انتخبوا الفاشل!

تتبارى الأنظمة في فترات الانتخابات العامة في معظم دول العالم الثالث في أن تثبت للعالم نزاهة تلك العمليات الانتخابية، لكي تدعي أن هناك إقبالا منقطع النظير من الجماهير للتصويت، في محاولة من تلك الأنظمة لانتزاع نوع من الشرعية لاستمرارها في سياستها المرهقة لشعوبها، ولتحتج بذلك الإقبال المزعوم أمام الاتهامات الحقوقية الدولية بانتهاك حقوق الانسان أو إنها أنظمة فرضت نفسها على شعوبها غير الراغبة فيها بالعنف وآلة القمع فتعرض ذاتها للعزلة السياسية عالميا وإقليميا.

القمع

وفي مصر التي تميز نظامها الانقلابي بكل سوءات الأنظمة السياسية الديكتاتورية ، تمر البلاد بعد أربع سنوات من ممارسة القمع غير المسبوق بتلك الحالة الانتخابية الزائفة، وذلك المشهد المفضوح بدفع الناس بالتهديد والوعيد للتصويت، بعد الفضيحة التي شهدها العالم في الخارج داخل أروقة السفارات المصرية علي الهواء، بعد إصرار المصريين بالخارج على مقاطعة تلك المهزلة السخيفة ليصفع النظام صفعة مدوية ولينبهه أن المصريين قد شبوا عن الطوق، وأن محاولات الخداع التي تمت في الانتخابات الأولى لهذا الانقلابي الفاشل لم تعد تنطلي عليهم ، مما وضع النظام في حالة من الحرج الشديد خاصة أن الانتخابات بالداخل لم يتبق عليها سوى ساعات معدودة والشارع يغلي من الفقر المدقع وتدني مستوى المعيشة حتى الطبقة المتوسطة قاربت علي التلاشي، وتدني مستوى الخدمات التي تقدم للمواطن البسيط من تعليم وصحة حتى وصل مستوى التعليم في السنوات الأخيرة للترتيب قبل الأخير عالميا . أما الصحة فقد خلت المستشفيات تقريبا من أقل الخدمات التي يمكن أن تقدم كالأدوية ومستلزمات الإسعافات الأولية، هذا فضلا عن الارتفاع الفاحش في أسعار الكهرباء والماء الذي لم يعد صالحا في معظم الأماكن للاستعمال الآدمي هذا إن وجد! وانهارت منظومة التعليم الجامعي ليسري الفساد فيها كما سرى في كل مرافق الدولة لينحط بمستوي الطالب المصري، ولتصير الرشوة والمحسوبية والوراثة هي سبيل الوصول للتفوق والحصول على درجات جامعية تؤهل للتعيين بها.

العنوسة

وعلى المستوى الاجتماعي وصلت نسبة العنوسة لأكثر من ثلاثين بالمئة وفي مقابلهم من الذكور الذين لا يملكون قوت يومهم، أو يستطيعوا توفير عمل في دولة تحارب شبابها، وعدد هؤلاء قابل للزيادة نظراً للمصانع التي تغلق، والشركات التي تخصخص وتباع في البورصة بأقل الأسعار وهي شركات ناجحة في معظم الأحيان وكأن هناك تعمدا وإصرارا على تجريف هذا الوطن وبيعه في نهاية المطاف.

 ديون تكبل الأجيال المقبلة لعشرات السنوات دون داع لها ودون مردود من جرائها إلا مزيدا من التبعية والانبطاح حتى صرنا عاجزين عن الوفاء عن سداد فوائد تلك الديون التي لا نعرف لها مصيرا أو أين ذهبت تلك المليارات؟

 وإذا أردنا أن نلقي نظرة علي قطاع الزراعة التي هي عنوان مصر فنجد انتكاسة حقيقية تهدد بمجاعة قريبة لا يعلم مداها إلا الله، ففي الوقت الذي يسر النظام علي إثيوبيا بناء سد النهضة باتفاقات سرية، يحرم النظام علي المزارعين زراعة محصول الأرز الذي يعتبر الوجبة الرئيسة للمصريين، وحدد أربع محافظات فقط لزراعته نظرا لانخفاض منسوب مياه النيل مما يهدد بارتفاع أسعاره التي هي فوق طاقة المواطن في الأصل، وتتعرض آلاف الأفدنة للبوار بسبب نقص المياه، ثم يطالب الإعلام ويلح علي الفلاحين بالتصويت للرئيس الذي فشل في الإبقاء على الأرض التي ظلت آلاف السنوات تجود علي الناس بالخير ، فشل في الإبقاء عليها كما هي فضلا عن أن يزيد رقعتها كما وعد من قبل بزراعة مليون ونصف المليون فدان.

وفي ظل تلك الأوضاع يصر النظام علي أن تخرج العملية الانتخابية في الصورة المثلى لينقذ نفسه أمام العالم وبعدما تطاول حتى على رجال الجيش الذين تجرؤوا وفكروا في منافسته للخروج من تلك الحالة المظلمة، ولمحاولة إنقاذ البلاد من انفجار يوشك أن يأتي على الأخضر واليابس بها، لكنهم تعرضوا -وهم القادة العسكريين- أمثال الفريق عنان الذي كان رئيسا لأركان الجيش المصري وشفيق وقنصوه، للسجن والتعذيب علي يد ميلشيات النظام التي تهدد الجميع من الاقتراب ولو بكلمة نقد. في ظل تلك الأوضاع يحرص النظام علي أن يدفع الشعب دفعا بتهديد موظفي الدولة والقطاع العام والمؤسسات الاجتماعية للذهاب للجان الانتخابية جبرا ليشهد العالم علي أن هناك  انتخابات تمت في هذا البلد، ليحتج بها الطاغية أمام من يترقبون المشهد بأنه ما زالت له قدرة علي إدارته في الداخل، وأن الانفجار الثوري الذي يترقبه الجميع ويتوقعونه ما هو إلا وهم بدليل خروج الناس بكثافة للتصويت

المقاطعة

لقد أصبح لزاما على المصريين أن يثبتوا للعالم رفضهم لهذا العبث الذي يتم على أرضهم، وعلى الشعب أن يعي أن النظام إذا كان يعطي الأهمية للوجود أمام اللجان الانتخابية فعليه هو أن يفشل ذلك المخطط السياسي وهذا أضعف الإيمان، بأن يقاطع ويسجل رفضه معذرة إلى ربه وللأجيال القادمة بأن آباءهم لم يشاركوا في صناعة ديكتاتور باع الأرض واستباح الحرمات.

 على الشعب المصري اليوم أن يحسم أمره ويقرر أن يقاوم، مقاومة سلبية بعدم المشاركة ولو تحت التهديد فذلك أول طريق الحرية.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة