“نساء الفراولة” في المحكمة العليا بمدريد

بعد أن شغلت قضية “نساء الفراولة” في جنوب إسبانيا، جانبا كبيرا من الرّأي العام العربي والأوربي منذ شهرين، (وقد كتبت مقالاً نشر هنا بخصوص القضية وقتها)، هاهي المحكمة العليا بمدريد والتي تعتبر أعلى هيئة قضائية، تعقد أولى جلساتها لتفسح المجال للضحايا لكشف صفحة كادت تُطوى مثل سابقاتها في تلك الحقول بسبب الخوف.

تحرش واستغلال

    والقضية بإيجاز، تتعلّق بتُهم استغلال، وتحرّش، واغتصاب جنسي، تقدّمت بها للقضاء 10 عاملات مَوسميات مغربيات في حقول الفواكه الحمراء في ولاية ويلفا في مقاطعة الأندلس ضد مُشغّلين لهنّ.

 هذه القضية كشفت ماضيا حافلا بهذه الجرائم طغى على سمعة القطاع، نجحت تهديدات المُتهمين فيها طوال هذه السنين في إلجام ألسنة الضحايا مقابل أثمان مختلفة. وللعلم فإنّ حقول محافظة ويلفا تعمل بها 17 ألف عاملة موسمية مغربية من مجموع 32 ألف عاملة، يتم جلبهم من المغرب كل سنة في إطار عقود خاصة لا تُخوِّل الحق في المطالبة بالإقامة أو التأمين الصحي، بل تشترط إقامتهن في مخيّمات أشبه بالأكواخ (حسب تقرير موقع كوريكتيف الألماني) في الحقول ذاتها طوال أشهر العمل.

كما أن الشرط الذي كان السبب الرئيسي وراء العمل الاستقصائي للموقع وأثبتته نقابات المنطقة، هو أن أصحاب الأراضي ومكاتب التشغيل التابعة لهم تشترط فئة اجتماعية معينة للانتفاع بهذه العقود: إناث أُمّيات أو تَكَدن، فاقدات للسّند، بل مسؤولات عن عائلات، حيث لهن آباء أو أزواج أو أطفال مُقعدون، غير منتفعات بأية إعانة اجتماعية. وهؤلاء اختصر التقرير الألماني ومن بعده بعض الصحف الإسبانية، تسميتهم بـ”المُستضعفات”.

حين نال الفريق الصحفي الألماني ثقة بعض ضحايا هذه القضية ونجح في دفعهنّ للمرور إلى القضاء، كان أصحاب الأرض قد رحّلوا أفواجا من الغاضبات إلى المغرب. غير أن الوضع انفجر بعد أيام واستبد الغضب بأفواج أخرى فنجحت بعضهن في الهروب الجماعي (رغم محاصرة الشرطة الوطنية لأسوار المزارع) وخرجن في مظاهرات في أقرب نقطة عمرانية، حيث كانت كاميرات بعض النقابات والصحف في انتظارهن.

استبعاد كامل

المؤلم جدا في الأمر، أن الروايات المُصرّح بها في الجلسة الأولى للمحكمة العليا وبعض ما نقلته جمعية AUSAJ ، وهى جمعية خاصة بالمتعاملين مع مؤسسات وزارية العدل، تكشف واقع استعباد كامل مُسيء جدا، تغضّ إسبانيا الطرف عنه لصالح شركات تضخّ أموالا طائلة لاقتصاد البلد.

من الجانب الآخر، تبدو مؤسسات التشغيل المغربية شريكة في الجريمة بتوفير عَمالة مُضطرة للوقوف خرساء عمياء عن كل الجرائم المقترفة في تلك الحقول. بحيث تُجبرها الحاجة المُلحة للمال والرّعب من المجتمع إلى قبول الوضع مهما كان مُستبِدّا، المهم أن ترجع في نهاية الموسم بما تيسّر شاكِرة كاتِمة.

تقول ضحية “أريد أن أثبت الحقيقة لكل العالم، خاصة عائلتي. لأني لا أريد أن يفكروا ولو للحظة أني أتيت الى إسبانيا ليُنكّل بي أو لأتسوّل”

وتقول أخرى “لا أريد أن يرى إخوتي الأخبار، سيعتقدون أني أتيت لأعمل في الدعارة، لكن في الحقيقة أنا أتيت لأكدح، أخاف أن أخسر حق حضانة ابني، لأن أباه سيراني في الأخبار ويحرمني منه”.

وتقول ثالثة “مكتب التشغيل في المغرب يشترط أن تكون طالبة العمل أمّية أو شبه أمية، كي تكون فريسة سهلة. مثلهنّ يوقعن على أية وثيقة من دون تثبّت ولا نقاش، وعندما يطلب منها أي رئيس لها في العمل أي شيء، فحَتما ستُطيع ظانّة أن شروط العمل تُملي ذلك. الصمت عن كل شيء واجب. كل الموضوعات مسكوت عنها هنا. أنا كنت شاهدة على أمور كثيرة، منها عمليات الإجهاض بسبب الاغتصاب. فلتذهبوا إلى مراكز الصحة في كل المحافظة وستُصدمون بالعدد المرتفع”.

بقية تفاصيل روايات الضحايا متشعّبة ومُفزعة تدلّ على وضعيات مهنية “لا إنسانية” حسب تعبير جريدة “الباييس” الإسبانية، لا يمكن أن تسكت عليها سوى العاملات المُعدمات.

التُهم المزعومة

أما الخطوات العمليّة التي أفضت لها هذه الجلسة، فقط تمثلت في اتخاذ جملة إجراءات قضائية تمهيدية تجاه شركة “لا دونيانا”، المتهم الأول في قضية الاستغلال المهني والجنسي المطروحة.

   حرص إعلامي واضح أبدته صحف إسبانية عديدة غطّت أولى جلسات المحكمة العليا في هذه القضية من أجل إيصال صوت الشّاكيات، قابله على صفحات المواقع المغربية تشكيك كاد أن يصل إلى مستوى الاستهانة بما أقدمت الشاكيات على فعله. ففي موقع أخبار سريعة عالية التّصفح، ورد الخبر تحت عنوان “فضيحة عاملات الفراولة” وهو عنوان يكشف تقريبا موقف شريحة كبيرة من المجتمع المغربي تستنكر على المغتصَبة اتهام مغتصِبها!

  عندما اطّلعت على المقال ووقفت على عبارات من قبيل “تهم الاغتصاب المزعومة”، قدّرت حالة الرعب التي جعلت الكثير منهن تقبلن بكل الابتزاز الذي يُمارس عليهن، ومن بينهن من تراجعت عن الإدلاء بشهادتها خوفا من تكذيب “المجتمع الأم” لها.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة