مكارثي محمد أحمد

 
 
قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: “وهكذا مضى بنا العمر أيها الفيلسوف واقتربنا من النهاية ولم أتلق منك سوى دروس وحكم على لسان كليلة ودمنة وكلها مستمدة من خبرات الماضي أقصى ما يمكن أن أستفيد منها لا يكون إلا في الواقع، ولكني أيها الحكيم لم أتذوق من هذه الدروس والحكم طعم المستقبل ولم أدرك مذاقه، فما قدمته لي منقوص”… أنحني بيدبا تأدباً وخشوعاً وقال بصوت خافت مرتعش: “أنت الذي علمتني يا مولاي أن المستقبل بيد الله وأسراره لا يعلمها إلا هو”، تذمر الملك في رأفة المحب لمحدثه وقال: “ولكنك حكيم سيذكره التاريخ وطبيب وعالم لا بد أن تجد وسيلة تذيقني بها طعم المستقبل كي أرى كيف تأثرت الأجيال القادمة بخبرات الأجيال الماضية”.
اعتزل بيدبا البشر أياما وانزوى داخل نفسه يفكر ويفكر فلم يتعود أن يُرد لمليكه طلبا حتى لو غفر له دبشليم عجزه عن تلبية مطالبه، وفي هذه اللحظة ظهر أمامه خيال كأنه هبط من السماء وسمع صوتا كالرعد الرقيق يقول له: “لا تقلق يا بيدبا”… على غير عادة البشر لم يتملك بيدبا الخوف وقال بثبات: “كيف لا أقلق وأنا عاجز عن الاستجابة لأمنية مليكي وحبيبي”، فرد الخيال الدخاني: “يا بيدبا حبك لمليكك حب خالص خالي من النفاق الإنساني وهو يستحق فهو ملك طيب لم يبطش ولم يظلم ويحمل داخله حكمة النصائح التي رويتها له على لسان اثنين من الذئاب هما كليلة ودمنة، لهذا ستحقق لمليكك أمنيته، فقط اذهبا إلى مغارة شرق الجبل واستلقيا فيها دقائق حتى يغلبكما النعاس وبعدها ستنتقلون إلى المستقبل في أي بلد من العالم وفي عام ما من أعوام المستقبل، وعندما تشعرون بالقلق يمكنكما العودة للمغارة والاستلقاء بنية الاستمرار في الرحلة أو العودة لزمنكما وستنفذ لكما نيتكما، ولكني أحذركما من الصدمة أو الانفعال أو التفاعل مع ما سوف تشاهدونه في المستقبل”.
أسرع بيدبا لدبشليم وأخبره بما حدث، ولأن دبشليم كان يثق في فيلسوفه توجه معه فورا للمغارة ونفذا وصية الخيال الدخاني وذهبا في سبات عميق…
“مكارثي” والعسس
استيقظ الفيلسوف ومليكه في مكان صاخب مملوء بعربات تسير بلا خيول وبشر يرتدون ملابس غريبة، وصادفا شخصاً أصابه الرعب من رؤيتهما ولكنه سرعان ما اطمأن لهما ولسبب ما غير معروف صدق روايتهما وأصبح دليلهما، وفي اختصار غير مخل شرح لهما طبيعة البلد والزمن الموجودين فيه وبدل لهما ملابسهما وأخذهما في رحلة معاينة للمجتمعات والبشر في المستقبل.
سار الثلاثة في شوارع البلد الصاخب ولاحظ دبشليم الملك عدة ملاحظات طبيعية لاختلاف الأزمان، وكان الدليل يشرح لهما إلا أن ملاحظة واحدة أوقفت الدليل عن الشرح بصوت عادي، وانتقل إلى الكلام همسا عندما سأله دبشليم عن كثرة العسس والشرطة في الشوارع ونظرات الرعب في أعين الناس فقال الدليل: “إنهم رجال (مكارثي) والناس تخاشهم”… سأل بيدبا: “ومن هذا المكارثي يا رجل حتى يفعل هذ؟!”، نصحه الدليل بخفض صوته وقال همساً: “إنه جوزيف مكارثي نائب جمهوري في مجلس إدارة البلاد اسمه الكونغرس وهو يعتقد أن الشيوعيين مخترقون البلاد ويطاردهم في كل الأماكن والزوايا ويطهر كل الفئات منهم وخاصة المثقفين”، قال دبشليم: “ومن هؤلاء الأشرار الملقبون بالشيوعيين الذي أقلقوا الحاكم والمجتمع؟!”، رد الدليل: “إنهم أشخاص يؤمنون بأن جميع البشر يشتركون في ملكية ثروات المجتمع ويؤمنون بالعدالة الاجتماعية والتوزيع المتوازن للثروة وانتفاء الطبقات بين الناس”، فغر دبشليم الملك فاه وقال صارخا: “هؤلاء ليسوا أشرارا ولكنهم من أفاضل الناس، هكذا يكون المجتمع المثالي، ألم تعلمنا هذا يا بيدبا من خلال روايتك عن مجتمع الغابة؟”، قال بيدبا: “نعم سيدي”، فرد الدليل شارحا: “المجتمع الذي نعيش فيه مجتمع رأسمالي يؤمن بحق تكدس الثروة في يد القليل من البشر ويعتقد اعتقادا مقصودا أن الشيوعيين كفار لأنهم يخالفون معتقدات الطبيعة التي خلق الله بها البشر وهي الطبقية… و”مكارثي” يحتاجهم لاستخدامهم فزاعة يرهب بها الحاكم والناس فيباركوا اضطهادهم لكل من يريد “مكارثي” اضطهاده لأي سبب وخاصة المثقفين والسياسيين فهم يكرههم”، اندهش دبشليم اندهاش الغرباء الذين ينشدون السلامة في مجتمع غامض عنهم وسار مع الركب إلى أن وجد تجمعا أمام كشك لتوزيع الصحف فسأل: “ما هذا المكان ولماذا يتجمع هؤلاء البشر هكذا؟!” رد الدليل: إنه مكان لبيع الصحف وهي نشرات تنقل أخبار المجتمع والناس وقرارات الحاكم والمفروض أنها معبرة عن هموم الناس ولكن هذا غالبا لا يحدث، وهؤلاء الناس يقرؤون ما ورد في الصحف اليوم ويبدو أنه مهما لجذبهم بهذه الطريقة”، واقترب من الصحيفة وقرأ على عجالة ثم استأنف كلامه: “إنها أخبار عن التحقيق مع مارتن لوثر كينغ وألبرت أينشتاين وآرثر ميللر وتشارلي تشابلن”، فسأل دبشليم: “ومن هؤلاء ؟… مجرمون أم منحرفون؟”، رد الدليل: “بل أخطر هم مثقفون سياسيون وعلماء وأدباء وفنانون!!”.
انزعج دبشليم وصرخ في الدليل: انقلنا للمغارة لنهرب من هذا المجتمع الذي يطارد المثقفين والعلماء والفنانين إنه مجتمع لم يستفد بحكمتك يا بيدبا”، وانتقلوا للمغارة وودعا الدليل وذهبا في سبات عميق للانتقال إلى مجتمع آخر لعلهم يجدوا فيه حكمة حيوانات غابة كليلة ودمنة.
 
   جلاد الكلمة
استيقظ المسافران عبر الزمن من سباتهما ليجدا أنفسهما وسط تكدسات من البشر تسير كالسكارى ويتحركون كريش الطاحونة في دأب وسرعة أو كأنهم ترس في ماكينة قدرية لا قاعدة لحركتها ولا منطق، ومثلما حدث في الرحلة الأولى قابلهما شخص، وأيضا لسبب ما استوعب روايتهما وأصبح دليلها وشرح لهما طبيعة المكان والزمان واستبدل ثيابهما وبدأوا رحلتهم.
وكالعادة أيضا أبدى دبشليم ملاحظاته وكان أهمها الكآبة على وجوه البشر وحالة التوتر العصبي التي تتسبب في كثرة المنازعات والاشتباكات بينهم في الشوارع كما لاحظ فوضى في الطرق وانتشار عربات تشبه “الخنافس السوداء”، علم أن اسمها توك توك وتسير في فوضى وبلطجة تحت الأرصفة وفوقها، وشاهد رجال الشرطة والعسس يطاردون أشخاصا في الشوارع ويلقون بهم في السيارات فسأل دبشليم: “من هؤلاء الذين يطاردهم العسس أهم الشيوعيون الذين كان يطاردهم مكارثي في رحلتي السابقة”، استفسر الدليل عن كلام دبشليم فأوضح له بيدبا الأمر، وهنا رد الدليل: “لا إنهم الإخوان ولكن العسس يفعلون بهم مثل ما فعله مكارثي بالشيوعيين لنفس الغرض وهو استخدامهم كفزاعة للسيطرة على المجتمع وقمعه ضد الظلم ومنع أي احتجاج على السلب والنهب الذي يمارسه رجال الحاكم”، اغرورقت عين دبشليم بالدموع ونظر لبيدبا نظرة المعاتب وقال له: “يبدو أن نصائحك لم تصل لهذا الزمن أيضا”… وجلس الثلاثة على مقهى يستريحون فإذا بالتلفاز يذيع برنامجا إخباريا يستضيف شخصا ذا صوت أجش مزعج يهدد ويتوعد، فسأل دبشليم منزعجا: “من هذا الشخص مزعج الصوت وكأني أشاهد «مكارثي» في هذا الزمن… ولما يتكلم بهذه الطريقة غير اللائقة؟!»، أجاب الدليل: اخفض صوتك إنه صفوت محمد أحمد المسؤول عن جماعة الكتبة في هذا البلد ومهمته تأديبهم وتهذيبهم ومنعهم من الخروج عن المسار الذي يرسمه الحاكم، وهو في نفس الوقت مستشار الحاكم وكلبه الأمين الذي يعد التقارير عن الكتبة المنحرفين عن المسار ويرتب أدلة اتهامهم بالأخونة مثلما كان يفعل “مكارثي” مع المثقفين ويتهمهم بالشيوعية، سأل دبشليم بيدبا مندهشا: “لماذا يستعين الحاكم بكلب ليكون مستشاره ولم يفعل مثل ما فعله الأسد حاكم الغابة في قصصك واستعان بالثور لقوته وحكمته وطيبته؟”، فكر بيدبا وأجاب: “لأن الحاكم في قصصي يا مولاي كان أسدا يفكر ويقرر بمنطق الأسد… أما حاكم هذه البلاد ليس أسدا”… سأله دبشليم: “وإن لم يكن أسداً فماذا يكون؟”… هنا تدخل الدليل ووضع يده على فم بيدبا واستحلفه ألا يتكلم قائلا في ذعر: “التزم الصمت والحيطة فهذا الذي يتحدث في التلفاز له رجاله يستطيعون في لحظات نقلنا إلى المعتقل، الأسبوع الماضي فقط كتب تقريرا في رئيس تحرير بأنه نقل خبرا عن مجلة أجنبية لم يعجب الحاكم انتهى الأمر بوضعه في السجن، وبعدها بأيام كتب تقريرا أحال به ثمانية من الكتبة المعروفين بولائهم للحاكم للتحقيق لمجرد أنهم نقلوا صورة حقيقية لمشهد يحدث في البلاد ولم يشفع لهم ولائهم للحاكم”!!!… نظر دبشليم للتلفاز في غيظ وسأل الدليل: “ذكرني مرة أخرى ما اسمه؟”، أجاب الدليل «صفوت محمد أحمد»… قال دبشليم: “لا بل اسمه مكارثي محمد أحمد”.
وهنا قرر الملك وفيلسوفه العودة لزمنهم، وفور عودتهم عزل دبشليم بيدبا لعدم فائدته وأحرق كتابه “كليلة ودمنة”، واختار أحد العسس النتناء ليكون وزيراً له يكتب له تقريراً يومياً عن الخلق وشؤونهم في مملكته.
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة