مصالح الصين الاقتصادية تدفعها للاستجابة لأمريكا

نقلت وسائل الإعلام عن مصادر أمريكية مؤخرًا بأن ثمة حل يلوح في الأفق بخصوص الخلاف التجاري بين الصين وأمريكا، وأن الصين تقدمت بعرض يضمن لأمريكا تخفيض الفائض التجاري للصين بنحو 200 مليار دولار، وهو ما يعنى زيادة الصادرات الأمريكية للصين بهذا المبلغ.

ويأتي هذا الرد على خلاف ما أعلنته الصين من قبل، بأنها ترفض أي شروط من قبل أمريكا، وأنها على استعداد لكل الاحتمالات في خلافها مع أمريكا، وتوقع البعض أن الحرب الاقتصادية العالمية على الأبواب، وأن ما تم بشأن الخلاف التجاري مقدمة لهذه الحرب، وأن العملات وسعر الفائدة سوف يفعلان كأدوات مهمة في هذه الحرب، من جميع أطراف النظام الاقتصادي العالمي، وليس من قبل أمريكا والصين فحسب.

وهو ما دعا كريستين لاغارد مديرة صندوق النقد الدولي في مطلع مايو/أيار 2018 للتصريح بأن غيوما قاتمة تلوح في أفق الاقتصاد العالمي، على الرغم من احتمالات التفاؤل تجاه معدلات النمو الاقتصادي العالمي، وحددت لاغارد هذه الغيوم بالحماية التجارية وارتفاع أسعار الفائدة، وزيادة مديونية الدول النامية.

والجدير بالذكر أن الصين كانت تحقق فائضًا تجاريًا مع أمريكا بنحو 375 مليار دولار، وفق احصاءات نهاية عام 2017، وهو ما دعا ترامب لإعلان مجموعة من الإجراءات التي اعتبرت تطبيقًا عمليًا لنزوج أمريكا نحو الحماية التجارية، من خلال فرض رسوم جمركية على واردات الحديد والألومنيوم، ليس تجاه الصين فحسب، ولكن مع كافة دول العالم، وبخاصة كبار شركائها التجاريين: الاتحاد الأوربي واليابان، وإن كانت الإجراءات الأمريكية تجاه الصين شملت نحو 103 سلعة، وهو ما دعا الصين لأن تفرض رسومًا جمركية على وارداتها من أمريكا.

الملكية الفكرية

ركزت أمريكا في خلافها مع الصين هذه المرة، على حقوق الملكية الفكرية، بجوار ضرورة فرض الرسوم الجمركية، وأنها تنفق مليارات الدولارات على البحث العلمي، بينما تقوم المصانع الصينية بتقليد المنتجات الأمريكية وتسويقها على مستوى العالم، وتذهب التقديرات الأمريكية إلى أن ما تقوم به الصين من مخالفات لقواعد الملكية الفكرية، يكبد أمريكا سنويًا نحو 600 مليار دولار.

وبلا شك أن التقديرات الأمريكية ليست مسلمات، ولكنها قابلة للأخذ والرد، فضلًا عن إثبات ذلك وإقامة الدليل عليه، وهو ما يستوجب وقتًا ليس بالقليل، ولكن على ما يبدو أن الصين لديها مخالفات واضحة في هذا الشأن، ولعله كان ضمن الأسباب القوية التي دعتها لتقديم عرضها الأخير على أمريكا بتقليض فائضها التجاري بنحو 200 مليار دولار.

مصالح معتبرة

اعتمدت الصين بشكل كبير على تعاملاتها التجارية مع العالم، والتي قدرت بنهاية 2017 بنحو 3.6 تريليون دولار، منها صادرات بما يزيد بقليل عن تريليوني دولار، ومن دون شك فإن أمريكا تعد الشريك التجاري الأول للصين، بقيمة تجارة تزيد عن نصف تريليون دولار.

وإذا نظرنا إلى الفائض التجاري السنوي للصين مع دول العالم فإنه يبلغ نحو 510 مليار دولار، يتحقق منه 375 مليار دولار من أمريكا فقط، وهو ما يعني أن استجابة الصين للمطالب الأمريكية كان بدافع المصلحة، واستمرار الأداء الإيجابي للاقتصاد الصيني.

الدرس المستفاد

من أهم مميزات التجارة الصينية، أنها في كل مرة تحول الأزمة إلى فرصة، ولعل هذا واضح من خلال إداراتها لملفات العديد من أزمات مناطق النزاع، كما هو الحال مع الدول التي تعاني من عقوبات اقتصادية من قبل أمريكا أو أوربا.

ونحسب أن الصين ستقبل بالتعاون مع أمريكا في ملفات الخلاف التجاري والملكية الفكرية، ولكن في إطار ما يسمى الحل التكتيتي، وبما لا يؤثر على معدلات النمو الاقتصادي لها خلال الفترة القادمة، ولكنه سوف تتجه على المديين المتوسط والطويل، لإعادة رسم خريطتها التجارية، بحيث لا تتسم بالتركز الشديد مع دولة بعينها، كما هو الحال مع أمريكا، وحتى لا يكون تركز التجارة ورقة ضغط تمارس ضدها فيما بعد، كما فعلت أمريكا مؤخرًا.

ولكن إذا ما انتهى الأمر بصحة ما نشرته المصادر الأمريكية بقبول الصين بتخفيض فائضها التجاري بنحو 200 مليار دولار، ستكون في شكل ورادات من أمريكا، فإن ذلك يعني أن أمريكا سوف تستخدم نفس أدوات الضغط مع بقية شركائها التجاريين الذين فرضت على واردتها منهم رسوم جمركية إضافية.

وهو ما يكرس لاستمرار أمريكا على رأس النظام التجاري والاقتصادي العالمي، على الرغم من تصديرها لكافة مشكلاتها الاقتصادية للعالم، وأن مواطنيها يعيشون في مستويات اقتصادية أعلى من حقيقة دخولهم بفضل سيطرة أمريكا على المقدرات المالية والاقتصادية العالمية.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة