“حلا شيحا” التي هدمت الدين!

أولي بهذه الدموع نساء اغتصبن قهرا، وخلع حجابهن قهرا أمام شاشات التلفاز العالمية علي يد جنود الانقلابيين دون أن نسمع صوت واحد لهؤلاء المشايخ؟

في رد فعل مبالغ فيه لدرجة تثير العجب، قامت الدنيا ولم تقعد في مصر؛ بسبب خلع فنانة مصرية النقاب بعد ثلاث عشرة سنة من ارتدائه وزواجها من أجنبي دخل في دين الله وبني معها أسرة يحافظ عليها وعلى دينه حتى الآن، وقرارها العودة إلى التمثيل بعد دخولها مصر بشهرين في زيارة لأهلها كما صرح زوجها في وسائل الإعلام. 
وهو الخبر الذي تلقفه مشايخ مدعي السلفية ليتباروا في فضحها والبكاء وأداء مشاهد تمثيلية ربما لا تتقنها “حلا”، وهي مهمنتها، وقد رفعت السياط  لجلدها وحدت السيوف للنيل منها، وتحول الجميع إلى قديسين في حالة من رفاهية الفكر، والتي لا نملكها في بلاد عارية من كل مظهر ديني أو أخلاقي أو إنساني.
وارتدى الجميع عباءة الناصح المتجرد  أو المهاجم المتشفي، ليختم كلامه بالطلب منها أن تتوب وتعود، في حدث شخصي تماما لإنسانة لا يعلم إلا الله كم ما وقع عليها من الضغوط ، وتتحول صفحات السوشيال ميديا لبكائية علي الإسلام المنتهك ، والحجاب المتلاعب به ، و”حلا شيحا” التي هدمت الدين!

سمية بنت خياط

في مطلع الرسالة وفي السنة السابعة من البعثة كانت هناك فئة قليلة مستضعفة في مكة، تقع تحت طائلة أشد أنواع التعذيب والملاحقة من كفار قريش، وكانت هناك أسرة مسلمة هي “آل ياسر” الذي أسلمت زوجته السيدة ” سمية بنت خياط ” وكانت سابع من نطق بالشهادتين ، ثم أسلم وابنه عمار ، وتعرضت هذه الأسرة لأنواع من التعذيب لم يتحمله ابنهما عمار فدفعه للنطق بكلمة الكفر وسب نبيه ليعفي نفسه من هذا التعذيب الجبار.
ورغم أنه نجا منهم، إلا أنه كان ضمن وعد النبي محمد صلي الله عليه وسلم للأسرة بالجنة، وكان قوله لهم ” صبرا آل ياسر إن موعدكم الجنة “، وتَنزّل فيه قرآن يبرأه من فوق سبع سماوات حين ندم وبكى وخشي علي إيمانه:  “إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، “ونصيحة من نبيه ” إن عادوا فعد “.
وتأبى سمية ( المرأة ) أن تأخذ بالرخصة ، ليطعنها أبو جهل بحربته في موطن عفتها وتموت على الفور وتكون أول شهيد في الإسلام.
سمية لم تكن تتميز في لباسها عن الكافرات، فلباس الكافرة كان غطاء للرأس مسترسلا علي الظهر فقط دون الصدر ، لم تكن فريضة الحجاب قد تنزلت بعد ، ولم يتنزل بها القرآن إلا في المدينة حين اكتملت الدولة ، وصار للإسلام وطن وأمة تذود عنها، نستطيع أن نسميها الأمة المسلمة بصفاتها المكتملة، رغم وجود يهود المدينة في ذلك الوقت ، ورغم وجود الكافرين الذين لم يسلموا بعد، ورغم وجود المنافقين الذين يعلمهم رسول الله، ورغم خروج النساء لمسجد النبي للتعلم خلف الصبيان ومن أمامهم الرجال، إلا أن المسلمة كانت كاملة الإسلام بدون الحجاب حتى أتى أمر الله به.
ماتت سمية غير مقصرة واصطفاها الله للشهادة، كما ماتت خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها وجبريل يقرؤها السلام من ربها مكتملة الإيمان والإسلام رغم عدم صيامها ، لأن الصيام لم يفرض إلا في المدينة كذلك.

جاهلية الماضي وجاهلية الحاضر

ليس تقليلا من شأن الحجاب الذي هو فريضة على كل مسلمة بالغة عاقلة، شأنه في الدين شأن الصلاة والصيام والحج، أو النقاب الذي اختلف فيه الفقهاء والعلماء بدءا من التابعين وحتى يومنا هذا، ولكن: هل يجوز أن تنتفض أمة مستعبدة، تقع تحت طائلة الأسر لاتخاذ امرأة قرارا بخلع حجابها دون أن نعرف ملابسات ما أوقعها في ذلك، وربما تكون مرغمة تحت مظلة الحكم العسكري الجائر؟

– هل يجوز أن يبكي المشايخ الأفاضل في مواقع عامة مطالبين إياها بالرجوع والأمة تنتهك حرمات حرائرها ليل نهار؟ وقد كان أولى بهذه الدموع نساء اغتصبن قهرا، وخلع حجابهن قهرا أمام شاشات التلفاز العالمية على يد جنود الانقلابيين دون أن نسمع صوت واحد لهؤلاء المشايخ؟

– هل يجوز أن ترسل إحدى الأخوات الفضليات وأبوها من هو في جماعة الإخوان المسلمين رسالة على العام لتورط المرأة في أزمة سياسية مع النظام، رغم براءة الرسالة وصدقها وكم الحب والحرص فيها، إلا أنها تحيلها من قضية شخصية يمكن أن تحل بزيارات خاصة، وقد كان الأولى أن يكون ذلك، لتتناولها وسائل الإعلام كذريعة لربط تلك الفنانة بالجماعة والضغط عليها من هذا الباب؟ أليس كان من الأولى أن نحافظ عليها من أنياب هؤلاء؟

– أيجوز أن ينتفض المجتمع لقضية كتلك، ونساء فلسطين يحملن الحجارة في مجابهة أكبر كيان استيطاني لأقدس دولة بعد مكة ومدينة رسول الله، ونساء الأحرار في مصر لا يجدن قوت يومهن لغياب الأزواج، ولا يجدن ثمن تعليم أبنائهن، ونساء سوريا تتساقط عليهن السماء باللهيب كل يوم، ونساء اليمن يموت أبناؤهن علي يد بني عمومتهم ويمتن هن جوعا ومرضا؟ بينما الأمة في سبات لتصحو ويعلو صوتها حين تخلع إحداهن الحجاب؟

– هل صار للإسلام دولة وأمة تحمل صفات الأمة المسلمة لا صفات الضعف والعار والمهانة والانبطاح ولا تملك أن تتحكم في مناهجها الدينية التي يتلقاها أبناؤها في المدارس، ولم يعد سوى أن ترتدي فلانة الحجاب ولا تخلعه؟

غياب المعايير

لقد غابت المعايير لدى الأمة والتي تزن بها اهتماماتها وأولوياتها، وضاعت القضايا الكبرى في متاهات اهتمامات الصغار ودموع مشايخ السلفية الذين لم يهزهم اغتصاب طالبة أزهرية داخل مدرعة عسكرية داخل جدران جامعة الأزهر، كانت محجبة، وكانت تنافح عن دينها أكثر مما يفعلون.

 لم تهزهم صرخة فتاة وأمها ظهرت على شاشات عالمية تحمل في عيونها القهر لتصير زبيدة وأمها حدوتة منسية ولا يجب الحديث عنها لأنها تذكرهم بضعفهم وذكورتهم الكاذبة؟  ولم يحركهم عشرات الآلاف من الرجال المعتقلين والمختفين قسريا من خيرة أبناء المجتمع لتسيل دموعهم نهرا جارفا فيبكوا لرئيسهم الانقلابي كي يرفق بالأمة ويخرج هؤلاء لينتشلوها من ظلام جاهلية أعمق أثرا من الجاهلية الأولى؟

ألم يكن حريا بتلك الدموع أن تبكي أمة تقتل بعضها البعض كل يوم بسلاح عدوها، ثم تدفع له ثمن خيانتها؟ لم كل هذه الدموع وتلك النداءات ولمن؟ لأي شيء استيقظت ضمائركم فجأة وقد تجمدت منذ أول قطرة دم في صبرا وشاتيلا ودير ياسين ورابعة والنهضة وصعدة وحلب؟ وقد كان الأولى بكم أن تبكوا دما على أمة كغثاء السيل، تملك أرضا بلا هوية، وتاريخا يخجل سكوتها وكبوتها؟

 ألم يحن الوقت كي نرتب أولوياتنا كما يجب أن تكون؟ وكي نعلم بعد أننا لسنا أمة، ولسنا مجتمعا إسلاميا، ولسنا دولا بل أشباه دول، وأنه قد آن أوان الانتفاضة الكبرى ضد مظاهر الظلم التي تجبر انتزاع حجاب امرأة، أو تدفع أخرى لخلعه وربما فعل ما هو أكبر.

استقيموا يرحمكم الله .. استقيموا فقد أنجبتم أجيالا تحسب أن الأصل هو التفاهة والانحناء.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه