الشعب والحكم

 ربما يكون التوقع الافتراضي عند الكثير من البشر، للعلاقة بين كلمتي الشعب والحكم هو التجانس والتقارب والتكامل، ولكن الحقيقة التي تؤكدها كل الدلالات التاريخية تشير إلى أن الأمر ليس كذلك، أو بدقة أكثر لا يكون الأمر كذلك إلا في ظل الأنظمة والحكومات الشعبية التي تحكم لصالح شعوبها وتعبر عنها وهو ما ندر.

المشكلة في الالتباس الذي يصيب الشعوب فيما يخص خطاب كل هذه الأنظمة سواء كانت شعبية أو نخبوية أو مستبدة أو عادلة، فالتشابه كبير بين خطاب الأنظمة الفاشية وطنطتها بالوطنية وبين خطاب الأنظمة الشعبية الوطنية، وتدورها معظمها حول حب الوطن وعشق التراب والاستقلال الوطني والحريات واحترام إرادة الجماهير، ولا مانع في كثير من الفترات من الاستعانة بالخطاب الديني واستخدام مفردات خشية الله والعمل لوجه الله، بل يصل الأمر إلى تدثر بعض الحكام برداء الإيمان ومغازلة الفرق الدينية مثلما فعل الرئيس المؤمن محمد أنور السادات وكانت المفارقة أن نهايته كانت على يدهم، بل واستخدم الخطاب الديني من البعض لخداع مجموعات سياسية ذات مرجعية دينية واختراقها مثلما فعل وزير الدفاع وقت حكم الرئيس محمد مرسي وارتدي ثوب الدين وامتلأت عيناه بالدموع عند ذكر الله وغلب على صوته وكلماته الملائكية الورعة حتى أسقط من خدعهم، ما علينا ليس هذا جوهر موضوعنا.

بالطبع هناك فرق في المحتوى وصدق الكلمات بين النظام الشعبوي والنظام الفاشي المستبد رغم تشابه الحروف وتطابق الكلمات، والفرق هنا لا يُدرك لفظيا وإنما يدرك من خلال دلالات وإشارات وقواعد تستند على الخبرات التاريخية.

تنمية كاذبة

الشائع أن محمد علي كان مؤسس الدولة الحديثة المصرية ورائد أكبر مشروع نهضوي في مصر بل وفي الشرق كله، فأين ذهبت هذه النهضة عقب موت محمد علي؟ غرقت مصر في أوحال الديون والانهيار الاقتصادي منذ هذه الفترة حتى الآن بتباينات وأشكال مختلفة، إلا أن المشهد في مجمله لا يوحي بأي مظاهر نهضوية.

القارئ بتركيز غير كبير في هذه الفترة والمتابع للسلوك السياسي لمحمد علي وسلوكه تجاه الشعب المصري يمكن أن يتنبأ بسهولة من دون الوصول للصفحة الأخيرة بانهيار هذه النهضة المزعومة، فالعلاقة قوية بين السلوك السياسي وجدية محتوى المشروعات التنموية.

هل كان محمد علي يؤسس لنهضة المجتمع لمصري والشعب المصري أم كان يؤسس لدولة «علوية» له ولأبنائه من بعده؟

هذا ما تكشف عنه الأحداث والمؤامرات التي دبرها محمد علي ليصل إلى سدة الحكم وينفرد بحكم مصر، وهذا ما تكشفه أيضا العلاقة الانتهازية بينه وبين الشعب، والتي كانت تستند إلى عنصرين أساسين هما الدهاء الشديد لمحمد علي في مقابل السذاجة الشديدة للقيادات الشعبية المصرية.

الأحداث كما نعرفها جميعا بدأت بعد خروج الحملة الفرنسية وتقرب محمد علي من القيادات الشعبية التي قادت الحركة الشعبية ضد الحملة واحتضن المماليك وهادنهم (مع ضمان عدم وجود تقارب بينهم وبين الشعب) وهنا كان الخطاب المستخدم هو نفس الخطاب الديماغوغي الذي يستخدمه الحكام الفاشيين مثل حب الشعب وطهارة اليد ومقاومة الفساد والاستقرار…الخ.

وكما نعلم من الأحداث استقر محمد علي على كرسي الحكم في مصر مستندا على التأييد الشعبي في مواجهة السلطان العثماني الذي رضخ للإرادة الشعبية، وفي الوقت نفسه لم يقطع محمد علي حبال الود والرضاء معه، وتستمر الأحداث ليتخلص محمد علي من القيادات الشعبية ويحل نفسه من أي التزامات ووعود لدى الشعب، ثم يتخلص من الأداة الثانية التي كان يستخدمها للبطش وهم المماليك ليستقر على كرسي الحكم، وبدأ أولى خطوات مشروعه النهضوي لإنشاء دولة حديثة تبدأ في مصر وتتسع شرقا وجنوبا، وبالطبع لم تكن ضمن أهداف هذه النهضة الرقي بالشعب المصري أو النهوض به أو تطويره، بل كان كل هذه يحدث في إطار كونه أدوات لخدمة مشروعات محمد علي وحروبه التوسعية ودولته، وهو ما أدركته الدولة العثمانية وإنجلترا وفرنسا وبعض دول أوروبا الذين كانت لهم أطماع استعمارية في المنطقة تهددها طموحات محمد علي الجامحة فتحالفوا عليه وأسقطوا مشروعه ونهضته الحديثة، ولم تظهر ملامح لهذه النهضة على مصر، بل انهارت الأوضاع وهو ما يؤكد أن هذه المشروعات التنموية وهذه النهضة لم تكن من أجل مصر ولا شعب مصر إنما من أجل مجد الأسرة الحاكمة ورجالها وطبقاتها المحيطة بها ولو كانت نهضة تستند على بنية شعبية حقيقية وصادقة ما انهارت بانهيار مشروع محمد علي الشخصي.

المشاركة الشعبية هي معيار لكشف صدق أو كذب ادعاءات النهضة والتنمية، رغم أن مشروعات محمد على من ناحية الوجود المادي الفعلي مشروعات حقيقية (الترع والقناطر والمصانع والمدارس وغيرها)، ولكنها كانت وهما كبيرا كمشروعات تستهدف تنمية شاملة مستدامة لشعب أو وطن فكانت مثل بنيان أسس على شفا جرف هار فانهار به.

استمرار المأساة

وحتى بعد سقوط الملكية ومغادرة آخر أفراد أسرة محمد علي لمصر وإعلان الجمهورية، استمرت مأساة التنمية غير الشعبية أو التنمية بلا أساس وهو ما عاصرناه فترة الستينيات من قيام مشروعات اقتصادية كبرى وخطط تنمية عديدة ومعها في خط مواز قمع شديد للشعب ووصاية بطريركية من النظام على الشعب وتنحيته تماما عن المشاركة الحقيقية في الحكم، وكانت النتيجة المتمثلة في كارثتين الأولى هزيمة 1967 التي كانت صدمة للمصريين الذين كانوا ضحية دعاية القوى المصرية العظمى التي لا تقهر والكارثة الثانية انهيار كل المشروعات التنموية والمجتمع الاشتراكي المزعوم عقب موت جمال عبد الناصر.

السبب نفسه الذي أدى لانهيار نهضة محمد علي هو الذي انهار بالنهضة الناصرية في الستينيات بعد موت جمال عبد الناصر، وهو استبعاد الشعب من المشاركة الحقيقية في الحكم والاعتماد على سيطرة العسكر بل وعسكرة الدولة ذاتها.

ولأني مقتنع من أنه لا قيمة للسرد التاريخي أو للتحليل التاريخي من دون الربط بالواقع فأنا مضطر أن أقيس هذه التسلسلات ودروسها على الواقع المعاصر، الذي يتأكد من المتابعة الأولية له أنه امتداد لمأساة الدولة الحديثة المصرية منذ عهد محمد علي حتى الآن، خاصة في مشاهد المؤامرات علي الشعب منذ عام 2011 وتتابع الخطوات التصاعدية للمؤامرات بنفس منهج محمد علي، هذه الخطوات التي بدأت بالتقرب الشديد للشعب وقت ثورته على الدولة المباركية في تشابه مع ما فعله محمد علي مع الشعب عقب ثورته على الفرنسيين ورفضه الحاكم العثماني، ثم التحصن بقوة العسكر والجيش مثلما فعل محمد علي مع المماليك وبعض فرق الألبان، ومهادنة وخطب ود القوى لاستعمارية المحيطة على رأسها إسرائيل والولايات المتحدة مثلما هادن محمد علي العثمانيين والفرنسيين والإنجليز، ثم الانقلاب على القوى الشعبية والقيادات الشعبية والوقيعة بينها والزج بقيادتها وشبابها في السجون، مثلما فعل محمد علي مع القيادات الشعبية التي رفعته لكرسي الحكم، ثم الإطاحة بالحلفاء العسكريين من خارج دائرة المؤامرة سواء بإقالة كبار رجال الجيش أو تفريغ جهاز المخابرات من قيادته، مثلما فعل محمد علي مع المماليك، ثم الإعلان الدعائي عن مشروعات تنموية فارغة المضمون وبعيدة عن دائرة المصالح الشعبية، مثلما فعل محمد علي وقيامه بمشروعات تنموية لا تصب في مصلحة الشعب، وهنا نقف قليلا لأن هناك فرقا يجب الاعتراف به عند المقارنة بين المشروعات التنموية الوهمية الحالية ومشروعات محمد علي غير الشعبية، هذا الفرق يتمثل في جدية مشروعات محمد علي رغم اختلال هدفها، وهزلية مشروعات الواقع مثل قناة السويس الجديدة والعاصمة الإدارية الجديدة!

مرحلة التفريط

ما يزيد هذه المرحلة كارثية هو ظهور ملامح جديدة لم تكن موجودة في المراحل السابقة أهمها التنازل عن أرض الوطن لدول خارجية مقابل قيام أحلاف تضمن حماية نظام الحكم وبقائه!

وبالطبع كان الخطاب الديماغوغي فارغ المحتوى هو السائد طوال الوقت والذي يستخدم مفردات حب الوطن وأرض الوطن والحرية والديمقراطية دون محتوى أو مضمون حقيقي.

والخلاصة أن الفيصل في صدق أي نظام وخطابه وشعارته هو المشاركة الفعلية للشعب في الحكم وليس المشاركة الهزلية عبر برلمان كرتوني فاسد، وهذا أمر أكد التاريخ أنه لا يتم بالمنح وإنما بالانتزاع الثوري.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه