مقالات

عجائب الأخبار في أحوال حكام الأمصار

ارحمنا يارب فلقد ساد الهَوَس في أمصار العَوَز، والأمصار هي البلدان، ولكل مِصر من الأمصار حاكم؛ إما يحكمها أو يتحكم فيها، والفرق بين الكلمتين هو الفرق بين الحكم الفردي والحكم المؤسسي، أيضاً في كل مصر من الأمصار شعب إما يعيش هوَس العَوَز أو يعيش صفاء الرخاء، ومن المؤكد أن حالة الشعوب ماهي إلا انعكاس حرفي لحالة الحكم.   

عندما تلقيت كلمات فخامة الرئيس التي تمنى فيها أن يأكل وجبة واحدة من أجل شعبه، توقفت لحظة تأمل غير ممتدة سرعان ما انتهت باستيعاب التصريح العجيب بعدما تأرجحت جزئيات مخي صعوداً وهبوطاً، ثم استقرت في الجانب المنطقي من وجداني المصري الذي اعتاد على استيعاب نزوات وهفوات ورغبات وكلمات الحاكم الفرد.

ويختلف الحاكم الناطق باسم ذاته عن الحاكم الناطق باسم مؤسسة، فالحاكم المؤسسي محكوم بإطار تنظمه المؤسسة وتضع له خططه وترسم له خطواته ولا يستطيع الخروج عنها فعلاً أو لفظاً، لذلك فخطابه دائماً يتعلق بموضوعات محددة ومفرداته بعيدة عن الشخصنة.

أما الحاكم الفرد فينطلق من أنه صاحب الكلمة الأولى والأخيرة دون أي ارتباط مؤسسي أو رقابي، ولهذا فهو يخلط بين ذاته وحياته الشخصية ومعتقداته الخاصة ومنصبه كحاكم لشعب، وبطبيعة الحال تتقدم الطباع والرؤى الذاتية داخل الفرد على الرؤى الموضوعية طالما لا توجد هناك قواعد أو مؤسسة تفرض قواعدها وتسيدها.

في عام 1933 تقابل النازي أدولف هتلر مع بعض السينمائيين الألمان، وكان ذلك قبل وصول النازيين للحكم، وقال لهم “إذا جئنا للسلطة يجب عليكم أن تنتجوا أفلامنا”، لم ينظر هتلر للفن باعتباره تعبيراً عن الواقع العام، وإنما رآه أداة لخدمة رؤيته الشخصية كحاكم فرد لا يؤمن بالمؤسسية.

الحاكم المؤسسي

ذات يوم سأل صحفي الرئيس كلينتون سؤالاً كانت إجابته تتطلب بعض معلومات فجاءت إجابة الرئيس كلينتون تحمل اعتذارا لحين مراجعة مستشاريه بخصوص المعلومات.. لم يكن كلينتون قادراً على الإجابة عن سؤال يتعلق بشؤون البلاد دون الرجوع إلى مستشاريه ومراجعتهم والتدقيق في المعلومات التي سيعلنها على الرأي العام، هذا هو سلوك الحاكم المؤسسي أما الحاكم الفرد فيعتبر نفسه في أعلى قمة الفهم والمعلومات، وبالتالي فلا يوجد له أي مستشارين أو مؤسسة تلزمه بما هو مخالف لرأيه أو بما هو يعتقده ذهنياً أو وجدانياً.

الحاكم الفرد

  وفي عجائب وغرائب أحوال الحاكم الفرد كثير من الحكايات والمواقف التي نقلها لنا المؤرخون عبر الأزمان ومنهم بين هؤلاء الذين كانوا يحكمون أمصارا تحولت بعد ذلك إلى دول مؤسسية.

الأمر يصل ببعض من هؤلاء الحكام إلى أنهم يعتبرون أنفسهم ملهمين أو طفرات في الدنيا ومنهم من مثل نفسه بنبي الله سليمان الذي ألهمه الله القدرة على فهم كل كائنات الكون والتعامل معها، وهو ذاته الذي اعتبر أن الفلاسفة ذاتهم أقل إمكانات من عقله فوصف نفسه بطبيب الفلاسفة، ومن قبل وقف أنور السادات ينتقد طلاب الجامعة لخوضهم في السياسية باعتبارهم أصغر سناً من الحكام والسياسيين وأن خبراتهم العمرية لا تؤهلهم للمناقشة السياسية، وعندما تذكر أنه كان يمارس السياسة وهو في عمر الشباب الذي ينتقده قال “إحنا كنا بنشتغل سياسية لأننا كنا جيل مختلف بيفهم أكبر من عمره وطفرات مجتمعه؟!”

منع الطعام

استخدام سلاح الحد من الطعام لمواجهة أزمات سياسية أو اقتصادية  ليس استخدام حديث، فمن قبل منع الحاكم بأمر الله الملوخية والجرجير بحجة أن معاوية بن أبي سفيان كان يحبهما، وكان الحاكم بأمر الله يعتبر أن جزءاً من أهدافه هو القضاء على أتباع معاوية فكان تحريم الجرجير والملوخية لتحقيق هذا الهدف السياسي، وعندما أراد الحاكم بأمر الله منع الخمر منع بيع العنب والعسل لعرقلة تصنيع الخمور وهو المنهج نفسه الذي يمنع الناس من الطعام للقضاء على مشكلة ارتفاع أسعار الأغذية، ويشبه فكرة إخصاء الرجال للقضاء على مشكلة الزيادة السكانية، كمن ذهب إلى الطبيب يشكو آلاماً في الضرس فنصحه بقطع الرأس!!

وعسكرة البلاد على حساب أمنها واستقرارها ورخائها أمرا ليس بجديد فقد فعله من قبل في كوريا الشمالية “كيم جونغ إيل” الذي أفقر شعبه وجوعه وعزله عن العالم ودمر علاقاته الخارجية من أجل الادعاء بإنتاج أكبر ترسانة من الصواريخ، إلا أن الحقيقة أنه كان حاكماً فرداً يعيش وبطانته عيشة ترف مبالغ فيها بينما يطلب من شعبه تحمل الجوع والعَوَز من أجل نهضة مزعومة مجهولة.

قلق الديكتاتور والخطر الوهمي

ويعيش دائماً الحاكم الديكتاتور حياة قلق نابعة من أصوله التآمرية وتاريخه الدموي الذي يظل يؤرقه ويجعل يبحث عن الأمان في المقربين والأبناء، إلا أن قلق الديكتاتور المتآمر ليس له حدود ويظل يتصاعد حتى يحرق حتى المقربين، مثلما فعل إيفان القيصر الروسي الذي كان يقتل معارضيه ويسجنهم ويعذبهم بقسوة وظل 27 عاماً يحضر ابنه لخلافته وعندما تصاعدت حالة القلق لديه قتل ابنه وتخلص منه.

أما سياسة خلق المخاطر الوهمية لتبرير الفاشية والديكتاتورية والدموية فهى سياسة قديمة وليست من إبداع الفاشيين المحدثين فقد اتبعها في القرن الأول الميلادي إمبراطور روما “نيرون”، الذي تعاظمت حالة الجنون الفردي داخله فكان يستمتع بحرق المعارضين بوصفهم الأشرار، وانتهى به الأمر بحرق روما ذاتها، وابتكر ما يسمي بالخطر المسيحي على الإمبراطورية وصدّر هذا المفهوم للشعب ليلهيه عن سوء إدارته للبلاد ويبرر فاشيته وبدأ في القبض على المسيحيين وسجنهم وقتلهم وتقديمهم طعاماً للوحوش الكاسرة، بل وصل جنونه إلى قتل أمه بعد حرق روما بأربع سنوات.

المستبد بلا شركاء

والديكتاتور يكره الشراكة ويميل إلى الحكم الفردي المستند إلى التآمر والانقلاب على كل ما هو مؤسسي وشرعي من أجل الانفراد بالسلطة وهذا أمر ليس بدعا على مستبدي هذا الزمان فقد سبقهم النازي الألماني أدولف هتلر الذي وصل جنونه إلى تطهير الأرض من كل الأعراق حتى يسود الألمان العالم، إلا أن فرديته ظلت تتصاعد في تفاعل مع جنون الفاشية والاستبداد والذات المتضخمة، فداس على معظم الجنرالات المحيطين به، وأطاح بمؤيديه وزج بهم في السجون ووصل به الأمر والهوس إلى قتل ابنة أخته بسب هواجس تآمريه داخله، وكان دائماً ما يتوقع الشر ويخشى من أشرار وهميين يحيطون به وبمشروعه الفردي!

أما عيدي أمين الأوغندي فقد كان رائد الانقلابين العسكريين في اضطهاد المنافسين السياسيين واغتيالهم ويقدر عدد القتلى في عهدة بـ80 ألف قتيل، وغالباً ما يلجأ الحكام المستبدين وخاصة لو كانوا من أصول عسكرية إلى الحماية الأجنبية والاستعانة بالقوى الخارجية لحمايته، ومن الطبيعي أن يكون هذا على حساب الاستقلال الوطني والحفاظ على سيادة الأرض والأوطان وهذا ما فعله الدكتاتور “باتستا” في كوبا الذي استولي على الحكم فيها من خلال انقلاب عقب توليه قيادة الجيش وحكم البلاد بالعنف والسجون والاستبداد، واستعان الانقلاب بالتدخل الأجنبي لحماية حكمه المستبد وكان ينفق معظم الواردات على المجتمع العسكري حتى أطاحت به ثورة شعبية بقيادة “فيدل كاسترو”.

التاريخ يا سادة مواقف متشابه إلى حد يقترب من التطابق ومن هذه التشابهات حرص المستبدين والفاشيين على الالتصاق بالقوة العسكرية والمصالح الأجنبية حتى لو كانت استعمارية ضد مصالح أوطانهم، وتزداد المخاطر لو كان الدكتاتور من أصول عسكرية، ومن هذه التشابهات أيضاً حرص المستبدين على أسر بلادهم داخل صورة ذهنية من المخاطر والأوهام بوجود قوى شريرة محيطة والفقر والعوز. 

أما وحدة المصير التي تشكل نهايات معظم هؤلاء المستبدين تكون غالباً إما بالانتحار مثل هتلر أو الموت الذليل أو الإطاحة بيد قوى ثورية وطنية مدنية أو عسكرية.

وكما اعتدت في مقالاتي أنوه إلى أن ما ورد في النصف الثاني من المقال مجرد بانوراما تاريخية، ومن يرى أنه مقصود بهذا الكلام فالأمر يخصه هو شخصياً وليست مسؤوليتي.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة