كيفَ تحوَّلت سوريا إلى “صيدنايا كبير”؟!‏

سجنُ صيدنايا هو أسوأ سجون النّظام السّوريّ سمعةً بعدَ سجن تدمر الأشهر، وهو ‏مقرّ الاعتقال الرّئيس لمعتقلي ما بعد الثّمانينات حيث افتتح عام 1987م، وقد ‏اشتهر السّجن بمجازره المتكرّرة واعدامات نزلائه واستعصائه الشّهير الذي أختتم ‏بمجزرته الكبرى عام 2008م، غيرَ أنّنا بحاجةٍ إلى النّظر قليلًا في تركيبةِ نزلائه الفكريّة ‏وغالبيّتهم العظمى من الإسلاميّين، وملاحظة المنهجيّة وآليّة ‏تعامل النّظام معهم في ظلّ الثّورة ‏لفَهم بعضٍ من الأسباب التي جعلت الأمور في سورية تؤولُ إلى ما آلت إليه.‏

ثلاثُ دولٍ في سجن

انقسم المعتقلون إلى ثلاث فئاتٍ رئيسيّة كانت موجودةً في مهاجع مشتركة إلى أن ‏تمايزت الصفوف بشكلٍ واضحٍ عقب الاستعصاء الكبير عام 2008م وغدت كلّ شريحةٍ تهيمن على طابق كامل تقريبًا.‏

‏ الطّابق الأوّل يضمّ المعتقلين الذين يصنّفون بأنّهم إسلاميّون متشدّدون حدّ التكفير، ‏وقد أعلنوا دولة الإسلام في مهاجعهم، وكانت هذه الدّولة المسجونة تُطلِقُ الأحكام وتسعى لإقامة الحدود، وقد ‏تمّ الحكمُ بالردّة فعلًا على عددٍ من المعتقلين بتهمة موالاتهم للكفّار عندما اشتكوا ‏للسجّان من شدّة ضرب زملائهم لهم في السّجن بعد حوارات يفتَرض أنّها “فكريّة” أو ‏مناظرات “شرعيّة”.‏

والثّاني طابقٌ يضمّ في مهاجعه مكوّناتٍ إسلاميّة جهاديّة وسلفيّةً علميّةً توصفُ بالأقلّ تشدُّدًا، ‏وهذه الدولة ـ المهجع ـ محكومٌ عليها بالتكفير من دولة الطّابق الأوّل كونها لا تسعى إلى ‏إقامة دولة الإسلام، وهي بدورها تحكم على نزلاء الطّابق الأوّل بأنّهم خوارج.‏

والثّالث طابقٌ يضمّ في مهاجعه بقيّة التيّارات المصنّفة إسلاميّةً معتدلةً من الإخوان المسلمين ‏وغيرهم من أبناء التديّن المجتمعي العام، كما يضمّ الشيوعيين واليساريين وغيرهم من معتقلي الرأي والمعتقلين السياسييّن، وهذا الطّابق محكوم عليه من دولة الطّابق الأوّل ‏بالرّدة والكفر، ومن دولة الطّابق الثّاني بالتحلّل والتهتّك تارةً وبالانبطاح تارةً أخرى.  ‏

وكانت هذه التقسيمات وما كان يدور فيها من مناقشات ساخنة، وصراعات فكريّة ‏حول مفهوم الدولة، والدّيمقراطيّة، وتطبيق الشّريعة، والولاء والبراء وغيرها من المسائل الخلافيّة، وقد اتّسمَ الجوّ العامّ بتضخيم مساحات الاختلاف وتضييق مساحات الاتّفاق، حتى يحسب الرّائي أنّ الأصل فيما بينهم هو الاختلاف والاتّفاق استثناء، وكلّ ذلكَ يتمّ تحت بصر النّظام وسمعه وهو ‏يراقبها بكلّ خبثٍ ودهاء، فرغم أنّه يحاصرهم ويقمعهم جميعًا إلّا أنّهم أسرفوا في الانشغال ببعضهم بعضًا والحكم على بعضهم بعضًا بدل من توجيه طاقاتهم في مواجهة النّظام السجّان الذي يقتلهم جميعًا. ‏

‏”أبو وائل” الدّاهية الذي غيّر المَسَار

الأبُ الرّوحي لبشّار الأسد، وأحد اهمّ ركائز النّظام التي كانت تعمل بصمتٍ ودهاء ‏منقطع النّظير هو اللواء  في المخابرات السّوريّة محمّد ناصيف خير بك “أبو وائل” ‏الذي توفي يوم 28/6/2015م كان هو صاحب الفكرة الأخطر في تاريخ الثّورة ‏السّوريّة، حيث كان النّظام يعيش مأزقًا كبيرًا في مواجهة ثورةٍ شعبيّةٍ امتدت وأخذت ‏تتسع شيئًا فشيئًا بكلّ سلميّةٍ رغم تزايد أعداد الشهداء اليوميّ، وكانت دعايته عن ‏وجود مسلّحين تثير سخرية واستهزاء وسائل الإعلام التي تنقل المظاهرات الشّعبيّة، ‏ومواجهة الحناجر الصّادحة بالأهازيج للرّصاص الحيّ.‏

كان القرار الأكثر تأثيرًا في خطّ سير الثّورة ـ حسب اعتقادي ـ هو ما أقنع به اللّواء أبو ‏وائل بشّار الأسد، فبعدَ أن صدر عفو رئاسي يوم ‏‏31/5/2011م عن ألفٍ وخمسمئةٍ من معتقلي صيدنايا تحت ضغطٍ كبير من المجتمع الدّوليّ كان غالبيّتهم من اليساريين الشيوعيين وجمعٍ من المحكومين من الإسلاميّين من تيّارات وتوجّهات مختلفة وغالبيّتهم من ذوي الأحكام الخفيفة؛ حيث يرضي الإفراج عن هذه الشريحة رغبات العالم الغربي، بينما استثني من الإفراج كثيرٌ من الشخصيّات فاقعة اللّون بالغة الوضوح واسعة التّأثير شديدة الاندفاع من الطّابقين ‏الأوّل والثّاني المصنّفين بالجهاديّين المتشدّدين والموقوفين بغير أحكام أو أحكام طويلة لا سيما الموقوفين والمحكومين بتهمة الانضمام لتنظيمات محظورة أو جماعات تسعى لتقويض الأمن السياسي والاقتصادي وتعمل على قلب نظام الحكم.

وهنا كان دور اللّواء “أبو وائل” محمد ناصيف خير بك؛ الذي أقدم على استصدار عفو غير معلن عن نزلاء الطّابقين الأوّل والثّاني، بعد ما يقارب شهرين من العفو المعلن، وبدأ بإطلاق سراحهم بصمتٍ بعيدًا عن ضوضاء الإعلام المنشغل بإثبات أنّ الثّورة لم تكن سلميّة.

وعموم هؤلاء المفرج عنهم  والذين كانوا أكثر المعتقلين صراعًا فيما بينهم، وتصل ‏صراعاتهم إلى الاشتباك بالأيدي وتتدخّل قوات النّظام في بعض الأحيان للفصل ‏بينهم، كانوا يؤمنون بوجوب إزالة النّظام الطّاغوتي، وكان النّظام يعرف ذلك تمامًا ‏ومع ذلك أفرج عنهم في أحرج السّاعات التي تتهدّد استقراره ووجوده.

كما كان النّظام يعلمُ ‏جيّدًا بأنّ هؤلاء المفرج عنهم لن ينخرطوا في المظاهرات السّلميّة، فهم لا يرون السّلميّة ‏تحرّرُ أرضًا ولا تنكئ عدوًّا ولا تُسقِطُ نظامًا، ويعلم جيّدًا من خلال مراقبته الدّقيقة لهم ‏خلال فترة اعتقالهم التي امتدّت سنواتٍ عديدة أنَّهم سيعيدون تجميع أنفسهم فصحبة ‏السّجن هي الأوثق بين الصّحبات كلّها، و”مدرسة يوسف” كما يسمّيها عموم ‏الإسلاميّين تغدو المعيارَ للحكم على الأشخاص وتقييمهم في مرحلة ما بعد السّجن، ‏وممّا يلفت النّظر أنَّ النّظام استثنى من هذا الإفراج الكثير من النّشطاء السّلميين البسطاء من ‏أمثال طلّ الملّوحي الفتاة التي ما زالت في السجن لأنّها كتبت كلمات تنتقد فيها ‏النّظام.‏

من مهاجع صيدنايا إلى دول الإسلام المتشاكسة

‏ من بين المفرج عنهم في العفو الصّامت هذا قادة أكبر الفصائل المقاتلة بعد ذلك وعدد من منظّري القاعدة وداعش بعد ذلك، وما هي إلّا أشهر ‏معدودات حتّى استطاعوا فعلًا تجميع الصّفوف وتحويل الأفكار النّظريّة إلى مشاريع عمليّة، ‏وبناء الكيانات وإطلاق بيانات تأسيس الفصائل المقاتلة “الإسلاميّة” التي استقرّت ‏فيما بعد على شكل فصائل كبرى؛ وهنا كان البدء الفعليّ لدخول الثّورة في ‏غمار التسليح، وغيابها في نفق صراعات الأدلجة التي سيستخدمها النّظام مبرّرًا لبطشه واستدرار تعاطف بعض الجهات الدّوليّة معه لينتهي الأمر بتدويل القضيّة وتفتيت البلاد.‏

‏ وفعلًا بدأت السّيطرة على الأرض بنسقٍ لا يختلفُ كثيرًا عن السّيطرة على مهاجع ‏السّجن القديم، فتحوّلت سوريا إلى صيدنايا كبير تتقاسم الفصائل مهاجعه وتعلن فيه ‏دويلاتها وينتقل التّصارع بينها من تشابك بالأيدي إلى حوار بالقذائف الصّواريخ ‏والرّصاص الحيّ ومضادات الطائرات.

وتحوّلت المعارك الفكريّة والمناظرات الشرعيّة وإطلاق الأحكام النّظريّة إلى الميدان ‏التنفيذي لتلك الأحكام، فالمرتدون يجب قتلهم إقامةً للحدّ، والخوارج يجب استئصالهم ‏إرضاءً للّه ورسوله، وطوبى لمن قتلهم وقتلوه، وصار البحث فيمن قتاله أولى؛ النّظام ‏الذي يحاصرهم جميعًا ويقتلهم جميعًا أم جيران المهجع في سجن صيدنايا؟!‏

إضاءةٌ لا اختزال

الحديث عن تعميم سجن صيدنايا على أنحاء سورية لا يمكن أن يكون اختزالًا ‏للأسباب الأخرى المتعدّدة التي دفعت إلى العسكرة والأدلجة، غير أنّها إضاءةٌ لا بدّ منها لمعرفة ‏المدخل، فمن فتح أبواب سجن صيدنايا بهذه الطّريقة الانتقائيّة هو من فتح الباب ‏على مصراعيه لسوريا لتتحوّل إلى مهاجع كبيرة في سجنٍ مظلم يتقاتل المعتقلون فيه، فالنّظام هو الذي يتحمّل المسؤوليّة عن عسكرة الثّورة التي كانت رغبةً له وطموحًا سعى لها ونفّذها بمكر بالغ.

وهنا لا بدّ من التأكيد على أنَّ هذا لا يعني بأيّ شكلٍ القبول ببقاء القيد في يد ‏مظلومٍ، وكلّ من أطلق النّظام سراحهم من صيدنايا وغيرها من مسالخه الإجراميّة هم ‏مظلومون مضطهدون لهم كلّ الحقّ في أن يتنفّسوا الحريّة التي يطمح لها كل مخلوق، وكذلك لا تعني ‏هذه الإضاءة أنّ هؤلاء انخرطوا في العسكرة تطبيقًا لرغبة النّظام وهم يعلمون ما يرمي ‏إليه من وراء إطلاقهم.

إنّما هي مقاربةٌ لإدراك مدى فهم النّظام لخارطة انتماءات ‏للمعتقلين عنده واستشرافه مآلاتها من خلال فهم البنية الفكريّة لهم، وقدرته على ‏استنساخ السّجن على رقعة الوطن كلّه دون وعيٍ حقيقيّ من كثير ممّن هم في صيدنايا السّجن ‏وصيدنايا الوطن على حدّ سواء لمدى خطورة ما يمكر بهم الأسد وأعوانه وحلفاؤه، فهل يعي الإسلاميّون مكائد الطّغاة بهم، التي يمرّرها تفرّقهم وتشرذمهم وتنازعهم فيما بينهم، ‏ وهل يتفرّسون في مآلات أفعالهم، وعواقب بعضها التي أوقعتهم في ‏مطبّاتٍ كارثيّةٍ تحتاجُ الكثيرَ الكثير من الوقفات الجادّة الصّادقة حتّى لا يقعوا ويقع غيرهم في الحفرة ‏نفسها للمرّة الألف. 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة