الشيخ القطان في مواجهة حسني مبارك

فوجئ أن السلطات السعودية لم تنس فعلته، ولم تغفر جريمته، وأنه ممنوع من زيارة السعودية ومحظور عليه دخول أراضيها

 

تصنع حول الحاكم المستبد هالة من الهيبة المزورة يتولاها حملة المباخر وسدنة إله العجوة، لكن سرعان ما تتبخر مع أبسط المواقف وينكشف المستور عن قط مذعور كان يحكي صولة الأسد الهصور.

ومن أصدق الأمثلة على ذلك ما حدث مع الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك أثناء زيارته للمسجد النبوي في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام في مارس/آذار من العام 1993.

“أخذ اللقطة”

 يحرص طواغيت العرب على أخذ صورة تذكارية في الأماكن المقدسة لمداعبة عواطف البسطاء وإخفاء دخان الحرب المستعرة على الإسلام وأهله، ولهذا تم إخلاء مساحة واسعة من حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم واصطفت الكاميرات وتزاحم المصورون لأخذ (اللقطة) التي هي المقصد من الزيارة، لكن نظرا للحشود الضخمة التي تملأ المسجد من الزوار الذين جاءوا لحضور ليلة السابع والعشرين من رمضان بقي على مقربة من المكان رجل مصري يقيم في المدينة منذ سنين ويعمل في إحدى مؤسساتها الحكومية، ولم تذهله مفاجأة اقتراب مبارك من مكانه الذي ربما نسي الحرس المدجج أن يزحزحوه عنه، فاهتبل الفرصة وقرر أن يجهر بكلمة الحق من دون حساب لما سيفعله به السلطان الجائر. نظر إلى مبارك فرأى فيه صورة السجون المكتظة بشباب مصر وشيبانها، وكان مبارك قد نسي فترة السكرتارية التي عاشها في ظل السادات وبدأ يخط حروف اسمه في سجل الفراعين، وإذا بصوت الشيخ علي القطان يقطع الصمت وينادي عليه: اتق الله.

 اتق الله في المعتقلين والشعب المسكين.

اتق الله. أين أنت من شرع الله؟

لم تقرع الكلمات أذنيه بل خلعت قلبه، وأدبر موليا وهرول مستخزيا، وظن الشيخ القطان أن الأمر انتهى مع انتهاء النصيحة، فإذا بسيارة تقترب حتى وقفت على سجاد الحرم وأحاطت به الشرطة السعودية وساقته مكبل اليدين والرجلين، وأثناء التحقيق معه كان قد حضر على عجل زملاؤهم من الشرطة المصرية لاستلام الضحية. وكما ذكر الشيخ القطان في لقاءات تليفزيونية فإن التحقيق معه في مصر تم في وجود وزير الداخلية عبدالحليم موسى، وكان همهم معرفة من الذي دفعه لذلك، ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات وأنه رجل لا ينتمي إلى تنظيم أو جماعات ليسجننه حتى حين!

زيارة كل السجون

وحرصوا على أن يزور الشيخ القطان كل السجون التي شيدها مبارك في طول مصر وعرضها، ومع بناء أسوأ هذه السجون سمعة وأقبحها لقبا تم نقله إليه، وهو سجن “العقرب” شديد الحراسة في منطقة طرة ولأنه قد يأتي الخير من الشر ولا يعرف ألطاف الله إلا من اكتنفته، كانت الانفراجة في “العقرب” حيث تولى إدارته اللواء إبراهيم عبدالغفار الرجل معروف بمواقفه الإنسانية تجاه المظلومين، وأثناء تفقد السجن علم بقصة الشيخ علي القطان  وأن مباحث أمن الدولة تمنع عنه الزيارة وتضعه في زنزانة انفرادية، وكانت صحة الشيخ القطان قد اعتلت وتدهورت كثيرا لأنه بالإضافة إلى توصيات جلادي أمن الدولة عليه فقد ذكر من عايشوه أنه كان عزيز النفس أبيا يأخذ بالعزيمة ويأبى أن يستعطف طاغية أو أن يظهر ضعفه ويشكو ظلمه للظالم.

لكن اللواء إبراهيم عبد الغفار ضرب بكل هذا عرض الحائط كعادته وبدأ في العناية بالشيخ القطان وعلاجه وإعطائه بعض حقوقه، بل رفع التقارير مطالبا بالإفراج عنه حيث أمضى خمسة عشر عاما من دون أن يقدم للمحاكمة.

وكانت الإجابة الثابتة: القطان بالذات مشكلته مع الرئيس شخصيا.

خلع مبارك

لكن شاءت إرادة الله أن يفرج عن الشيخ القطان ويرى جموع المصريين وهي تخلع مبارك الذي زلزلت أقدامه كلمة اتق الله .

توفي الشيخ علي القطان قبل أيام ملبيا نداء ربه وكان منتهى أمله أن يلبي حاجا أو معتمرا لكنه فوجئ بأن السلطات السعودية لم تنس فعلته، ولم تغفر جريمته، وأنه ممنوع من زيارة السعودية ومحظور عليه دخول أراضيها.

سبقهم القطان إلى لقاء ربه ولسان حاله يقول:

إلى ديان يوم الدين نمضي….. وعند الله تجتمع الخصوم.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة