كتاب الخلاف للطوسي

تحدثت في مقال سابق عن كتاب: (إيران السنية: الحياة الدينية في إيران قبل الدولة الصفوية)، وكيف أن إيران ظلت فترة طويلة من تاريخها سنية المذهب، قبل أن تنتقل إلى المذهب الشيعي، وأشرت إلى آثار إشاعة هذه الروح من التسامح الفكري والفقهي والعقدي، وقد أشرت إلى أثرين فقهيين في كتابين من كتب الفقه الشيعي، أولهما: كتاب الخلاف لشيخ الطائفة الإمامية الطوسي، وكتاب منتهى الطلب للحلي، وكلاهما من أئمة الشيعة المعتبرين لديهم، وأكثرهما أهمية بلا شك هو الأول “الطوسي” الملقب بشيخ الطائفة، وكتابه بعنوان: (كتاب الخلاف). والمؤلف ولد عام 385 هـ وتوفي عام 460هـ، وهو من الشيوخ والأئمة المعتمدين في الفقه الشيعي الإمامي، وهو المذهب الذي يعتنقه معظم الشيعة الآن، وبخاصة في دولة إيران.

الخلاف الفقهي

والكتاب يتحدث عن الخلاف الفقهي بين المذاهب الإسلامية، سنية وشيعية، وهي تجربة لا نجدها قبل هذا الكتاب، وربما بعده بدرجة ما، فكتب الخلاف الفقهي مشهورة في تراثنا الفقهي، منها مثلا: الخلافيات للبيهقي وهي معنية بالخلاف بين الشافعية والأحناف، وقد عنيت معظم كتب المذهبين بإيراد الخلاف بينهما، والانتصار لمذهب كل منهما، وكذلك كتاب ابن هبيرة: (اختلاف الأئمة العلماء) وهو يتحدث عما اتفق عليه الفقهاء، وفيما اختلفوا، وعلى المنهج نفسه كتب الفقه المقارن الأخرى كالمغني لابن قدامة المقدسي، وكتاب الأوسط لابن المنذر، فكل هذه الكتب اهتمت بذكر الخلاف الفقهي داخل الدائرة السنية، والعودة بأصول كل مسألة إلى الصحابة والنصوص الشرعية قرآنا وسنة نبوية.

ولذا كانت أهمية كتاب الخلاف للطوسي، أنه يتناول الخلاف الفقهي بين المدارس السنية والمدرسة الشيعية، وهو ما لم يتوافر في كتب أخرى، اللهم إلا كتاب: (منتهى المطلب في تحقيق المذهب) للعلامة الحلي أحد أئمة الشيعة في القرن السابع الهجري، وهو يعرض المسألة الفقهية، ويعرض رأي الفقه السني ويركز على المذهب الحنفي أكثر من أي مذهب آخر، ثم يعرض بالتفصيل المسألة في الفقه الشيعي بأدلتها وتفاصيلها، ولا ندري هل كانت عناية مراجع الشيعة هنا بذكر المذهب السني وأدلته وتفاصيل مذاهبه، لعلة أنهم يتبعون مذهب أقلية مذهبية، أم ينم عن منهج علمي لديهما، وهي مسألة جديرة بالدراسة كذلك.

أما عن سبب تأليف الطوسي للكتاب ومنهجه فقال: (سألتم أيدكم الله، إملاء مسائل الخلاف بيننا وبين من خالفنا من جميع الفقهاء من تقدم منهم ومن تأخر، وذكر مذهب كل مخالف على التعيين، وبيان الصحيح منه وما ينبغي أن يعتقد.

وأن أقرن كل مسألة بدليل نحتج به على من خالفنا، موجب للعلم من ظاهر قرآن، أو سنة مقطوع بها، أو إجماع، أو دليل خطاب، أو استصحاب حال – على ما يذهب إليه كثير من أصحابنا – أو دلالة الأصل، أو فحوى خطاب.

وأن أذكر خبرا عن النبي صلى الله عليه وآله، الذي يلزم المخالف العمل به، والانقياد له. وأن أشفع ذلك بخبر من طريق الخاصة المروي عن النبي صلى الله عليه وآلة، والأئمة عليهم السلام.

وإن كانت المسألة مسألة إجماع من الفرقة المحقة، ذكرت ذلك. وإن كان فيها خلاف بينهم أومأت إليه. وأن أتعمد في ذلك الإيجاز والاختصار، لأن ذلك يطول، وربما ملّ الناظر فيه).

الميزة الكبرى

فالكتاب إذن طلب إلى المؤلف أن يكتبه، وأن يلتزم فيه خطة ومنهجا، فهل التزم المؤلف أم لا؟

الحقيقة أن الرجل كان ملتزما بمنهجه بشكل كبير جدا، ولم يفارقه في كتابه كله، وهو ما يعد مرجعا في الموضوع مهما، وموثوقا فيه، والميزة الكبرى للكتاب أنه يعرض الآراء السنية والشيعية معا، مما يعطي القارئ المتخصص في الفقه نظرة مهمة، وربما لو رصد باحث هذه المسائل سيجد أن المدرسة الشيعية في كثير من القضايا الفقهية لا تختلف كثيرا عن المدرسة السنية، وكذلك النصوص التي يستندون إليها تتفق في نسبة ليست قليلة مع نصوص وأدلة المذهب السني، وأن الخلاف يتسع بين السنة والشيعة في مجال العقيدة في قضايا محددة كعصمة الأئمة وغيرها من المسائل المعروفة لدى المختصين.

وميزة كتاب الطوسي أنه يوضح كثيرا من الفقه الشيعي مما ينقل في كتبنا السنية من دون الرجوع إليها، والتي عند التأمل سنجد أن الخلاف في كثير من القضايا الفقهية له وجهة نظر معتبرة شرعا وأصولا، مثل مسألة المسح على الخفين والجوربين، والتي نرى من يجيزها ويؤصلها في الفقه السني، وهي سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومذهب الشيعة في ذلك عدم المسح، ولا يقرون به إلا عند الضرورة والتقية، وهم يرون في الوضوء مسح الرجلين، وليس غسلهما كما هو رأي الفقه السني، وكلا الرأيين في المسح على الخفين، والمسح على الرجلين، له دليله، وهو قوله تعالى: (وأرجلكم إلى الكعبين) المائدة: 6، في الآية قراءتان متواترتان يقر بها كل العلماء، فمن قرأ الأرجل بالنصب حملها على الغسل، وهو رأي فقهاء السنة، ومن قرأها بالجر حملها على المسح، وهو رأي الشيعة، ويستشهد فقهاء السنة بهذه القراءة التي يستشهد بها فقهاء الشيعة على جواز المسح على الخفين، وهكذا في قضايا أخرى في العبادات والمعاملات.

الفقه من المصادر

وفي الختام: الدرس الأهم من الكتاب وغيره، أن على من يتكلم عن الفقه الشيعي، أو المخالف في المذهب، أن يطلع على رأيه وفقهه من مصادره هو لا من مصادر الخصوم، فهذه بدهية من بدهيات البحث العلمي، وهو ما يقع فيه كثير من الباحثين، فينقل عن مصادر فرعية لا أصلية في الموضوع، وللأسف نجد مفكري وكتاب الشيعة يطلعون على الفقه السني، بينما يكتب كثيرون من أهل السنة عن الفقه والفكر الشيعي من دون الرجوع إلى مصادر القوم، وهو ما بدأ ينتبه إليه كثير من الباحثين مؤخرا، وأعتقد أن كتاب الخلاف للطوسي جدير بأن يتناوله باحث في مرحلة الماجستير، بالدراسة والبحث والمقارنة.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة