيانة متوقفة عن العمل والانتاج يعنى خسائر أكثر، الخطة كلفت الشركة 1.2 مليار جنيه بدلا من 400 مليون كانت متوقعة فى البداية على أنها التكاليف، وبعد كل هذا حسب بيان الوزارة بدلا من توفير استهلاك الغاز، فإن الأفران أصبحت تستهلك أكثر، ما يعني تحقيق خسائر في إنتاج كل طن!

وإذا نظرنا لأرقام الخسائر فسوف نجدها موجودة، حتى قبل 2016، أي قبل قرار التعويم وزيادة أسعار الوقود، وكانت الشركة تحقق خسائر قليلة نسبيا، ففى 2015 حققت 120 مليون جنيه خسائر، في حين أنها بعد سنة واحدة حققت حوالي مليار جنيه خسائر وهو حوالي 10 أضعاف الرقم الأول.

أكذوبة أجور العمال

أما بالنسبة لمتوسط الأجور الذي قالت الوزارة إنه يبلغ 12 ألف جنيه شهريا، قفزت على لسان السيسي إلى 14 ألف جنيه، بينما الحقيقة أن الرقم يمكن أن يكون صحيحا بحساب متوسط الأجور بكشف أجور كامل الشركة، لكن هذه تعد مغالطة كبرى؛ لأنه يشمل الأجور من أكبرها لأقلها، ويشمل أيضا بنودا بعيدة تماما عن العمالة مثل “بدل تمثيل وظائف عليا، بدل تفرغ للمهندسين، مكافآت حضور جلسات وغيرها”.

وبحسبة بسيطة مثلا لو عندنا شركة فيها 103 أفراد، 3 منهم يتقاضون مليون جنيه شهريا، و100 يتقاضون ألف جنيه فقط، سوف يكون المتوسط الشهري للأجور هو 30 ألف جنيه، وبالتالي هذا رقم وهمي، وحسب اللجنة النقابية للمصنع فإن مرتبات العمال الأساسية تتراوح بين 2500 – 3500 جنيه، وبعض العمال كشوف مرتباتهم الأساسية لا تتعدى 1100 جنيه.

منافسة غير شريفة

الغريب هو قيام “جهاز مشروعات الخدمة الوطنية” التابع للجيش بعمل مجمع المصانع الجديد في مدينة بني سويف، وكان المفروض دراسة ضخ تلك الاستثمارات في الشركة القائمة وتحديثها بآلات أحدث وإدارة أكفأ! ناهيك عن أننا  لا نعلم هل تدخل أرباح المجمع الجديد في موازنة الدولة أم في موازنة الجيش الخاصة؟ بالإضافة إلى أنه لا توجد منافسة عادلة سواء من القطاع الخاص أو حتى الحكومي؛ فهو بلا شك يدفع أجورا أعلى وليس لديه إعفاءات من الضرائب والجمارك أوعمالة مجانية مثل التي أتيحت للمجمع.

قصة الشركة القومية للأسمنت تعكس بوضوح أن دور الإدارة، سواء السياسية العامة أو التقنية المباشرة، سبب واضح لخسائر القطاع العام، سواء بنقص الكفاءة أو بالفساد المستشري! والحل يكمن في الجانب السياسي، وهنا نسأل: أين نتائج التحقيقات عن مخالفات التطوير التي اعترفت بها الوزارة؟ ومن سيحاسب من؟ ولماذا لم يذكر السيسي هذا الجزء وتحدث عن العمال فقط؟

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة