مقالات

حروب الرهبان

 

 

في شهر يوليو عام 1954 كان الشاب نظير جيد يطرق باب “دير السريان”، وهناك رُسِّم راهبًا باسم “أنطونيوس السرياني” وكان عمره آنذاك 31 عامًا. بدأت تعرف الكنيسة ظاهرة الرهبان الجدد، شباب مثقف حط برحاله في الأديرة، يجمعهم مبدأ واحد: أن قوة الأقباط تبدأ من الكنيسة التي تكمن قوتها في الأديرة والرهبنة. وفي عام 1956 شهد الكرسي البابوي تنافسًا على شغر المنصب؛ وذلك بعد وفاة الأنبا “يوساب” وترشح لهذه الانتخابات “متى المسكين” و”مكاري السرياني” (اغتيل مع السادات في المنصة) وأنطونيوس السرياني (الأنبا شنودة)، وكان أقلهم في عدد الأصوات.

المكي والمدني القبطي

لم تقبل القوى المحافظة بترشح هؤلاء الشباب، فقاموا بعرقلتهم ومنع صعودهم، وُرفضت مسوغات ترشحهم للبابوية، لكن المثير في هذا الأمر هو العودة السريعة لهذا الجيل من الرهبان الجدد، للمنافسة على المناصب العليا داخل الكنيسة، بعد أن ترهبنوا وتوحدوا في الصحراء، والمفترض أن سالك الرهبنة والتوحد في البراري يقاوم العودة مرة، لا أن يسارع بالعودة بعد سنوات قليلة. بعض الحركات الإسلامية تقسم مراحل عملها، إلى فترة إعداد وانقطاع للتربية وهي “المرحلة المكية” ثم مرحلة التنفيذ والتمكين وهي “المرحلة المدنية”. فهل وعى تيار الرهبان الجدد الطريق نفسه، حيث مروا بفترة الرهبنة والانقطاع، ثم مرحلة الإصلاح والتمكين؟   

الحقيقة أن البابا شنودة كان يعي جيدا ما يفعل، فهو رجل له رؤية واضحة ويمتلك مشروع تغيير عبر عنه كثيرا في مجلة “الأحد”. كذلك كان سياسيا قبل أن يلتحق بالدير، وعضوا فاعلا في حزب الكتلة الوفدية بزعامة الزعيم القبطي مكرم عبيد. وبسبب هذا الانتماء الحزبي تعرض للاعتقال من البوليس السياسي أيام العصر الملكي، لأنه نظم هجاء في رئيس الوزراء، النحاس باشا، ويبدو أنه تعرض له بالسب. وأذكر أن زعيم جماعة الأمة القبطية الدكتور ابراهيم فهمي هلال أخبرني، أن كثيرا من الأقباط في تلك الفترة أحسنوا الظن في هذا الحزب ظنا منهم أن مكرم سيكون زعيما للأقباط.

مينا المتوحد والكلمة السواء

تفادى تيار الرهبان الجدد الصدام مع القوى الدينية التي ترفض صعودهم داخل إدارة الكنيسة، وقرروا المناورة والإتيان برجل قريب منهم وهو مينا المتوحد (البابا كيرلس السادس) وكان بمثابة مرحلة انتقالية بين العالم القديم والجديد داخل الكنيسة. على الفور قام البابا كيرلس السادس فور توسده، برسامة عدد من جيل مدراس الأحد، ليكونوا أساقفة وليعتلوا سلم الكنيسة، فيما يبدو ردا للجميل، باعتبارهم من كانوا وراء اعتلائه الكرسي البابوي، حيث رسم الراهب”انطونيوس السرياني” أسقفًا للتعليم باسم “شنودة الثالث” عام 1962؛ وكذلك فعل باقي رفقائه، وبذلك صارت مدارس الأحد مشروعًا رسميًّا للكنسية.

سبب العنف يعود إلى أن الاقباط والمسلمين كلا منهم كان يبحث عن هويته الخاصة بمعزل عن الآخر، وفي الوطن الواحد حينما تفكر أي جماعة في خلاصها الذاتي بعيدا عن الجماعة الأخرى طبيعي أن يحدث بينهما صدام

اختلف الأنبا شنودة مع البابا لأسباب بعضها سياسي وبعضها ديني، وهذا طبيعي، فالمتأمل في شخصية البابا كيرلس السادس يجد أنه كان رجل صلاة وتبتل وابتعاد عن الأضواء، وكان الأقباط ولا يزالون يعتبرونه رجل المعجزات الذي يأخذهم إلى السماء. وعلى العكس من ذلك كان البابا شنودة الرجل الذي يأخذهم قريبا من الأرض. كان البابا شنودة رجل زعامة وجماهير، ولم يتمتع بأي سمعة خوارقية، وعادة ما كانت تزعجه تلك المقارنات، وكان يشكك في الكثير من تلك الخوارق التي تنسب للبابا كبرلس.

وفي الستينيات أيضا ظهر الأنبا شنودة كمحاضر في “درس الجمعة” الذي كان يلقيه في الكاتدرائية والذي صار مناسبة مهمة في حياة الكنيسة القبطية وكان الآلاف يتقاطرون لسماعه، وصار شخصية كاريزمية بالنسبة للشباب القبطي خاصة بعد عام 1967م؛ إذ كانت عظاته تعالج الجوانب الاجتماعية والسياسية في قالب ديني. بعض أصدقائه قال لي: إن الأمن كان قلق من تلك الاجتماعات ويرفع بها تقارير للجهات العليا.

الطريق الى الكرسي

ومع بداية عقد السبعينيات تغيرت القاعدة الاجتماعية داخل المجتمع المصري بشكل عام، لم يعد يمثل الاقباط الأسر القبطية الثرية من الباشوات وكبار الملاك، حيث أنهى المشروع الناصري الطبقة المخملية المصرية، كأنه يعبد الطريق لعبور تيار الرهبان الجدد ليتقدم، ليس فقط لقيادة الكنيسة، بل وقيادة المجتمع القبطي. يمكن القول إن فكرة التوحد بين الكنيسة والاقباط التي كان يحلم بها البابا شنودة بدأت تتجسد تدريجيا في حيز الواقع.

كانت مصر بعد هزيمة 67 تمر بحالة من “فقدان الذات”، بوصف ريتشارد هرير دكمجيان، في كتابه “الأصولية في العالم العربي” أو بحالة “موت جماعي”، بتعبير عالم الاجتماع المصري سيد عويس، الذي ذكر في كتابه “هتاف الصامتين” أنه في لحظة الموت تلك كان طبيعيا أن يلوذ الشعب بالدين، لم يذهب المسلمون وحدهم الى السماء بل وذهب في رفقتهم أيضا المسيحيون.

تلك هي خلفية مشهد الاقتراع على البطريرك الجديد بعد وفاة الأنبا كيرلس السادس؛ حيث تنافس عدد من الشخصيات أبرزهم “متى المسكين” و”شنودة”، وفاز الأنبا شنودة بالكرسي البابوي، وترددت شائعات حول دور الدولة في هذا الفوز. وفي تلك الفترة ظهر العنف الطائفي في أحداث الخانكة عام 1972م، حيث أُحرقت الجمعية القبطية. فأمر البابا شنودة أن يتحر ك الأقباط في مظاهرة من 400 شخص يرتدي 100 منهم ملابس دينية كهنوتية وإقامة الصلوات بمقر الجمعية التي أُحرِقت.

لم يفلح الأمن في إثناء الآباء عن المظاهرة ومضوا سيرًا على الأقدام مرددين التراتيل، كان رد فعل البابا شنودة لافتًا للنظر؛ حيث قال: “قررت ألا تراني الشمس آكلاً أو شاربًا حتى تُحل المشكلة”. اللافت هو التعبير بالاحتجاج من خلال طقس ديني، وتلك كانت بداية ترانيم الاحتجاج البابوية التي تكررت في مسيرة البابا شنودة. والحق أن متابعة مسار الصدامات الطائفية والتي بدأت في 16-6-1970 وحتى 12-11-1972 وقعت 11 حادثة، منها 10 حوادث ابتداء (من 11 أغسطس 1971)؛ حيث كانت شوكة اليسار هي القوية ولم يكن للإسلاميين أي حضور تنظيمي أو شعبي.

ومن ثَمَّ فإن وَضْعَ السلوك العنيف والطائفي لبعض الأقباط في خانة “رد الفعل” على التطرف الإسلامي غير دقيق علميًّا، بدليل تلك الحوادث التي أسلفنا وقعت في غيبة تامة من القوى الإسلامية التي كانت في السجون، وهذا لا يمنع من نمو متبادل في الحساسيات خصوصا بعد أن أفرج السادات عن الكثير من منتسبي الجماعات الإسلامية في منتصف السبعينيات وسمح لهم بالحركة. والحقيقة العلمية أن سبب العنف يعود إلى أن الاقباط والمسلمين كل منهم كان يبحث عن هويته الخاصة بمعزل عن الآخر، وفي الوطن الواحد حينما تفكر أي جماعة في خلاصها الذاتي بعيدا عن الجماعة الأخرى طبيعي أن يحدث بينهما صدام.

الصدام مع السادات

اعترضت الكنيسة على تقنين الشريعة، وكانت تلك الدعوات رائجة في ذلك الوقت من عصر السادات، وأعلنت الكنيسة الصيام الاحتجاجي وكان ذلك في مؤتمر عقد في يناير 1977 تحت قيادة البابا شنودة، الذي كان يرى أن الصدام هو الطريق الأمثل لردع الدولة والجماعات الدينية. وفي هذا السياق الصدامي عارض البابا شنودة السادات في التوجه نحو السلام مع اسرائيل، حيث تلاقى موقفه هذا مع موقف الجماعة الوطنية الرافض للتطبيع، وهو ما أكسبه شعبية كبيرة، وصارت قضية التطبيع هي أهم قضية يطل بها على الصحافة. رغم أنه أيد السلام مع إسرائيل ولخص موقفه في مقولة شهيرة قالها للسادات: “ثِق أن الحق الذي يؤيدك أقوى من الباطل الذي يعارضك”، وهي مقولة اعتبر “أبو سيف يوسف” في كتابه “الأقباط والقومية العربية” أنها تأييد غير مباشر للسادات في عملية السلام.

ووصل الصدام ذروته مع نظام السادات بعد أحداث الزاوية الحمراء 1980 الطائفية التي وقع فيها قتلى وجرحى كثيرون، حيث قرر في اجتماع المجلس الملي في 26 من مارس من نفس العام إلغاء كل الاحتفالات الخاصة بعيد القيامة احتجاجًا على الأعمال العدائية ضد الاقباط، وفي هذا السياق قرر السادات تحديد إقامة البابا بالدير وتشكيل لجنة خماسية من كبار الأساقفة لإدارة الكنيسة.

في 28 سبتمبر 1981 وخلال حديثه لمجلة “تايم” الأمريكية رحب الأب متى المسكين بقرارات السادات قائلا: “لا أستطيع أن أقول إنني سعيد، ولكنني في سلام الآن، كل صباح كنت أتوقع أخبارا عن مزيد من التصادمات الدموية. قرارات السادات حمت الكنيسة والأقباط، هي من الله”. وأضاف أن “البابا شنودة هو أفضل بطريرك متعلم في تاريخ الكنيسة”. إلا أن “رسامة البابا شنودة كانت بداية المشكلة، لقد حل العقل مكان الإلهام، والتخطيط مكان الصلاة. في سنواته الأولى كنت أصلي له، ولكنني أري أن الكنيسة تسير من سيء إلى أسوأ بسبب سلوكياته”.

مزامير متى المسكين

وإذا اقتربنا أكثر من عالم متى المسكين، لا سيما في اتجاه دور الكنيسة الرعوي، فسنجدها تدور حول معنى واحد.. وهو أن الكنيسة ليست مؤسسة الأقباط أو جامعة للدين والهوية، وأن المسيحية ليست جنسية أو قومية بديلة، وضرورة ضبط الحدود بين الطقوس الدينية والأدوار السياسية، بين ما هو سمائي وما هو أرضي، ما لله وما لقيصر. وفي كتابه “الكنيسة والدولة” الذي صدرت طبعته الثانية عم 1977، أوضحَ أن الكنيسة تختلف عن السلطان الزمني في كونها تعتمد على الإيمان وليس على ذراع البشر.. تعتمد على الله وليس على العدد والتكتل، وبالتالي مهمتها ليست خدمة المجتمع ولكن خدمة الإيمان.

وحذَّر متى المسكين من خروج الكنيسة عن هذا الاختصاص ومحاولة امتلاك السلطة، وتجييش العواطف والمشاعر باسم الصليب، أو أن تسعى الكنيسة وراء أموال الأغنياء أو أن ترتمي في أحضان أصحاب النفوذ؛ لأنها إذا حاولت الجمع بين السلطان الديني والزمني، ودأبت على المطالبة بحقوق طائفية وعنصرية فشلت المسيحية في أن تؤدي رسالتها.

متى المسكين، كان يرى أن جوانب الرعاية الاجتماعية مثل: رعاية الشباب اجتماعيًّا وتوجيههم، وتثقيف العمال وفحص أحوالهم ومطالبهم، والعناية بالطلبة، وإقامة النوادي والمعسكرات، وترتيب المؤتمرات لبحث المشاكل الداخلية والخارجية للشباب، بل وإقامة المستشفيات والملاجئ، كل هذا يجعل الكنيسة خارجة عن وظيفة الكنيسة وقد يجعلها في صدام مع الدولة. ورأى أيضًا أنه من الخطورة أن تحض الكنيسة على الاستهتار بقوة الدولة؛ ويعتَبِر الاستهتار بالدولة تشجيعًا على الشر والأشرار، حيث يتحول الدين إلى عثرة في طريق تقدم الإنسان والارتقاء الوطني. لكن يبقى السؤال المهم هل لو كان الأب متى المسكين هو الذي تولى مسؤولية الكنيسة كان سيستمر على هذا النهج؟

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة