صاحب التكبيرة في برشلونة: مِثليّ أم داعشي؟

وما لم يُصارح به لوسي منذ البداية أنه مثلي جنسيا، واعترف لها منذ شهرين أنه يقيم علاقات جنسية مع الرجال. وأنه يعيش صراعا نفسيا حادا منذ مدة طويلة باعتباره واعٍ بأنّ أهواءه مُحرّمة.

   أحيَت برشلونة يوم 17 أغسطس/آب الماضي ذكرى العملية الإرهابية التي راح ضحيتها السنة المنقضية أكثر من مئة شخص بين قتيل وجريح.  وقد عاشت المدينة ذكرى هذا الحدث الأليم وسط مساحات نقاش واسعة استرجعت بها وسائل الإعلام مُعجم الإرهاب والجِهاد بقراءات عميقة وأخرى في أغلبها سطحية يستحسنها السواد الأعظم من الناس.

مُعجمٌ زاد طينته بلّة تسجيل البغدادي الأخير وأنعشته بعد ذلك عمليّة اقتحام لمركز شرطة اختار لها مُنفِّذُها “الله أكبر” عُنوانًا فصُنّفت مباشرة في خانة العمليات الإرهابية، رغم التفاصيل الغريبة التي رافقتها بعد ذلك.

الحكاية

   حسب رواية رئيس مؤسسة الشرطة الكتالانية “رفايال كوميس”، فإنّ الحادثة وقعت كالتالي:

شاب يتوجّه في السادسة إلّا عشر دقائق صباح يوم الحادث إلى مركز شرطة كُرنييّا (التي تبعد 10كلم عن برشلونة) يقف عند الباب طالبا الدّخول لحاجة مستعجلة، فتفتح له شرطِيّة مكتب الاستقبال عن طريق جهاز التحكم عن بعد، يدخل وعلى مسافة متر تقريبا، ودون مُقدّمات يُشهر سِكينا ويقول “الله أكبر” مع بعض كلمات أخرى. في ردّة فعل دفاعية تسحب الشرطية سلاحها وتطلق أربع طلقات، أصابته ثلاثة منها فأردته في الحال قتيلا.

كانت الشرطية تقريبا وحدها في تلك اللحظات باعتبارها من العاملين في الفوج الليلي والذي يغادر السادسة صباحا لينطلق فوج الصباح. عادة، لا يكون الموظفون (شرطة العمل الخارجي أو الإداري) في العشر دقائق الأخيرة من الدّوام في المكاتب، ويبدو أن عبد الوهاب طيب، مُنفّذ العملية كان يعلم ذلك. وبما أنّ الظّرف أوجده وجها لوجه مع الشرطية فإنّ الأمر كله لم يتعدّ دقيقتين.

 رئيس الشرطة الكتالانية في المؤتمر الصحفي المنعقد ذلك الصباح أوضح بأن العملية، حسب المعطيات المتوفرة، إرهابية ولكنَّ التحرّي في علاقتها بتنظيم الدولة (داعش) أمرٌ يتطلب وقتا أكثر. وأوضح أيضا أن الشرطية لم يكن بإمكانها تفادي القتل لأن القتيل وجّه سكينه (الحاد والطويل) نحوها بنيّة القتل العمد، وأن مكتب الشرطة يتوفّر على تسجيلات كاميرا المكان التي طلبتها النيابة العامة.

    حتى مساء ذلك اليوم، تجنّدت وسائل الإعلام لتغطية تداعيات الحادثة مُصَوّرةً الأمْرَ على أساس أنه عمل إرهابي قام به مسلم ذو أصول جزائرية، حاصل على إقامة قانونية. رواية أكّدها الجانب الأمني بالرجوع إلى سيرة القتيل ولم ينفِها أحد من ذويه.
تشنّج المزاج العام واحتدّ النقاش على وسائل التواصل الاجتماعي وعَلت أصوات الإسلام فوبيا والمهاجرين في آن واحد بسبب الأقوال المتضاربة عن تفاصيل العملية وبالأساس بسبب تحاليل بعض “خبراء الإرهاب” الذين أثّثوا بمداخلاتهم في برامج التلفزيون منذ الصباح في ذلك اليوم.
يقول أحد المحللين “تشيما جيل” مثلا وبكل ثقة: “هي عملية إرهابية جهادية، لم تكشف الشرطة بعد عن العلاقة بداعش، لكن يكفي أن نتذكر تسجيل البغدادي منذ يومين حيث أمر جنودهبالتحرك في أوربا، المهم القتل، بأي وسيلة كانت، حتى لو كانت سكينا.. وبالتالي فإن هذه العملية هي استجابة لذلك النداء“.

و أضافت جريدة “الإسبانيول” بعدها:

الشرطة الكتلانية مُستهدفة، بدليل الصورة التي تداولها مستخدمو تطبيق تلغرام” (مثل تطبيق واتساب لدى داعش) منذ أيام، وتحتوي صورة   ثلاثة من أفراد الشرطة الكتالانية كُتب على زي أحدهم لبّوا النّداء“. واعتبر البعض أَنَّ هذا رسالة لقتل أي شرطي كتلاني

أجمعت القراءات تقريبا، بما فيها القراءة الرّسمية ذلك اليوم على أن عبد الوهاب طيب إرهابي، وأن علاقته بتنظيم داعش واردة (بل أكيدة لدى الكثيرين). رغم أن الحادثة تنطلق من مُعطى غريب جدا، كيف لشخص يحمل سكين مطبخ أن يقتحم مركز شرطة يعجّ بالمُسلّحين ويسعى لقتل أيّ منهم؟ خطوة لا يمكن أن يُقدِمَ عليها سوى معتوه أو فرد من جماعة مُدججة بسلاح ألقت به كطُعم، لتَتبعه لاحقا. لكن الشرطة لم تعثر على أي دليل بأنه كان مرفوقا بآخرين، وبقي الاحتمال الأول محل متابعة من طرف الشرطة.

المفاجأة

   ما إن ظهرت زوجته على الساحة حتى اختلطت الأوراق مجددا إلى درجة التشكيك في تهمة “الإرهاب” ذاتها، إذ أفادت زوجته، لوسي إسبانية (40 سنة)، وأمّ لطفلتين من زواج سابق، أنّ عبد الوهاب (29 سنة) يعيش مرحلة اضطراب نفسي منذ شهور.

عاشت معه أزمة زوجية قرّرا على إثرها الانفصال، وفعْلاً تمَّ طلاقهما منذ أسبوع، مع مُواصلة العيش في شقتها.
وحسب لوسي، تعود علاقتها بعبدالوهاب إلى جيران لها في الحي، إذ عرّفاها عليه منذ سنوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي حين كان يعيش في الجزائر، تواصلا واتفقا على الزواج. سافرت إلى هناك وأتمّا إجراءات الزواج القانونية في سفارة إسبانيا.
قَدِم عبد الوهاب على إثر ذلك إلى برشلونة، وعاشا حياة هادئة حسب رواية بعض جيرانها الذين يعيشون صدمة واضحة.
وقد أجمع كل من يعرفه أنه كانا شابا مُؤدّبا وأنيقا. حصل على عمل مُحترم زاد في حظوظ استقرار مشروع زواجه.
إلّا أن الأمر لم يتعلّق لا بالوضعية المادية ولا بشريكته، إنّما بنفسه، فسبب الاضطراب الذي كان يعيشه عبد الوهاب وما لم يُصارح به لوسي منذ البداية أنه مثلي جنسيا، واعترف لها منذ شهرين أنه يقيم علاقات جنسية مع الرجال.
وأنه يعيش صراعا نفسيا حادا منذ مدة طويلة باعتباره واعٍ بأنّ أهواءه مُحرّمة في دينه. لذلك انكبّ على الاختلاء بنفسه لحسم حيرته واضطرابه الجنسي تحديدا وأصبح يرتاد المسجد بشكل متكرر في محاولة منه أن يسترجع هويته الجنسية الذكورية الضائعة وسط إغراءات أخرى “لا تُرضي الله” كما كان يقول لطليقته. تفاصيل لم تجرؤ لوسي على البوح بها لأحد قبل الحادثة.

  الصراع الذي كان يعيشه عبد الوهاب، شخصي بحت، لكن لا غرابة أن يبلغ به مرحلة من الضياع والفوضى أو حتى الوقوع في فخ علاقات تتربّص بكل التّائهين وتغذّيهم بأفكار خبيثة.

ويبدو أن عبد الوهاب طيب بلغ من التّيه مبلغا أدّى به لخلق فرصة لغيره حتى يضع نهاية لحياته. بعبارة أخرى انتحار بيد أخرى. موت مُخطّط له مُغلّف بـ “تكبيرة”، يكشف بما لا يدع مجالا للشك تخبّطا حادّا في فهمه لوجوده ولهويته الجنسية وللدين. فكأنّه يضع نهاية لحياته، مُتبرِّئا من جريمة قتل نفس.

وسواء كانت نيته الانتحار أو القتل ففي الحالتين، أثبت دعاء الاستخارة الذي تركه مكتوبا في غرفته، والرسالة التي أرسلها لطليقته على هاتفها “سأذهب إلى المكان الكبير هناك عند الله” أن فكرة الموت ترسّخت في عقله، قاتلا أو مقتولا.

   مما لا شك فيه أن الآلة الإعلامية التي ربطت الحادثة بالإرهاب وحتى الجهاد وداعش منذ وقوعها، عاشت زخما لافتا ولقيت صدى واسعا لدى السّواد الأعظم.  لكن نفس هذه الآلة الإعلامية يتراجع حماسها في نشر تفاصيل الحادثة (التي اتضح أنها شخصية بحتة) لأنّ هذا السّواد غالبا ما يكتفي بالفرقعة الأولى، خصوصا إذا ما احتوت الكلمات المفتاحية التالية: مهاجر، إسلام، إرهاب.

تنفير الناس من الدين

    ومما لا شك فيه أيضا، أنّ الخطوة التي أقدم عليها عبد الوهاب طيب (وإن كان يعاني من اضطراب نفسي) تبقى مجنونة ومسيئة الى أبعد حدِّ. حادثة أساء بها لدينٍ تربّص به الكائدون من كل صوب. كيف لا والفاعلون المغفلون من أبناء المسلمين لا يعلمون بأنهم يأتون أفعالا يعجز أعداء الأمة عن إحداث أثرها السلبي وتداعياته في تنفير الناس منهم ومن دينهم. حوادث مثل هذه تتواتر بنظام ثابت لتستثير ذاكرة الكارهين للإسلام والمهاجرين وتذكرهم في كل مرة بأنهم يستحقون ألوان الصورة التي رُسموا بها في الأذهان وباعدت بينهم وبين القيم الحضارية.

 

 

 

 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة