مقالات

هنا مزارع العبودية والاستعباد الجنسي!

 
 تعيش إسبانيا هذه الأيام على وَقع تَداعيات قضية استغلال جنسي أثارها تقرير جريدة Correctiv الألمانية الشهر الماضي، كشفت ملفّا أظلم مثَّلت العمالة النّسائية المغربية المَوسِمِية فيه، الضّحية المُنكَّل بها. 
قضيّة تداخلت فيها أطراف إسبانية ومغربيّة (على السّواء) بين مُتّهم ومُشاركٍ ومُتَستِّرٍ. “فضيحة الاستعباد الجنسي” كما وصفتها الجريدة الألمانية تُعتبر جزءا أساسِيا من الحياة اليومية المسكوت عنها في حقول منطقة “ويلفا” الإسبانية منذ سنوات. مُدّة زمنيّة طويلة زادت من فَظاعة الحقيقة الموءودة تحت الأرقام الرنّانة التي يُباهي بها الاقتصاد الإسباني في تصدير أطنان الفراولة وبقية الفواكه الحمراء.
   من الضروري التذكير أوّلا، بأن جريدة كورّكتيف الألمانية،قدمت هذا التقرير في إطار سلسلة من التقارير الاستقصائية بالتعاون مع منظمة حقوقية سويسرية، تتابع مشاكل شريحة مُعيّنة من النساء المُستضعفات في المغرب (النساء الحمّالات على حدود مليلية) وفي إسبانيا وإيطاليا (الفلاحات المَوسِميّات) ونجحت في توثيق شهادات عن الاستغلال الجنسي والمهني الحاصل في حقول الفراولة في محافظة ويلفا في جنوب غرب جنوب إسبانيا. عِلما بأنّ ألمانيا تُعتبر الزّبون الرئيسي لفراولة “ويلفا” الإسبانية، وهذا التقرير يندرج في إطار ثقافة أخلاقيات الاستهلاك (التحقق من سلامة المُنتج وخُلُوِّه من أيّ تجاوزات بيئية وإنسانية مُقترفة طوال حلقة الإنتاج والنقل).
مزارع العبودية
  منذ عشر سنوات تقريبا، اقتحمت جريدة الباييس حاجز الصّمت الذي يحكم مجال تلك المساحات الفلاحية الشاسعة وأثارت مُعطيات عمّا يُشاع عن الجرائم المُقترفة في حقّهنّ، إلّا أنّ التكذيب من طرف أصحاب الأرض و”العاملات” أغلق باب التحقيقات حينها. ورغم ذلك تواصل اجتهاد بعض الصحفيين من داخل إسبانيا وخارجها للاستدلال بإشارات تُثبت حقيقة وخطورة هذا الموضوع. دلائل وصفتها الدّوائر الرسمية بالهَشّة في ظلّ غياب شهادات مُوثّقة لضحايا فعليين.
     ومَع انتشار هذا الصّيت ونعت منطقة ويلفا الأندلسية بمزارع العبودية في الأوساط الحقوقية والنقابية، قامت الجهات الإسبانية والمغربية المسؤولة عن اتفاقية التشغيل في هذه الضّيعات التي تبلغ 7 آلاف هكتار، بزيارات ميدانية في بداية شهر مايو الماضي ونشرت تقارير تُثبت سلامة العقود وظروف العمل. لكن شهادات المغربيّات التي نشرتها الجريدة الألمانية بعد تلك التقارير فجّرت انتقادات كبيرة وعجّلت بتحرّكات النقابات والصحف لالتقاط تصريحات الضحايا قبل ترحيلهن.
  التفاصيل تفيد بأن مزارع الفواكه الحمراء (الفراولة أساسا) في ويلفا بلغت عائدات صادراتها السنة الماضية 920 مليون يورو وتُشغّل قرابة 32 ألف عامل موسمي مُستورد (نساء أساسا)،17 ألفا منهم من المغرب ضمن اتفاقيات عمل مؤقت دقيقة الشروط تصل لثمانية أشهر في السنة. وحسب تقرير الجريدة الألمانية والباييس الإسبانية، تقع هذه الضيعات في مناطق بعيدة ومعزولة عن المناطق العمرانية، وفيها تُقيم العاملات الأجنبيات في غرف جماعية مُتراصّة. يتمّ التنقل إلى القرى المُحيطة في أيام العُطل (إن وُجدت) بحافلات تُوفّرها إدارة الضيعة التي تُسجّل أوقات دخول وخروج كل الأشخاص. تتمركز على محيط هذه الضيعات فِرق من البوليس الإسباني في إطار “ضمان أمن” المناطق ذات الكثافة العالية، باعتبار الـسّبعة آلاف هكتار تُشغّل إجمالي 70 ألف شخص ما بين إسبانيين وأجانب.
دون رجعة
  مع دخول بولونيا ورومانيا وبلغاريا الاتحاد الأوربي، غادرت عاملات هذه البلدان العمل الفلاحي بمقاطعة الأندلس كاملة دون رجعة. لكنّ وكالات التشغيل المُشرفة على هذا القطاع عوّضتها بالعمالة المغربية، وبتنازلات أكثر من المُتوقّع من طرف وزارة الشغل المغربية حيث اشترط صاحب العمل الإسباني يدا عاملة نسائية غير مُتعلّمة، لا تتقن أي لغة، أمّهات، ويا حبّذا أن تكُنّ مُعيلات لذوي احتياجات خاصة (أبناء، أزواج، والدين)، لضمان عودتهن إلى المغرب. أمّا الإقامة فمشروطة قانونا بمزاولة العمل التي يحدد مدتها صاحب العمل. وهو من يُقرّر أيضا تاريخ انطلاق وانتهاء الخدمة وقرار نقل العاملات من المغرب إلى إسبانيا أو العكس فقط على متن حافلاته الخاصة أو بالمناولة. مع التأكيد على أنّ التأمين والتقاعد والعمل النقابي خطوط حمراء.
  موضوع التُّهم التي تمحورت حول الاستغلال والتحرش والاغتصاب تُفيد بوجود لوبي مترابط ومُتستّر على أجواء العمل في هذا القطاع، بداية من القائمين على عمليات الانتداب في المغرب وصولا إلى المُشرفين على مراقبة نسق العمل في الميدان. طبيعة علاقات توحي بأن “الاستعباد” مُتفق عليه ولا يُمثّل عَيبا في أخلاقيات هذه الشركات، مِمّا يجعل من كل مَن تُوقع على عقد عمل مؤقت هناك، مُوافقة على استغلالها بكل الأشكال، ومن أي صاحب ذي سلطة ولو كان حارس البناية أو سائق الحافلة.
   وقد أكّدت شهادات الضّحايا مثلا، أنّ الاتّفاق يتمّ في البداية على أنّ تصرف الأجور حسب عدد ساعات مزاولة العمل. لكن عمليّا، يتمّ اقتطاع ثلث ما تتوقّعنه من الربح الصافي دون تقديم تفسيرات، وكل من تعبّر عن اِمتعاضها تُعاقب في البداية بحرمانها من العمل وتركها حبيسة الغرفة حتى طلب المعذرة، وإن لم تفعل تُرحّل مباشرة.
  أمّا حالات التحرش والاغتصاب فقد أفادت شهادة إحداهن، وبعيدا عمّا تعرضت له هي، بأن أحد المتهمين وصل به الحد لمضاجعة واحدة مختلفة كل ليلة مع الحرص على تصويرهن وضمان صمتهن. وحتى الآن تُجمِع شهادات 10 مغربيات و3 إسبانيات على اتّهام أشخاص (مغاربة وإسبان) بأعينهم في هذه الشبكة بدءا بتهمة الاستغلال والمساومة حتى الاغتصاب.  لكن المشكل المطروح يُؤكد أن تُهم الاستغلال يُمكن إثباتها، غير أن الاغتصاب والتحرش صعب في ظل غياب مقاطع فيديو أو بقايا حامض منوي.
عمليات الاجهاض
  تقرير الجريدة الألمانية استند أيضا على مُعطًى آخر يتمثل في أرقام وفّرتها الدوائر الصّحية تُفيد بأن معدل عمليات الإجهاض في تلك المحافظة هو الأعلى في إسبانيا منذ أكثر من عشرين سنة، وأن أكثر من 90% منه السنة الماضية أجريت على عاملات جني الفراولة.
  وكما تساءل العديد من الإسبان وشيطنوا التحركات الأخيرة في ويلفا، سيتساءل الكثيرون عن سبب تَكتّم العاملات على هذه الانتهاكات طوال السنين الماضية وغيرها من الانتهاكات الجنسية وعدم تقديم شكاوى رسمية ضد مغتصبيهم. الإجابة تتمثل في أن الشبكة المُتّهمة تتوخّى التهديد والعقاب بالحرمان من العمل في حالة امتعاض أي ضَحية، علما بأن الحرص منذ البداية على توفير عمالة مفَقّرة وأَمّية تقريبا يدخل ضمن مُخطط الاستغلال. أمّا إذا ثبت أي شك في تسريب خبر ما عن عمليات الاغتصاب فإن الترحيل الفوري يُعتبر الحل الأمثل لكتم صوت الضحية وكل من تفكر في أن تحذو حذوها. وبطبيعة الحال، إذا ما وقع إبعاد الضحية إلى المغرب، فإنها تكتب بنفسها نهاية حلمها وأحلام من عوّلوا عليها في كسب قوت السنة.
   وفي الحقيقة فقد تسرّب عدد من مقاطع الفيديو بعد الترحيل إلى المغرب ولم تَجن الضحايا هناك سوى الإقصاء والتّحقير والجوع المدقع. والأقسى من هذا أنّه، ورغم ذيوع صيت سوء سُمعة هذا القطاع، مازالت جحافل المغربيات تتقاتل أمام مكتب الانتدابات (الوسيط) في المغرب لنَيل ولو أيام معدودات في هذه الضيعات بسبب الفقر الشديد. الأمر الذي جعل أغلب النقابات العمالية المغربية تتكاتف لنُصرة هذه الشريحة المُستضعفة. أمّا وزارة الشغل المغربية فمازالت تؤكّد على صِحة تقاريرها وسلامة ظروف عمالتها في حقول الفراولة، وهي بهذا تُوضّح سبب فقدان هؤلاء المستضعفات الثقة وقبولهنّ بتقفّي سراب إسبانيا، هناك حيث الوحوش البشرية علّها تجود عليهنّ بسدّ الرّمق.
 
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة