سر عداء الفاشية للحضارة

فطبيعة الفاشيين العسكريين لا تطيق أبدا مناقشات المثقفين وملاحظاتهم التي تشكل قيدا على انفرادهم بالرأي والقرار.

دعونا من المقالات وقواعدها، ورصانتها أو ركاكتها، ولنترك العنان لأفكارنا وهمومنا تبحر عبر كلمات متحررة من أي قيود.

ما أريد أن أتكلم عنه هو علاقة الكراهية بين الفاشية بكل أنواعها والحضارة، ولقد هاجمتني الفكرة عندما شاهدت صورة شارع “باب الوزير” بالقاهرة بعد إعادة رصفه بطبقة أسفلت جديدة أدت إلى دفن 5 درجات من سلالم المسجد الأزرق التاريخية، وسبيل عمر أغا، بالإضافة إلى انخفاض المحلات والبيوت الأثرية مقابل أرضية الشارع.

الحقيقة المؤسفة التي يؤكدها التاريخ أن كراهية الثقافة والآثار الدالة على الحضارات تركزت في فريقين بشكل مباشر أو غير مباشر، وهما فريق التطرف الديني بصفة عامة سواء كان إسلاميا أو مسيحيا أو يهوديا، وفريق الفاشية العسكرية سواء كانت حاكمة تري في الحضارة والعلم والثقافة عدوا لها وخطرا يهدد وجودها، أو الفاشية العسكرية المتمثلة في الجيوش والفرق الاستعمارية التي أدركت أن الآثار والحضارة والعلم والثقافة هم قواعد وأساس بنيان أي دولة فيسعون لتدميرها للقضاء على هذه الدولة والسيطرة عليها.

التتار يحرقون مكتبة بغداد

عندما هاجم التتار بغداد كان حرصهم على تدمير وإحراق مكتبة بغداد يفوق شراستهم ورغباتهم الدموية في القتل والنهب!!، ومكتبة بغداد هي أعظم مكتبة جمعت معظم فروع العلوم والآداب والفنون من علوم شرعية كتفسير القرآن والحديث والفقه والعقيدة والأخلاق، ومن علوم حياتية كالطب والفلك والهندسة والكيمياء والفيزياء والجغرافيا وعلوم الأرض، ومن علوم إنسانية كالسياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب والتاريخ والفلسفة وغير ذلك… هذا كله بالإضافة إلى ملايين الأبيات من الشعر، وعشرات الآلاف من القصص والنثر، بالإضافة إلى الترجمات المختلفة لكل العلوم.

لقد كان التتار يمثلون فاشية المستعمر الذي لا يلتفت لمعنى كلمة الحضارة بقدر ما يلتفت إلى الهيمنة والسيطرة والتحكم في موارد المستعمرات.

هذا الأمر لم يقتصر على الفاشية الاستعمارية ولكنه شمل للأسف أخطاء لبعض الرواد في العقائد المختلفة.

لن أتوقف كثيرا عند صراعات العقائد والديانات وتأثيرها السلبي على الحضارة، فقد كانت هناك التباسات خاصة بالوعي العقائدي والديني في البدايات، أما هدم حضارة أي مجتمع وتفريغه من مضمونه وتراثه وواقعه الثقافي كان هدفا واضحا وسلوكا مترصدا من قبل أي مستعمر أو حاكم فاشي يستهدف إضعاف المجتمع وتقطيع جذوره الحضارية والثقافية ليسهل الهيمنة عليه والسيطرة على جوانبه المفرغة.

المحتل وتفتيت الحضارات

عندما احتل الإنجليز مصر كانوا حريصين على تقويض سياسة لتعليم فيها، إذ عملوا على التقتير في تعليم المصريين وقصر الغرض من التعليم على الإعداد للوظائف وتشكيل المناهج التعليمية لتلائم أغراض الاحتلال.

الحقيقة أن هذه السياسة من المستعمر هي أمر متوقع للسيطرة على مجتمع قد تمثل الحضارة والثقافة والعلم فيه مخاطر على وجود المحتل ومنصة انطلاق لحركة المقاومة ضده، وهذا ما يفسر مقولة «جوبلز» وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر وألمانيا النازية “كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي”، فقد كانت هذه سياسة النازي للسيطرة على المجتمعات تقوم على تفريغه من مثقفيه وحضارته.

وفي إطار هذه السياسة لم يهتم هتلر النازي العسكري بالتراث الإنساني بقدر اهتمامه برؤيته العنصرية وهيمنته على العالم فأصدر مرسومة المعروف باسم “مرسوم نيرو”، ويحمل أمرا بتدمير البنية التحتية الألمانية عند الهزيمة لجعلها غير صالحة للاستعمال بالنسبة إلى الحلفاء أثناء تقدمهم، وكان هذا الأمر يشمل مستودعا به آلافا من التحف المشهورة عالمياً استولت عليها جيوش هتلر من أنحاء بلاد العالم، ولم تنجح خطته لأسباب غير معروفة حتى الآن، ولكن الشاهد أن هتلر لم يكن معنيا بالتراث الإنساني ولا المكونات الحضارية بقدر ما كان مهتما بالهيمنة الاستعمارية والسيطرة على العالم.

الفاشية العسكرية

كان أنور السادات في مصر يكره بشدة تعبيرات المثقفين والسياسيين فقد كانت تمثل له عائقا لشطحاته الفردية في الحكم، ولهذا كانت فترة حكم السادات مليئة بأحداث المطاردات والمتابعات للمثقفين والمبدعين وحاصرهم في دوائر بعيدة عن التأثير الجماهيري، ومن قبله اتبع جمال عبد الناصر نفس السياسة ولكن بأدوات أكثر عنفا ووضوحا تمثلت في توسيع مساحة الاعتقالات والمطاردات، فطبيعة الفاشيين العسكريين لا تطيق أبدا مناقشات المثقفين وملاحظاتهم التي تشكل قيدا على انفرادهم بالرأي والقرار.

لم يكن السادات غافلا عن أهمية الآثار المصرية ورغم ذلك أصدر دعوته الغريبة والمريبة بضرورة دفن المومياوات المصرية لاعتبارات دينية خاصة بتكريم الميت بدفنه!! فسر البعض هذه الدعوة بأنها جهل ورآها البعض تدابير لتبرير بيع المومياوات المصرية، وفسرها البعض الآخر على أنها نوع من الإيمان المفرط، ولكني أعتقد أنها شطحة من شطحات أي حاكم فردي ديكتاتوري؛ فطبيعة الحاكم الديكتاتور الفردي تدفعه إلى اتخاذ الكثير من القرارات غير المبررة أو التي تكون خارج حدود المنطق ومعمر القذافي كان نموذجا دقيقا لهذه الحالة.

والحقيقة كل الدعايات التي بثتها الأنظمة المختلفة عبر تاريخ مصر الحديث حول اهتمامها بتنمية السياحة وحماية الآثار المصرية والنهوض بالواقع الحضاري والثقافي المصري، كانت دعايات جوفاء لم تتناسب مع الواقع المتردي للآثار المصرية والفساد في هذا المجال وانتشار مافيات تهريب الآثار التي كانت تمارس عملها تحت حماية أمنية ما، ولم تتناسب مع حالة الإهمال الشديد للحياة الثقافية والعلمية في مصر وإهمال المواهب الأدبية والثقافية والفنية والصعود بالغثاء منهم بفعل الفساد أو بقصد الإفساد لإضعاف المجتمع ووضعه تحت سيطرة الفاشية المستبدة، وأيضا لا ترتقي هذه الدعايات إلى تدابير واهتمام أي بلد في العالم بالآثار المصرية التي تم تهريبها إليها.

التتار الجدد

واليوم عندما تتكرر حوادث التنقيب غير الشرعي عن الآثار، وتتكرر حالات تهريب الآثار في غفلة أو إغفال من الجهات الرقابية في مصر ويتم ضبطها خارج البلاد، وعندما يتم تغيير معالم شارع باب الوزير ورصفه بالقطران وإخفاء المعالم الأثرية به، وعندما يتم طلاء تماثيل أسود قصر النيل بالبويه، وعندما يتم ترهيب العلماء والمثقفين والأدباء غير السلطويين، وعندما تقوم موظفة عمومية وتربوية بحرق كتب مسجلة معتمدة من دار الكتب على طريقة التتار بحجة أن الكتب مضبوطة في مدارس مملوكة لـ “الإخوان المسلمين” وأن مؤلفيها معادون للدولة ولرئيسها وتحرق الكتب في مشهد تمثيلي خلفيته الهتاف للنظام الحاكم والغناء بأغاني تمجيد الحاكم ورفع علم مصر، وكأنها تقوم بعمل وطني جليل، وعندما يتم فتح الوطن كصالة مزادات لحضاراته وأرضه وقيمه وأنديته ليعبث بها توافه الكائنات وأصحاب الأغراض المريضة والمعقدة والاستعمارية مقابل أموال يضخوها في صندوق وهمي يحمل اسم الوطن، بينما الغالبية من الشعب يعيش معدماً مغيباً فاقداً لأي صلة بينه وبين وطنه… عندما يحدث كل هذا فاعلم أننا أمام تتار جدد وأن الوطن أصبح ملعبا للمتلاعبين، واعلم أيضا أن نهاية الاستبداد أوشكت وبدايات خطوات الحرية والاستقلال وتكسير قيود الظلم والفساد قد اقتربت.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة