مقالات

كيم .. الذي ركع!

خلاصة ما تابعته في سنغافورة طوال الثلاثاء الماضي أن الرئيس الأمريكي ترامب بدا منتصراً، بل منتشيا بالانتصار الذي حققه على غريمه السابق رئيس كوريا الشمالية كيم جونج أون الذي صار عنده – بعد القمة التي عُقدت بينهما في هذا اليوم – صديقاً، ورجلاً رائعاً، وشجاعاً واستثنائياً!

كما بدا لي كيم مهزوماً، مهما حاول أن يكون قوياً ثابتاً نداً لند لرئيس القوة العظمى الوحيدة، ففي النهاية تم تركيعه، أمريكا أجبرته على التسليم والتوقيع على وثيقة نزع سلاحه النووي، وهي وثيقة استسلام عن مصدر قوته الوحيد في شبه الجزيرة الكورية، وشرق آسيا، ومصدر التحدي الوحيد له، ليس لأمريكا فقط، بل لقوتين اقتصاديتين وديمقراطيتين كبيرتين في المنطقة هما: كوريا الجنوبية واليابان.

نزع المخالب

خضع كيم وركع بعد تصريحات سابقة له يهدد فيها بأن كل أراضي أمريكا باتت تحت رحمة صواريخه البالستية طويلة المدى، وأنه قادر على ضرب جزيرة غوام الأمريكية في المحيط الهادي، أين ذهبت تلك التصريحات القوية اليوم؟، وماذا سيقول لشعبه؟، وكيف هي صورته في أذهان الشعب البائس بعد أن يتم نزع أنيابه ومخالبه النووية والبالستية واحداً بعد الآخر، وبتعهد وقعه أمام العالم، والتنصل أو محاولة التهرب أو الالتفاف على التعهدات ستكون عواقبه مكلفة له ولنظامه وبلده؟، فهو من طلب عقد القمة، وهو عاد وكرر المطلب بعد أن ألغاها ترامب على خلفية تصعيد سياسي كوري مفاجئ لم يعكس وقتها الأجواء الودية ولا الرغبة في إنهاء أزمة الملف النووي.

ضمن أسباب ركوع كيم بعد محاولة تحدي أمريكا والجيران والمجتمع الدولي شدة وطأة العقوبات التي تُضاعف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية لكوريا والكوريين حتى لو كانوا مستسلمين للنظام الديكتاتوري القاسي، ولا شيء في أيديهم يفعلونه، وحزمة العقوبات الأممية الأخيرة، وبموافقة روسيا والصين الحليف الوثيق لـ كيم، كانت قاصمة، والنظام الأبوي الوراثي، ربما شعر مع حدة العقوبات، والاستهداف الأمريكي، أنه سيكون في وارد الانهيار، والأمريكان بعثوا برسالة تهديد قبل القمة بأن مصير النظام قد يكون مثل مصير نظام القذافي، والصين لا تريد قوة نووية مجاورة لها، ولو كانت هي تابعتها المخلصة كوريا الشمالية، والجارة الجنوبية واليابان ليسا بلدين عاديين، فسباق تسلح في المنطقة قد يدفعها إلى أن تكون جهنم حمراء، والماضي الاستعماري، وغزو اليابان الواسع  لمعظم بلدان المنطقة، وقوتها الشرسة قبل استسلامها في الحرب العالمية الثانية وتقليم قدرتها العسكرية، هي نذر خطر عاصف لو أعادت تسليح نفسها، أو سُمح لها بذلك، ويابان مثل هذه لن تكون في مصلحة الصين أو آسيا والعالم.

مقومات المواجهة

أمريكا تنتصر، فهي عندما هددت الرجل القصير الصاروخ المهووس – كما وصفه ترامب – بمسح بلاده من على وجه الأرض إذا فكر في المساس بأمنها، أو بجزيرتها، فإنها تقول ذلك من مصدر قوة، فهي تمتلك كل مقومات المواجهة والتحدي، وهي في سنغافورة لم تقدم تنازلات، ولم تكن القمة تناقش التخلي عن سلاح مقابل سلاح، أو برنامج مقابل برنامج، لم يكن الأمر كما لو كانت أمريكا مقابل الاتحاد السوفيتي السابق، ولا حتى مقابل الاتحاد الروسي، أو الصين، رغم أنها دول قوية وقادرة على مناكفة أمريكا، لكن في حدود معينة.

تبقى أمريكا هي القوة العظمى، وهي سيدة هذا العالم، وصاحبة الكلمة العليا فيه، والقرن الواحد والعشرين لا يزال أمريكياً، فلا قمة مثل التي شهدتها سنغافورة كانت ستحظى بهذا الترقب والاهتمام العالمي الواسع ما لم يكن طرفها الأساسي الرئيس الأمريكي، ولا لقاء يحظى بتركيز سياسي وإعلامي واسع إلا إذا كان أحد طرفيه رئيس أمريكا، ولا تصريح رسمي قادر على إرباك عاصمة هنا أو هناك إلا تصريح ينطق به الرئيس الأمريكي، بغض النظر عن اسم هذا الرئيس.

والقيمة الأساسية لأمريكا أنها دولة مؤسسات حقيقية وقوية وفعالة، ودولة صناعة قرار ديمقراطي، ودولة حريات، ورئيسها يستمد قوته من ذلك ومن مواردها البشرية الهائلة، ومن دورها في صناعة الحضارة العالمية، ومن مصادر قوتها المالية والاقتصادية والعسكرية المتنوعة الهائلة، ومن قواها الناعمة التي لا مثيل لها في بلدان كبرى في العالم، ولهذا لا يهم إن كان الرئيس اسمه دونالد ترمب، ومشكوكاً في كفاءته السياسية والمهنية، وفي قدراته على حكم وإدارة الدولة العظمى، أو مشكوكاً في سلوكه الشخصي والأخلاقي، ولو كانت ممثلة إباحية تطارده وتفضحه على الملأ، فكل هذا في جانب حتى لو كان يمس صورته ولياقته الرئاسية، لكن في الجانب الآخر الأهم أنه الرئيس المنتخب للولايات المتحدة الأمريكية، والقائد الأعلى للمؤسسة العسكرية للقوة العظمى الوحيدة، والذي تحت يديه زر كل أسلحة الدمار الشامل التي تحوزها بلاده، وهي كفيلة بتدمير العالم مرات عدة .

التشكيك في الأهلية

مع ذلك فإن ترامب مثار السخرية والفضائح الواسعة والتشكيك في أهليته للحكم يحقق نتائج لم يحققها سابقون عليه، فقد جلب كوريا الشمالية لطاولة التوقيع على نزع سلاحها النووي والباليستي، ويعيد إيران إلى دائرة القلق والتوتر والعقوبات والعزلة، ويحلب ضرع الخليج كما يشاء ليملأ خزائن بلاده بالمال، ويوفر ملايين الوظائف لمواطنيه، ولا يعفي حلفائه الأوربيين والآسيويين من الدفع مقابل الحماية، ويفرض رسوماً تجارية وعقوبات اقتصادية، ويعيد ضبط الميزان التجاري مع مختلف دول العالم، ويوجه التجارة الدولية لصالح أمريكا والشركات الأمريكية، وافتقاده للدبلوماسية واستعراضه لعناصر القوة بـ "غشم"، ولغته الفجة غير السياسية تجعل دولاً كثيرةً كبيرةً وصغيرةً تتحسب له وتتجنب الصدام معه، بل وتخضع لما يريده.

لا يكفي أن تنتهج دولة ما طريق المقاومة، المقاومة فكرة وممارسة ضرورية لحماية السيادة والكرامة والاستقلال الوطني عندما تكون هذه القيم مهددة، ومهما كانت القوة العاتية التي يواجهها البلد الذي فُرضت عليه المقاومة، والمقاوم قد لا يستطيع هزيمة من ينازله، أو الصمود طويلاً أمامه، مثل حالة كوريا الشمالية مع أمريكا اليوم، لكن قبل الشروع في تبني المقاومة فإنها بحاجة للقوة التي تدعمها، قوة فعالة ومستديمة، القوة المادية بجانب قوة الحق والعدل والشرعية، والمقاومة بحاجة إلى العقل الذكي الماكر الداهية الذي يعرف أين يضع أقدامه؟، وكيف يحركها؟، ومتى يكون ذلك؟، وما لم تكن المقاومة مدروسة ومعقولة ومنطقية فإنها تكون انتحاراً أو اندحاراً كما حصل مع كيم الذي ركع، فقد أنفق ثروات بلاده المحدودة أصلاً على برامج تسلح نووي وبالستي، وبناء قوة عسكرية ضخمة، ثم في لحظة يعلن نزعها وتفكيكها بطريقة استسلامية كمن هُزم في معركة، وكأن شيئاً لم يكن.

طريق كوريا الجنوبية

والآن، ماذا لو كان كيم ووالده وجده قد انتهجوا من البداية نفس طريق نصفه الآخر كوريا الجنوبية في البناء، وتنمية الاقتصاد، ورفاهية الإنسان وحريته بدل القمع والديكتاتورية الوحشية؟ ومن يملك اليوم محاسبة الطاغية الذي يوقع على نزع السلاح وتدميره بعد هدر مليارات الدولارات عليه على حساب حرمان مواطنيه من أبسط حقوقهم في الحياة؟ وأين مشهده وهو يوقع في الجزيرة السنغافورية، وهو مصمت الوجه، من مشهده عندما كانت ضحكته تجلجل ووجهه يتفجر سعادة في أيام قريبة سابقة وهو يراقب بمنظاره انطلاق صاروخ، أو تفجير نووي، ويزف لشعبه تحقيق إنجاز عسكري جديد في بناء كوريا الشمالية العظمى؟

إنه حكم الفراعنة أنصاف الآلهة الذين يسومون شعوبهم سوء العذاب، ومن أسف أن يساعدهم على ذلك العالم الحر الذي لا تعنيه غير مصالحه من وراء دعم الطغاة، أو التفاوض معهم، هذا العالم الذي لا يعبأ بحقوق الشعوب المنتهكة، فالرئيس ترامب تهرب في مؤتمره الصحفي الذي أداره بنفسه في سنغافورة من الإجابة الواضحة عن كل الأسئلة المتعلقة بحقوق الإنسان في كوريا الشمالية، كانت سعادته فقط بالنصر الذي حققه في نزع سلاحها!

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة