مقالات

السيسي ليس المخادع الوحيد

 

(1) ليس المخادع الوحيد

قصص الوعود ونقضها من القصص وثيقة الصلة بالسلطة في تاريخنا، ويبدو أنها لم تعد مخجلة ولا تحتاج إلى إخفاء، بل يتفاخر بها رموز “السياسة القذرة”، وهي السياسة التي أطلق عليها النائب الراحل كمال الشاذلي صفة “النجاسة”، مطالباً الأطهار بتجنبها، وفي أعقاب ثورة يناير كثرت الوعود الطيبة والتصريحات المبشرة بالخير، كما كثر المديح للثورة وللجماهير، برغم أن الممارسات كانت في الاتجاه المضاد للثورة ولمصالح الجماهير معاً، وبدلا من الاعتذار الواضح عن الإفراط في تقديم الوعود الكاذبة ثم التفريط فيها، تبجح في مواجهتنا الكاذبون وحدثونا عن المرونة والظروف، وحقهم في تغيير الخطط والاستراتيجيات واستندوا إلى “فقه الضرورة”، لم يختلف في ذلك فريق من المجلس العسكري بحكوماته المتعددة حتى السيسي بتحويله “الضرورة” إلى “قوة غاشمة” لا تحتاج إلى تبريرات خادعة ولغة حانية، حتى وهو ينتزع اللقمة من فم الشعب، وينكد على الناس “عيشتهم”، لكن السيسي لم يكن المخادع الوحيد الذي وصل إلى السلطة فانقلب على وعوده وسقى الناس المر بدلا من “عسل الوعود”، فقد فعلها معظم الحكام قبله، وكالعادة نسي الناس وعود الرخاء وتحملوا المغارم وصعوبة الحياة، بل إنهم في كثير من الأحيان كانوا يدافعون عن الحاكم الذي خدعهم وسرقهم، وحتى لا تتشتت منا الحكاية سأتناول معكم في هذا المقال قصة وعود الرخاء التي انتهت بشظف العيش ورفع الأسعار فثار الناس ثورة شعبية جارفة في يناير 1977 سميت “انتفاضة الخبز”، لكن السادات وإعلامه أطلقوا عليها “انتفاضة الحرامية”، لأن العقل السلطوي لا يعترف أبداً بأن خروج الناس ضده “ثورة”، بل جريمة و”هوجة” و”مؤامرة” و”أجندات أجنبية لتخريب وتدمير البلد”.

(2) حكاية عن الرخاء الساداتي

كانت مصر خارجة من حرب اكتوبر بزهو النصر وأحلام الطامحين، وفي عام 1975 طرح السادات “ورقة أكتوبر” الذي وعد فيها بالرخاء الوفير، خاصة بعد أن نلقي السلاح وندخل عصر الانفتاح ونهتم بالسلام والتعمير، كانت لدينا دولة بمؤسساتها ولم تعترض على هذه التحولات الحادة.. كان لدينا برلمان، وحزب حاكم اسمه «حزب مصر»، وكان عندنا رئيس مؤمن مزهو بنصر أكتوبر وعلاقة الغرام ما بعد شهر العسل مع أمريكا، وطبعا كان عندنا حكومة (احنا طول الوقت عندنا حكومة)، المهم في هذه الحكاية أن وزيراً من تلك الحكومة وقف أمام البرلمان وألقى البيان الذي لا يموت أبداً… بيان «اربطوا الأحزمة»، كان الوزير هو الدكتور عبدالمنعم القيسوني نائب رئيس الوزراء (ممدوح سالم) للشؤون المالية والاقتصادية، وكان البيان يخص رفع الدعم عن معظم السلع الأساسية في حياة الناس، وكلها تتعلق بالتموين والطاقة: العيش.. الرز.. الشاي.. السكر.. السولار.. البنزين… إلخ، لذلك كان الوزراء يتهربون من إعلانه، حتى استقر الرأي على القيسوني لإلقاء البيان.

(3) الأمن يحذر من ضرب بطون الناس!

المثير في القصة أن تقارير أجهزة الأمن القومي ومباحث أمن الدولة كانت قد حذرت بشدة من إجراءات رفع الدعم، وكتبت مذكرة بذلك في نهاية اجتماع يوم 13 يناير 1977، ومما جاء في هذه المذكرة أتوقف أمام التعبير التالي: « إن أى إجراء تضرب به السلطة (بطون الشعب) سيؤدى إلى ثورة شعبية»، لكن لا السادات اهتم ولا حكومة ممدوح سالم اهتمت، لأنها كانت تهتم فقط كما أكدت في تصريحاتها بتنفيذ توجيهات سيادة الرئيس المؤمن على ضرورة تلبية مطالب صندوق النقد والبنك الدوليين لخفض عجز الموازنة، ولم يكن أمام قادة البلد إلا الطاعة العمياء لمؤسسات شايلوك الدولية، وهكذا رضخت الأجهزة الأمنية بعد موافقة الحكومة وموافقة حزب مصر الحاكم (النسخة الأولى من الحزب الوطني)، فأعلن القيسوني بيان التبعية لمؤسسات الرأسمالية الدولية وتجاسر بتحمل إعلان رفع الدعم وضرب بطون الشعب الفقير

(4) هكذا تتشكل ائتلافات دعم الدولة

باتت النار ليلتها مشتعلة تحت قِدر الفقراء، حتى وصل (القِدر) في الصباح إلى درجة الغليان، فاندلعت أخطر ثورة شعبية في تاريخ مصر المعاصر، ثورة 18 و19 يناير 1977 التي نبهت السادات لضرورة حكم الشعب بقبضة أمنية لا تسمح بتكرار ثورة الفقراء مرة أخرى، كما انتبه السادات لضرورة القضاء على اليسار تماما وتفكيك النقابات العمالية والتجمعات الطلابية، فأخرج الإخوان من السجون وفتح الطريق أمام تيارات الإسلام السياسي لاحتلال الجامعات، والمؤسسات النقابية، والجمعيات الأهلية، والمساجد والزوايا الصغيرة، والشوارع والحواري، ودرات ماكينة التفتيت والتقسيم، حتى ارتفعت موجة الجهاد ضد الشيوعين الملحدين في أفغانستان، فتسلحت هذه القوى (المدعومة من مصر والسعودية وواشنطن رأسا) بالمال والسلاح، وتجاوزت طموحاتها فكرة الدعوة والإصلاح الديني والأخلاقي إلى طموح إمبراطوري لابد أن يبدأ بالقضاء على مشاريع التحديث العلمانية الكافرة من أجل إعادة الخلافة الإسلامية.

(5) سؤال عند مفترق الطريق)

أفكر كثيراً في خطوات السادات بعد صدمته في 18 و19 يناير: هل كان يدرك أنه يستدرج مصر (متعمدا) إلى هذا المصير الممزق الرث الذي وصلت إليه؟ وهل كان ذلك نتيجة مؤامرة دولية مع أمريكا أو إقليمية مع السعودية ودول النفط؟ أم أنه كان مدفوعا فقط بهاجس تمكين حكمه والدفاع عن قصره في مواجهة العمال والفقراء الذين تجرأوا على الثورة دفاعا عن معيشتهم، وسياسات العدالة الاجتماعية التي كانت تتآكل أمام أعينهم تحت أقدام الطبقة الطفيلية الجديدة الصاعدة في الاقتصاد، وموجات التخريب والتغريب التي أطاحت بالنموذج المصري في كل شيء، فالحديث عن مسخ الهوية لم يقتصر على مشاريع التنمية وتوجهات المجتمع الكبرى في السياسة والاقتصاد والثقافة، لكنه طال الملابس واللكنة، وطريقة المعاملات الإسلامية، وحتى المدرسة المصرية في تلاوة وتجويد القرآن.

(6) من يحاكم الرئيس؟

السؤال ليس عن الرئيس السادات وحده، لكنه سؤال عن الحساب.. أليس الحساب قيمة إنسانية وإلهية أيضا؟.. أليس له أهميته في الأرض وفي السماء؟!. لا أظن أننا سنختلف كثيراً على ضرورة الحساب… من حساب المقهى إلى حساب الآخرة، لكننا يجب أن نهتم بأسلوب الحساب السياسي مع الإيمان بأن هناك حساب للقدر ننتظره ولا نملكه، فالسادات مثلاً تعرض لإعدام علني برصاص الجماعات التي دعمها وفتح لها المجال، وهذا لا يعني أنه تلقى جزاءه السياسي وانتهى الأمر، فالاغتيال فعل بغيض لأنه ليس نتيجة محاسبة قضائية مكفولة بما اتفق عليه المجتمع من قواعد وقوانين، لكنه تصرف فردي لا تتفق عليه القوانين في معظم المجتمعات، لذلك لا أظن أن الأمة استفادت من اغتيال السادات في شيء، بالعكس أضيرت أكثر وأكثر، لأن السادات حكم 30 عاما بعد موته من خلال مبارك وأظنه مازال يحكم حتى اليوم، لأن إزاحة الشخص دون محاكمة نحاسبه فيها على ماحدث، جعلنا نجهل ما هو المفيد في فترة حكمه وما هو الضار؟.. جعلنا نتحزب ونختلف ونتشاجر على عواطف، ورؤى شخصية، ومعلومات مجتزأة، تدعمها حملات إعلامية وسياسية ملونة ومضللة في اتجاه التأييد وفي اتجاه التنديد أيضا، لكننا حتى الآن لم نفكر بشكل عملي محترم في محاسبة حاكم، ليس بغرض التنكيل أو الانتقام، ولكن بغرض التعلم ومعرفة الأخطاء لتجنبها في المستقبل، وأظننا أحوج ما يكون إلى هذه الثقافة من غير ربطها بغريزة الانتقام أو الخوف من الخازوق والمشنقة، فالحساب هو أول خطوة في بقاء الضمير حياً وفاعلاً وقادراً على تصحيح المسير.

(7) الرسالة في عبارة واضحة

أيها الحكام: لا نريد أن نقتلكم، فقط نريد أن نحاكمكم، فهذا أضمن وأأمن لنا ولكم..

نرجو التفهم والمعاونة.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة